ثم ذكر شأن بيعة الرضوان، فقال :
لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَان اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً * وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً * وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً .
يقول الحق جلّ جلاله : لقد رَضِي اللّهُ عن المؤمنين وهم الذين ذكر شأن مبايعتهم بقوله : إن الذين يبايعونك. . . الآية، وبهذه الآية سميت بيعة الرضوان و " إذ " منصوب ب " رَضِيَ "، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة العجيبة، و تحت الشجرة : متعلق به، أو : بمحذوف، حال من مفعوله، أي : رَضِيَ عنهم وقت مبايعتهم لك تحت الشجرة أو : حاصلاً تحتها.
رُوي : أنه صلى الله عليه وسلم لمّا نزل الحديبية، بعث خِراش بن أمية الخزاعي، رسولاً إلى أهل مكة، فَهَمُّوا به، وأنزلوا عن بعيره، فمنعته الأحابيش، فلما رجع دعا بعُمر ليبعثه، فقال : يا رسول الله إني أخاف قريشاً على نفسي، وليس بمكة من بني عدي أحدٌ يمنعني، ولكن عثمان أعزّ بمكة مني، فبعث عثمان إلى أبي سفيان وأشراف قريش، يخبرهم أنه صلى الله عليه وسلم جاء زائراً إلى البيت، مُعظِّماً لحُرمته، ولم يُرد حرباً، فوقروه، وقالوا : إن شئت أن تطوف بالبيت فافعل، فقال : ما كنت لأطوف قبلَ أن يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاحتبس عندهم، فأُرجِفَ بأنهم قتلوه، فقال صلى الله عليه وسلم :" لا نبرح حتى نناجز القوم " ودعا الناسَ إلى البيعة، فبايعوه تحت الشجرة – وكانت سمرة وقيل : سِدرة – على أن يُقاتلوا قريشاً، ولا يفرُّوا١، وأول مَن بايع " أبو سنان الأسدي "، واسمه : وهب بن عبد الله بن محصن، ابن أخي عكاشة بن مِحصن. وقيل : بايعوه على الموت عنده٢، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أنتم اليوم خير أهل الأرض " ٣ وقال أيضاً :" لا يدخل النارَ أحد ممن بايع تحت الشجرة " ٤ وكانوا ألفاً وخمسمائة وخمسةً وعشرين، وقيل : ألفاً وأربعمائة. والحديبية بتخفيف الياء، قاله في المصباح، وهي على عشرة أميال من مكة.
فعَلِمَ ما في قلوبهم من الإخلاص، وصدق الضمائر فيما بايعوا عليه. وقال القشيري : عِلِمَ ما في قلوبهم من الاضطراب والتشكيك، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم رأى في منامه أنهم يدخلون المسجد الحرام آمنين، فبشّر أصحابه، فلما صُدُّوا خامر قلوبَهم شكٌّ، فأنزل اللّهُ السكينةَ عليهم أي : اليقين والطمأنينة، فذهب عنهم. ثم قال : وفي الآية دليلٌ على أنه قد يخطر ببال الإنسان خواطر مشكِّكة، وفي الرَّيب مُوقعة، ثم لا عبرة، فإن الله تعالى إذا أراد بعبده خيراً ألزم التوحيد قلبَه، وقارن التحقيق سِرَّه، فلا يضرُّه كيدُ الشيطان. قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ. . . [ الأعراف : ٢٠١ ] الآية.
فأنزل السكينة عليهم أي : الطمأنينة والأمن، وسكون النفس، بالربط على قلوبهم، وأثابهم أي : جازاهم فتحاً قريباً وهو فتح خيبر عقب انصرافهم من الحديبية كما تقدّم.
وقال الورتجبي : لقد رضي الله عن المؤمنين أي : رَضِيَ عنهم في الأزل، وسابق علم القدم، ويبقى رضاه إلى الأبد ؛ لأن رضاه صفة الأزلية الباقية الأبدية، لا تتغير بتغيُّر الحدثان، ولا بالوقت والزمان، ولا بالطاعة والعصيان، فإذا هم في اصطفائيته باقون إلى الأبد، لا يسقطون من درجاتهم بالزلات ولا بالبشرية، ولا بالشهوات، لأن أهل الرضا محروسون برعايته، لا تجري عليهم نعوت أهل البُعد، وصاروا متصفين بوصف رضاه، فرضوا عنه كما رضي عنهم، قال تعالى : رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ [ المائدة : ١١٩ ] وهذا بعد قذف نور الأنس في قلوبهم بقوله : فأنزل السكينة عليهم فسكنت قلوبهم إليه، واطمأنت به ؛ لِتنزُّل اليقين. هـ.
قلت : هذا لمَن تحققت محبوبيته ممن رسخت قدمه في شهود الحق، واطمأن به، وأما قبل هذا فالأمر مُبهم.
قال اللجائي، في كتابه " قطب العارفين " : وإياك أن تعتقد أنّ في الناس شرّاً منك، وإن كان عاصياً وأنت مطيع، فإنّ الأمر يحدث بعد الأمر، وسِرُّ الله تعالى في خلقه غامض، لا يُدرى مَن يبوء بالشقاوة، ولا مَن يفوز بالسعادة، وقد يتلقى العبدُ رضا الله تعالى بحسنة واحدة، ويتلقى سخطه بذنب واحد، فإنَّ أمر الله خفي في غموض المشيئة... الخ.
٢ أخرجه البخاري في المغازي حديث ٤١٦٩، ومسلم في الإمارة حديث ٨١..
٣ أخرجه البخاري في المغازي حديث ٤١٥٤، ومسلم في الإمارة حديث ٧١..
٤ أخرجه أبو داود في السنة حديث ٤٦٥٣، والترمذي في المناقب حديث ٣٨٦٠، وأحمد ٣/٣٥٠..
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي