ﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩ

لِلْحَقِّ، وَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ أَحَدُهُمَا: عَلَى قَوْلِنَا مِنْ رَبِّهِمْ أَيْ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمُ اتَّبَعَ هَؤُلَاءِ الْبَاطِلَ وَهَؤُلَاءِ الْحَقَّ، نَقُولُ هَذَا مَثَلٌ يُضْرَبُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْأَمْثَالِ، فَإِنَّ الْكُلَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْإِضْلَالُ وَغَيْرُهُ وَالِاتِّبَاعُ وَغَيْرُهُ وَثَانِيهِمَا: هُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ الْكَافِرَ يُضِلُّ اللَّهُ عَمَلَهُ وَالْمُؤْمِنَ يُكَفِّرُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِ، وَكَانَ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ مُبَايَنَةٌ ظَاهِرَةٌ فَإِنَّهُمَا ضِدَّانِ، نَبَّهَ عَلَى أَنَّ السَّبَبَ كَذَا أَيْ لَيْسَ الْإِضْلَالُ وَالتَّكْفِيرُ بِسَبَبِ الْمُضَادَّةِ وَالِاخْتِلَافِ بَلْ بِسَبَبِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَإِذَا عُلِمَ السَّبَبُ فَالْفِعْلَانِ قَدْ يَتَّحِدَانِ صُورَةً وَحَقِيقَةً وَأَحَدُهُمَا يُورِثُ إِبْطَالَ الْأَعْمَالِ وَالْآخَرُ يُورِثُ تَكْفِيرَ السَّيِّئَاتِ بِسَبَبِ أَنَّ أَحَدَهُمَا يَكُونُ فِيهِ اتِّبَاعُ الْحَقِّ وَالْآخَرَ اتِّبَاعُ الْبَاطِلِ، فَإِنَّ مَنْ يُؤْمِنُ ظَاهِرًا وَقَلْبُهُ مَمْلُوءٌ مِنَ الْكُفْرِ، وَمَنْ يُؤْمِنُ بِقَلْبِهِ وَقَلْبُهُ مَمْلُوءٌ مِنَ الْإِيمَانِ اتَّحَدَ فِعْلَاهُمَا فِي الظَّاهِرِ، وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ بِسَبَبِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِ الْبَاطِلِ، لَا بِدَعَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ مَنْ يُؤْمِنْ ظَاهِرًا وَهُوَ يُسِرُّ الْكُفْرَ، وَمَنْ يَكْفُرْ ظَاهِرًا بِالْإِكْرَاهِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ اخْتَلَفَ الْفِعْلَانِ فِي الظَّاهِرِ، وَإِبْطَالُ الْأَعْمَالِ لِمَنْ أَظْهَرَ الْإِيمَانَ بِسَبَبِ أَنَّ اتِّبَاعَ الْبَاطِلِ مِنْ جَانِبِهِ فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ الْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ مِثْلَانِ يَثْبُتُ فِيهِمَا حُكْمَانِ وَعُلِمَ سَبَبُهُ، وَهُوَ اتِّبَاعُ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، فَكَذَلِكَ اعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ اتُّبِعَ فِيهِ الْحَقُّ كَانَ مَقْبُولًا مُثَابًا عَلَيْهِ، وَكُلُّ أَمْرٍ اتُّبِعَ فِيهِ الْبَاطِلُ كَانَ مَرْدُودًا مُعَاقَبًا عَلَيْهِ فَصَارَ هَذَا عَامًّا فِي الْأَمْثَالِ، عَلَى أَنَّا نَقُولُ قَوْلُهُ كَذلِكَ لَا يَسْتَدْعِي أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَثَلٌ مَضْرُوبٌ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ حَالَ الْكَافِرِ وَإِضْلَالَ أَعْمَالِهِ وَحَالَ الْمُؤْمِنِ وَتَكْفِيرَ سَيِّئَاتِهِ وَبَيَّنَ السَّبَبَ فِيهِمَا، كَانَ ذَلِكَ غَايَةَ الْإِيضَاحِ فَقَالَ:
كَذلِكَ أَيْ مِثْلُ هَذَا الْبَيَانِ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ وَيُبَيِّنُ لَهُمْ أَحْوَالَهُمْ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ أَمْثالَهُمْ عَائِدٌ إِلَى مَنْ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: إِلَى النَّاسِ/ كَافَّةً قَالَ تَعَالَى: يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَثَانِيهِمَا: إِلَى الْفَرِيقَيْنِ فِي الذِّكْرِ مَعْنَاهُ: يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَ الفريقين السابقين.
[سورة محمد (٤٧) : آية ٤]
فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤)
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ فَإِذا لَقِيتُمُ يَسْتَدْعِي مُتَعَلِّقًا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، فَمَا وَجْهُ التَّعَلُّقِ بِمَا قَبْلَهُ؟ نَقُولُ هُوَ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَضَلَّ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَاعْتِبَارُ الْإِنْسَانِ بِالْعَمَلِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَمَلٌ فَهُوَ هَمَجٌ فَإِنْ صَارَ مَعَ ذَلِكَ يُؤْذِي حَسُنَ إِعْدَامُهُ فَإِذا لَقِيتُمُ بَعْدَ ظُهُورِ أَنَّ لَا حُرْمَةَ لَهُمْ وَبَعْدَ إِبْطَالِ أَعْمَالِهِمْ، فَاضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ الثَّانِي: إِذَا تَبَيَّنَ تَبَايُنُ الْفَرِيقَيْنِ وَتَبَاعُدُ الطَّرِيقَيْنِ، وَأَنَّ أَحَدَهُمَا يَتْبَعُ الْبَاطِلَ وَهُوَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ، وَالْآخَرَ يَتْبَعُ الْحَقَّ وَهُوَ حِزْبُ الرَّحْمَنِ حَقَّ الْقِتَالُ عِنْدَ التَّحَزُّبِ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ الثَّالِثُ: أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ لِضَعْفِ قَلْبِهِ وَقُصُورِ نَظَرِهِ إِيلَامُ الْحَيَوَانِ مِنَ الظُّلْمِ وَالطُّغْيَانِ، وَلَا سِيَّمَا الْقَتْلُ الَّذِي هُوَ تَخْرِيبُ بُنْيَانٍ، فَيُقَالُ رَدًّا عَلَيْهِمْ: لَمَّا كَانَ اعْتِبَارُ الْأَعْمَالِ بِاتِّبَاعِ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فَمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِتَعْظِيمِ أَمْرِ اللَّهِ لَهُمْ مِنَ الْأَجْرِ مَا لِلْمُصَلِّي وَالصَّائِمِ، فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كفروا فاقتلوهم ولا تأخذكم بهما رَأْفَةٌ فَإِنَّ ذَلِكَ اتِّبَاعٌ لِلْحَقِّ وَالِاعْتِبَارُ بِهِ لَا بِصُورَةِ الْفِعْلِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فَضَرْبَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ فَاضْرِبُوا ضَرْبَ الرِّقَابِ.

صفحة رقم 37

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: مَا الْحِكْمَةُ فِي اخْتِيَارِ ضَرْبِ الرَّقَبَةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْأَعْضَاءِ نَقُولُ فِيهِ: لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَيْسَ يُدَافِعُ إِنَّمَا هُوَ دَافِعٌ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ يَدْفَعُ الصَّائِلَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْصِدَ أَوَّلًا مَقْتَلَهُ بَلْ يَتَدَرَّجُ وَيَضْرِبُ عَلَى غَيْرِ الْمَقْتَلِ، فَإِنِ انْدَفَعَ فَذَاكَ وَلَا يَتَرَقَّى إِلَى دَرَجَةِ الْإِهْلَاكِ، فَقَالَ تَعَالَى لَيْسَ الْمَقْصُودُ إِلَّا دَفْعُهُمْ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ، وَتَطْهِيرُ الْأَرْضِ مِنْهُمْ، وَكَيْفَ لَا وَالْأَرْضُ لَكُمْ مَسْجِدٌ، وَالْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ، وَالْمَسْجِدُ يُطَهَّرُ مِنَ النَّجَاسَةِ، فَإِذًا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَصْدُكُمْ أَوَّلًا إِلَى قَتْلِهِمْ بِخِلَافِ دَفْعِ الصَّائِلِ، وَالرَّقَبَةُ أَظْهَرُ الْمَقَاتِلِ لِأَنَّ قَطْعَ الْحُلْقُومِ وَالْأَوْدَاجِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْمَوْتِ لَكِنْ فِي الْحَرْبِ لَا يَتَهَيَّأُ ذَلِكَ، وَالرَّقَبَةُ ظَاهِرَةٌ فِي الْحَرْبِ فَفِي ضَرْبِهَا حَزُّ الْعُنُقِ وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْمَوْتِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَوَاضِعِ، وَلَا سِيَّمَا فِي الْحَرْبِ، وَفِي قَوْلِهِ لَقِيتُمُ مَا يُنْبِئُ عَنْ مُخَالَفَتِهِمُ الصَّائِلَ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَقِيتُمُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَصْدَ مِنْ جَانِبِهِمْ بِخِلَافِ قَوْلِنَا لَقِيَكُمْ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [الْبَقَرَةِ: ١٩١].
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قال هاهنا فَضَرْبَ الرِّقابِ بِإِظْهَارِ الْمَصْدَرِ وَتَرْكِ الْفِعْلِ، وَقَالَ فِي الْأَنْفَالِ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ [الْأَنْفَالِ: ١٢] بِإِظْهَارِ الْفِعْلِ، وَتَرْكِ الْمَصْدَرِ، فَهَلْ فِيهِ فَائِدَةٌ؟ نَقُولُ نَعَمْ وَلِنُبَيِّنَهَا بِتَقْدِيمِ مُقَدِّمَةٍ، وَهِيَ أَنَّ الْمَقْصُودَ أَوَّلًا فِي بَعْضِ السُّوَرِ قَدْ يَكُونُ صُدُورُ الْفِعْلِ مِنْ فَاعِلٍ وَيَتْبَعُهُ الْمَصْدَرُ/ ضِمْنًا، إِذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَفْعَلَ فَاعِلٌ إِلَّا وَيَقَعُ مِنْهُ الْمَصْدَرُ فِي الْوُجُودِ، وَقَدْ يَكُونُ الْمَقْصُودُ أَوَّلًا الْمَصْدَرَ وَلَكِنَّهُ لَا يُوجَدُ إِلَّا مِنْ فَاعِلٍ فَيُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يَفْعَلَ، مِثَالُهُ مَنْ قَالَ: إِنِّي حَلَفْتُ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ الْمَدِينَةِ. فَيُقَالُ لَهُ: فَاخْرُجْ، صَارَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ صُدُورُ الْفِعْلِ مِنْهُ وَالْخُرُوجُ فِي نَفْسِهِ غَيْرُ مَقْصُودِ الِانْتِفَاءِ، وَلَوْ أَمْكَنَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ غَيْرِ تَحَقُّقِ الْخُرُوجِ مِنْهُ لَمَا كَانَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَخْرُجَ لَكِنْ مِنْ ضَرُورَاتِ الْخُرُوجِ أَنْ يَخْرُجَ، فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ ضَاقَ بِي الْمَكَانُ بِسَبَبِ الْأَعْدَاءِ فَيُقَالُ لَهُ مَثَلًا الْخُرُوجُ يَعْنِي الْخُرُوجَ فَاخْرُجْ فَإِنَّ الْخُرُوجَ هُوَ الْمَطْلُوبُ حَتَّى لَوْ أَمْكَنَ الْخُرُوجُ مِنْ غَيْرِ فَاعِلٍ لَحَصَلَ الْغَرَضُ لَكِنَّهُ مُحَالٌ فَيَتْبَعُهُ الْفِعْلُ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ فِي الْأَنْفَالِ الْحِكَايَةُ عَنِ الْحَرْبِ الْكَائِنَةِ وَهُمْ كَانُوا فِيهَا وَالْمَلَائِكَةُ أُنْزِلُوا لِنُصْرَةِ مَنْ حَضَرَ فِي صَفِّ الْقِتَالِ فَصُدُورُ الْفِعْلِ منه مطلوب، وهاهنا الْأَمْرُ وَارِدٌ وَلَيْسَ فِي وَقْتِ الْقِتَالِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِذا لَقِيتُمُ وَالْمَقْصُودُ بَيَانُ كَوْنِ الْمَصْدَرِ مَطْلُوبًا لِتَقَدُّمِ الْمَأْمُورِ عَلَى الْفِعْلِ قَالَ:
فَضَرْبَ الرِّقابِ وَفِيمَا ذَكَرْنَا تَبْيِينُ فَائِدَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ هُنَاكَ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ [الْأَنْفَالِ: ١٢] وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَقْتَ وَقْتُ الْقِتَالِ فَأَرْشَدَهُمْ إِلَى الْمَقْتَلِ وَغَيْرِهِ إِنْ لم يصيبوا المقتل، وهاهنا لَيْسَ وَقْتُ الْقِتَالِ فَبَيَّنَ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْقَتْلُ وَغَرَضُ الْمُسْلِمِ ذَلِكَ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: حَتَّى لِبَيَانِ غَايَةِ الْأَمْرِ لَا لِبَيَانِ غَايَةِ الْقَتْلِ أَيْ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ لَا يَبْقَى الْأَمْرُ بِالْقَتْلِ، وَيَبْقَى الْجَوَازُ وَلَوْ كَانَ لِبَيَانِ الْقَتْلِ لَمَا جَازَ الْقَتْلُ، وَالْقَتْلُ جَائِزٌ إِذَا الْتَحَقَ الْمُثْخِنُ بِالشَّيْخِ الْهَرِمِ، وَالْمُرَادُ كَمَا إِذَا قُطِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ فَنَهَى عَنْ قَتْلِهِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: فَشُدُّوا الْوَثاقَ أَمْرُ إِرْشَادٍ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: (إِمَّا) وَإِنَّمَا لِلْحَصْرِ وَحَالُهُمْ بَعْدَ الْأَسْرِ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِي الْأَمْرَيْنِ، بَلْ يَجُوزُ الْقَتْلُ وَالِاسْتِرْقَاقُ وَالْمَنُّ وَالْفِدَاءُ، نَقُولُ هَذَا إِرْشَادٌ فَذَكَرَ الْأَمْرَ الْعَامَّ الْجَائِزَ فِي سَائِرِ الْأَجْنَاسِ، وَالِاسْتِرْقَاقُ غَيْرُ جَائِزٍ

صفحة رقم 38

فِي أَسْرِ الْعَرَبِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَعَهُمْ فَلَمْ يَذْكُرِ الِاسْتِرْقَاقَ، وَأَمَّا الْقَتْلُ فَلِأَنَّ الظَّاهِرَ فِي الْمُثْخِنِ الْإِزْمَانُ، وَلِأَنَّ الْقَتْلَ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ فَضَرْبَ الرِّقابِ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْأَمْرَانِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَنًّا وَفِدَاءً مَنْصُوبَانِ لِكَوْنِهِمَا مَصْدَرَيْنِ تَقْدِيرُهُ: فَإِمَّا تَمُنُّونَ مَنًّا وَإِمَّا تُفْدُونَ فِدَاءً وَتَقْدِيمُ الْمَنِّ عَلَى الْفِدَاءِ إِشَارَةٌ إِلَى تَرْجِيحِ حُرْمَةِ النَّفْسِ عَلَى طَلَبِ المال، والفداء يجوز أن يكون مالا يكون وأن يكون غيره من الأسرى أو يُشْرَطُ عَلَيْهِمْ أَوْ عَلَيْهِ وَحْدَهُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إِذَا قَدَّرْنَا الْفِعْلَ وَهُوَ تَمُنُّونَ أَوْ تُفْدُونَ عَلَى تَقْدِيرِ الْمَفْعُولِ، حَتَّى نَقُولَ إِمَّا تَمُنُّونَ عَلَيْهِمْ مَنًّا أَوْ تُفْدُونَهُمْ فِدَاءً، نَقُولُ لَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَنُّ وَالْفِدَاءُ لَا عَلَيْهِمْ وَبِهِمْ كَمَا يَقُولُ/ الْقَائِلُ: فُلَانٌ يُعْطِي وَيَمْنَعُ وَلَا يقال يعطي زيدا ويمنع عمرا لِأَنَّ غَرَضَهُ ذِكْرُ كَوْنِهِ فَاعِلًا لَا بَيَانُ المفعول، وكذلك هاهنا الْمَقْصُودُ إِرْشَادُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْفَضْلِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها.
وَفِي تَعَلُّقِ حَتَّى وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: تَعَلُّقُهَا بِالْقَتْلِ أَيِ اقْتُلُوهُمْ حَتَّى تَضَعَ وَثَانِيهِمَا: بِالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يقال متعلقة بشدوا الْوَثَاقَ وَتَعَلُّقُهَا بِالْقَتْلِ أَظْهَرُ وَإِنْ كَانَ ذِكْرُهُ أبعد، وفي الأوزار وجهان أحدهما:
السلاح وَالثَّانِي: الْآثَامُ وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: إِنْ كَانَ الْمُرَادُ الْإِثْمَ، فَكَيْفَ تَضَعُ الْحَرْبُ الْإِثْمَ وَالْإِثْمُ عَلَى الْمُحَارِبِ؟ وَكَذَلِكَ السُّؤَالُ فِي السِّلَاحِ لَكِنَّهُ عَلَى الْأَوَّلِ أَشَدُّ تَوَجُّهًا، فَيَقُولُ تَضَعُ الْحَرْبُ الْأَوْزَارَ لَا مِنْ نَفْسِهَا، بَلْ تَضَعُ الْأَوْزَارَ الَّتِي عَلَى الْمُحَارِبِينَ وَالسِّلَاحَ الَّذِي عَلَيْهِمْ.
المسألة الثانية: هل هذا كقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يُوسُفَ: ٨٢] حَتَّى يَكُونَ كَأَنَّهُ قَالَ حَتَّى تَضَعَ أُمَّةُ الْحَرْبِ أَوْ فِرْقَةُ الْحَرْبِ أَوْزَارَهَا؟ نَقُولُ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ فِي النَّظَرِ الْأَوَّلِ، لَكِنْ إِذَا أَمْعَنْتَ فِي الْمَعْنَى تَجِدُ بَيْنَهُمَا فَرْقًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ قَوْلِهِ حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها الْحَرْبُ بِالْكُلِّيَّةِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى فِي الدُّنْيَا حِزْبٌ مِنْ أَحْزَابِ الْكُفْرِ يُحَارِبُ حِزْبًا مِنْ أَحْزَابِ الْإِسْلَامِ، وَلَوْ قُلْنَا حَتَّى تَضَعَ أُمَّةُ الْحَرْبِ جَازَ أَنْ يَضَعُوا الْأَسْلِحَةَ وَيَتْرُكُوا الْحَرْبَ وَهِيَ بَاقِيَةٌ بِمَادَّتِهَا كَمَا تَقُولُ خُصُومَتِي مَا انْفَصَلَتْ وَلَكِنِّي تَرَكْتُهَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَإِذَا أَسْنَدْنَا الْوَضْعَ إِلَى الْحَرْبِ يَكُونُ مَعْنَاهُ إِنَّ الْحَرْبَ لَمْ يَبْقَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: لو قال حتى لا يبقى حزب أَوْ يَنْفِرَ مِنَ الْحَرْبِ هَلْ يَحْصُلُ مَعْنَى قَوْلِهِ حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها نَقُولُ لَا وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ النَّظْمِ، بَلِ النَّظَرُ إِلَى نَفْسِ الْمَعْنَى كَالتَّفَاوُتِ بَيْنَ قَوْلِكَ انْقَرَضَتْ دَوْلَةُ بَنِي أُمَيَّةَ، وَقَوْلِكَ لَمْ يَبْقَ مِنْ دَوْلَتِهِمْ أَثَرٌ، وَلَا شَكَّ أن الثاني أبلغ، فكذلك هاهنا قَوْلُهُ تَعَالَى: أَوْزارَها مَعْنَاهُ آثَارَهَا فَإِنَّ مِنْ أَوْزَارِ الْحَرْبِ آثَارَهَا.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَقْتُ وَضْعِ أَوْزَارِ الْحَرْبِ مَتَى هُوَ؟ نَقُولُ فِيهِ أَقْوَالٌ حَاصِلُهَا رَاجِعٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ هُوَ الْوَقْتُ الَّذِي لَا يَبْقَى فِيهِ حِزْبٌ مِنْ أَحْزَابِ الْإِسْلَامِ وَحِزْبٌ مِنْ أَحْزَابِ الْكُفْرِ وَقِيلَ ذَلِكَ عِنْدَ قِتَالِ الدَّجَّالِ وَنُزُولِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ.

صفحة رقم 39

فِي مَعْنَى ذَلِكَ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: الْأَمْرُ ذَلِكَ وَالْمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ وَاجِبٌ أَوْ مُقَدَّمٌ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ إِنْ فَعَلْتَ فَذَاكَ أَيْ فَذَاكَ مَقْصُودٌ وَمَطْلُوبٌ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ قِتَالَهُمْ لَيْسَ طَرِيقًا مُتَعَيِّنًا بَلِ اللَّهُ لَوْ أَرَادَ أَهْلَكَهُمْ مِنْ غَيْرِ جُنْدٍ.
قَوْلُهُ تعالى: وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ.
أَيْ وَلَكِنْ لِيُكَلِّفَكُمْ فَيَحْصُلُ لَكُمْ شَرَفٌ بِاخْتِيَارِهِ إِيَّاكُمْ لِهَذَا الْأَمْرِ. فَإِنْ قِيلَ مَا التَّحْقِيقُ فِي قَوْلِنَا التَّكْلِيفُ ابْتِلَاءٌ وَامْتِحَانٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، وَمَاذَا يُفْهَمُ مِنْ قوله وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ؟ نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِعْلَ الْمُبْتَلِينَ أَيْ كَمَا يَفْعَلُ الْمُبْتَلَى الْمُخْتَبَرُ، وَمِنْهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْلُو لِيَظْهَرَ الْأَمْرُ لِغَيْرِهِ إِمَّا لِلْمَلَائِكَةِ وَإِمَّا لِلنَّاسِ، وَالتَّحْقِيقُ هُوَ أَنَّ الِابْتِلَاءَ وَالِامْتِحَانَ وَالِاخْتِبَارَ فِعْلٌ يَظْهَرُ بِسَبَبِهِ أَمْرٌ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ قَصْدًا إِلَى ظُهُورِهِ، وَقَوْلُنَا فِعْلٌ يَظْهَرُ بِسَبَبِهِ أَمْرٌ ظَاهِرُ الدُّخُولِ فِي مَفْهُومِ الِابْتِدَاءِ، لِأَنَّ مَا لَا يَظْهَرُ بِسَبَبِهِ شَيْءٌ أَصْلًا لَا يُسَمَّى ابْتِلَاءً، أَمَّا قَوْلُنَا أَمْرٌ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ يَضْرِبُ بِسَيْفِهِ عَلَى الْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ لَا يُقَالُ إِنَّهُ يَمْتَحِنُ، لِأَنَّ الْأَمْرَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْهُ مُتَعَيِّنٌ وَهُوَ الْقَطْعُ وَالْقَدُّ بِقِسْمَيْنِ، فَإِذَا ضَرَبَ بِسَيْفِهِ سَبُعًا يُقَالُ يُمْتَحَنُ بِسَيْفِهِ لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ وَقَدْ يَقُدُّهُ وَقَدْ لَا يَقُدُّهُ، وَأَمَّا قَوْلُنَا لِيَظْهَرَ مِنْهُ ذَلِكَ فَلِأَنَّ مَنْ يَضْرِبُ سَبُعًا بِسَيْفِهِ لِيَدْفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ لَا يُقَالُ إِنَّهُ مُمْتَحَنٌ لِأَنَّ ضَرْبَهُ لَيْسَ لِظُهُورِ أَمْرٍ مُتَعَيِّنٍ، إِذَا عُلِمَ هَذَا فَنَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى إِذَا أَمَرَنَا بِفِعْلٍ يَظْهَرُ بِسَبَبِهِ أَمْرٌ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ، وَهُوَ إِمَّا الطَّاعَةُ أَوِ الْمَعْصِيَةُ فِي الْعُقُولِ لِيُظْهِرَ ذَلِكَ يَكُونُ مُمْتَحِنًا، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِهِ لَكَوْنِ عَدَمِ الْعِلْمِ مُقَارَنًا فِينَا لِابْتِلَائِنَا فَإِذَا ابْتُلِينَا وَعَدَمُ الْعِلْمِ فِينَا مُسْتَمِرٌّ أُمِرْنَا وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَاتِ الِابْتِلَاءِ، فَإِنْ قِيلَ الِابْتِلَاءُ فَائِدَتُهُ حُصُولُ الْعِلْمِ عِنْدَ الْمُبْتَلِي، فَإِذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى عَالِمًا فَأَيَّةُ فَائِدَةٍ فِيهِ؟
نَقُولُ لَيْسَ هَذَا سُؤَالٌ يَخْتَصُّ بِالِابْتِلَاءِ، فَإِنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: لِمَ ابْتَلَى كَقَوْلِ الْقَائِلِ لِمَ عَاقَبَ الْكَافِرَ وَهُوَ مُسْتَغْنٍ، وَلِمَ خَلَقَ النَّارَ مُحْرِقَةً وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَهَا بِحَيْثُ تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ؟ وَجَوَابُهُ: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَنَقُولُ حِينَئِذٍ مَا قَالَهُ الْمُتَقَدِّمُونَ إِنَّهُ لِظُهُورِ الْأَمْرِ الْمُتَعَيِّنِ لَإِلَهٌ، وَبَعْدَ هَذَا فَنَقُولُ: الْمُبْتَلِي لَا حَاجَةَ لَهُ إِلَى الْأَمْرِ الَّذِي يَظْهَرُ مِنَ الِابْتِلَاءِ، فَإِنَّ الْمُمْتَحِنَ لِلسَّيْفِ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنَ الصُّورَةِ لَا حَاجَةَ لَهُ إِلَى قَطْعِ مَا يُجَرِّبُ السَّيْفَ فِيهِ حَتَّى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُحْتَاجًا، كَمَا ضَرَبْنَا مِنْ مِثَالِ دَفْعِ السَّبُعِ بِالسَّيْفِ لَا يُقَالُ إنه يمتحن وقوله لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ إِشَارَةٌ إِلَى عَدَمِ الْحَاجَةِ تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِ ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ.
قُرِئَ قَتَلُوا وَقَاتَلُوا وَالْكُلُّ مُنَاسِبٌ لِمَا تَقَدَّمَ، أَمَّا مَنْ قَرَأَ قَتَلُوا فَلِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ: فَضَرْبَ الرِّقابِ وَمَعْنَاهُ فَاقْتُلُوهُمْ بَيَّنَ مَا لِلْقَاتِلِ بِقَوْلِهِ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ رَدًّا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقَتْلَ فَسَادٌ مُحَرَّمٌ إِذْ هُوَ إِفْنَاءُ مَنْ هُوَ مُكَرَّمٌ، فَقَالَ عَمَلُهُمْ لَيْسَ كَحَسَنَةِ الْكَافِرِ يَبْطُلُ بَلْ هُوَ فَوْقَ حَسَنَاتِ الْكَافِرِ أَضَلَّ اللَّهُ أَعْمَالَ الْكُفَّارِ، وَلَنْ يُضِلَّ الْقَاتِلِينَ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْقَتْلُ سَيِّئَةً، وَأَمَّا مَنْ قَرَأَ قَاتَلُوا فَهُوَ أَكْثَرُ فَائِدَةً وَأَعَمُّ تَنَاوُلًا، لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ سَعَى فِي الْقَتْلِ سَوَاءٌ قُتِلَ أَوْ لَمْ يُقْتَلْ، وَأَمَّا مَنْ قَرَأَ وَالَّذِينَ قُتِلُوا عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فَنَقُولُ هِيَ مُنَاسِبَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا: هُوَ أَنَّهُ تَعَالَى/ لَمَّا قَالَ: فَضَرْبَ الرِّقابِ أَيِ اقْتُلُوا وَالْقَتْلُ لَا يَتَأَتَّى إِلَّا بِالْإِقْدَامِ وَخَوْفُ أَنْ يُقْتَلَ الْمُقْدِمُ يَمْنَعُهُ مِنَ الْإِقْدَامِ، فَقَالَ لَا تَخَافُوا الْقَتْلَ فَإِنَّ مَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ مَا لَا يَمْنَعُ الْمُقَاتِلَ مِنَ الْقِتَالِ بَلْ يَحُثُّهُ عَلَيْهِ وَثَانِيهَا: هُوَ أَنَّهُ تعالى لما قال: لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ

صفحة رقم 40

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية