ﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡ ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪ

[سُورَة الْفَتْح (٤٨) : الْآيَات ١٨ إِلَى ١٩]

لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (١٨) وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٩)
عَوْدٌ إِلَى تَفْصِيلِ مَا جَازَى اللَّهُ بِهِ أَصْحَابَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ الْمُتَقَدِّمِ إِجْمَالُهُ فِي قَوْلِهِ:
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [الْفَتْح: ١٠]، فَإِنَّ كَوْنَ بيعتهم الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُعْتَبَرُ بَيْعَةً لِلَّهِ تَعَالَى أَوْمَأَ إِلَى أَنَّ لَهُمْ بِتِلْكَ الْمُبَايَعَةِ مَكَانَةً رَفِيعَةً مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَلَمَّا قُطِعَ الِاسْتِرْسَالُ فِي ذَلِكَ بِمَا كَانَ تَحْذِيرًا مِنَ النَّكْثِ وَتَرْغِيبًا فِي الْوَفَاءِ، بِمُنَاسَبَةِ التَّضَادِّ وَذِكْرِ مَا هُوَ وَسَطٌ بَيْنَ الْحَالَيْنِ وَهُوَ حَالُ الْمُخَلَّفِينَ، وَإِبْطَالُ اعْتِذَارِهِمْ وَكَشْفُ طَوِيَّتِهِمْ، وَإِقْصَائِهِمْ عَنِ الْخَيْرِ الَّذِي أَعَدَّهُ اللَّهُ لِلْمُبَايِعِينَ وَإِرْجَائِهِمْ إِلَى خَيْرٍ يَسْنَحُ مِنْ بَعْدِ إِنْ هُمْ صَدَقُوا التَّوْبَةَ وَأَخْلَصُوا النِّيَّةَ.
فَقَدْ أَنَالَ اللَّهُ الْمُبَايِعِينَ رِضْوَانَهُ وَهُوَ أَعْظَمُ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ قَالَ تَعَالَى:
وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التَّوْبَة: ٧٢] وَالشَّهَادَةَ لَهُمْ بِإِخْلَاصِ النِّيَّةِ، وَإِنْزَالَهُ السَّكِينَةَ قُلُوبَهُمْ وَوَعْدَهُمْ بِثَوَابِ فَتْحٍ قَرِيبٍ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةٍ.
وَفِي قَوْلِهِ: عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ إِيذَانٌ بِأَنَّ مَنْ لَمْ يُبَايِعْ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ حِينَئِذٍ بِمُؤْمِنٍ وَهُوَ تَعْرِيضٌ بِالْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ إِذْ كَانَ يَوْمَئِذٍ مُنَافِقًا ثُمَّ حَسُنَ إِسْلَامُهُ.
وَقَدْ دُعِيَتْ هَذِهِ الْبَيْعَةُ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ. وإِذْ يُبايِعُونَكَ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِ رَضِيَ، وَفِي تَعْلِيقِ هَذَا الظّرْف بِفعل الرضى مَا يفهم أَن الرضى مُسَبَّبٌ عَنْ مَفَادِ ذَلِكَ الظَّرْفِ الْخَاصِّ بِمَا أُضِيفَ هُوَ إِلَيْهِ، مَعَ مَا يُعْطِيهِ تَوْقِيت الرضى بِالظَّرْفِ الْمَذْكُورِ مِنْ تَعْجِيل حُصُول الرضى بِحِدْثَانِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَمَعَ مَا فِي جَعْلِ الْجُمْلَةِ الْمُضَافِ إِلَيْهَا الظَّرْفُ فِعْلِيَّةً مُضَارِعِيَّةً من حُصُول الرضى قَبْلَ انْقِضَاءِ الْفِعْلِ بَلْ فِي حَالِ تَجَدُّدِهِ. فَالْمُضَارِعُ فِي قَوْلِهِ يُبايِعُونَكَ مُسْتَعْمِلٌ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي لِاسْتِحْضَارِ حَالَةِ

صفحة رقم 173

الْمُبَايَعَةِ الجليلة، وَكَون الرضى حَصَلَ عِنْدَ تَجْدِيدِ الْمُبَايَعَةِ وَلَمْ يَنْتَظِرْ بِهِ تَمَامُهَا، فَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ الِانْصِرَافِ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ.
وَالتَّعْرِيفُ فِي الشَّجَرَةِ تَعْرِيفُ الْعَهْدِ وَهِيَ: الشَّجَرَةُ الَّتِي عَهِدَهَا أَهْلُ الْبَيْعَةِ حِينَ كَانَ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا فِي ظِلِّهَا، وَهِيَ شَجَرَةٌ مِنْ شَجَرِ السَّمُرِ- بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْمِيمِ- وَهُوَ شَجَرُ الطَّلْحِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْبَيْعَةَ كَانَتْ لَمَّا أُرْجِفَ بِقَتْلِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بِمَكَّةَ فَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ «بَيْنَمَا نَحْنُ قَائِلُونَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَقَدْ تَفَرَّقَ النَّاسُ فِي ظِلَالِ الشَّجَرِ إِذْ نَادَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَيُّهَا النَّاسُ الْبَيْعَةَ الْبَيْعَةَ، نَزَلَ رُوحُ الْقُدُسِ فَاخْرُجُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ وَكَانَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي دَعَا النَّاسَ
إِلَى الْبَيْعَةِ فَثَارَ النَّاسُ إِلَى رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَبَايَعُوهُ كُلُّهُمْ إِلَّا الْجَدَّ بْنَ قَيْسٍ»
.
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ عَمِيَ لَوْ كُنْتُ أُبْصِرُ لَأَرَيْتُكُمْ مَكَانَ الشَّجَرَةِ. وَتَوَاتَرَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عِلْمُ مَكَانِ الشَّجَرَةِ بِصَلَاةِ النَّاسِ عِنْدَ مَكَانِهَا. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ فِيمَنْ بَايَعَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ قَالَ: فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ أَيْ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ نَسِينَاهَا فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهَا وَعَنْ طَارِقِ بن عبد الرحمان قَالَ: انْطَلَقْتُ حَاجًّا فَمَرَرْتُ بِقَوْمٍ يُصَلُّونَ قُلْتُ: مَا هَذَا الْمَسْجِدُ؟ قَالُوا: هَذِهِ الشَّجَرَةُ حَيْثُ بَايَعَ رَسُولُ اللَّهِ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ. فَأَتَيْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ سَعِيدٌ: إِنَّ أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْلَمُوهَا وَعَلِمْتُمُوهَا أَنْتُمْ أَفَأَنْتُمْ أَعْلَمُ».
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِ طَارِقٍ: مَا هَذَا الْمَسْجِدُ: مَكَانُ السُّجُودِ، أَيِ الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْبَيْتَ الَّذِي يُبْنَى لِلصَّلَاةِ لِأَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى مَوْضِعِ الشَّجَرَةِ وَقَعَ بَعْدَ ذَلِكَ الزَّمَنِ فَهَذِهِ الشَّجَرَةُ كَانَتْ مَعْرُوفَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَكَانُوا إِذَا مَرُّوا بِهَا يُصَلُّونَ عِنْدَهَا تَيَمُّنًا بِهَا إِلَى أَنْ كَانَتْ خِلَافَةُ عُمَرَ فَأَمَرَ بِقَطْعِهَا خَشْيَةَ أَنْ تَكُونَ كَذَاتِ أَنْوَاطٍ الَّتِي كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ مَا فَعَلَهُ الْمُسْلِمُونَ وَبَيْنَ مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ وَبَعْضَ أَصْحَابِهِ نَسُوا مَكَانَهَا لِأَنَّ النَّاسَ مُتَفَاوِتُونَ فِي تَوَسُّمِ الْأَمْكِنَةِ وَاقْتِفَاءِ الْآثَارِ.

صفحة رقم 174

وَالْمَرْوِيُّ أَنَّ الَّذِي بَنَى مَسْجِدًا عَلَى مَكَانِ الشَّجَرَةِ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ الْخَلِيفَةُ الْعَبَّاسِيُّ وَلَكِنْ فِي الْمَسْجِدِ الْمَذْكُورِ حَجَرٌ مَكْتُوبٌ فِيهِ «أَمَرَ عَبْدُ اللَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِبِنَاءِ هَذَا الْمَسْجِدِ مَسْجِدِ الْبَيْعَةِ وَأَنَّهُ بُنِيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَهِيَ تُوَافِقُ مُدَّةَ الْمُتَوَكِّلِ جَعْفَرِ بْنِ الْمُعْتَصِمِ وَقَدْ تَخَرَّبَ فَجَدَّدَهُ الْمُسْتَنْصِرُ الْعَبَّاسِيُّ سَنَةَ ٦٢٩ ثُمَّ جَدَّدَهُ السُّلْطَانُ مَحْمُودُ خَانْ الْعُثْمَانِيُّ سَنَةَ ١٢٥٤ وَهُوَ قَائِمٌ إِلَى الْيَوْمِ.
وَذُكِرَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ لِاسْتِحْضَارِ تِلْكَ الصُّورَةِ تَنْوِيهًا بِالْمَكَانِ فَإِنَّ لِذِكْرِ مَوَاضِعِ الْحَوَادِثِ وَأَزْمَانِهَا مَعَانِيَ تُزِيدُ السَّامِعَ تَصَوُّرًا وَلِمَا فِي تِلْكَ الْحَوَادِثِ مِنْ ذِكْرَى مِثْلِ مَوَاقِعِ الْحُرُوبِ وَالْحَوَادِثِ كَقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ «وَيَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ اشْتَدَّ برَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعُهُ»
الْحَدِيثَ. وَمَوَاقِعُ الْمَصَائِبِ وَأَيَّامُهَا.
وإِذْ ظَرْفٌ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ رَضِيَ، أَيْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ الْحِين. وَهَذَا رضى خَاصٌّ، أَي تعلّق رضى اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُمْ بِتِلْكَ الْحَالَةِ.
وَالْفَاء فِي قَوْلِهِ: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ لَيْسَتْ لِلتَّعْقِيبِ لِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ لَيْسَ عَقِبَ رِضَاهُ عَنْهُمْ وَلَا عَقِبَ وُقُوعِ بَيْعَتِهِمْ فَتَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ فَاءً فَصِيحَةً تُفْصِحُ عَنْ كَلَامٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَهَا. وَالتَّقْدِيرُ: فَلَمَّا بَايَعُوكَ عَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْكَآبَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْفَاءُ لِتَفْرِيعِ الْأَخْبَارِ بِأَنَّ اللَّهَ عَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ بعد الْإِخْبَار برضى اللَّهُ عَنْهُمْ لِمَا فِي الْإِخْبَارِ بِعِلْمِهِ مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ إِظْهَارِ عِنَايَتِهِ بِهِمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ مِنَ التَّفْرِيعِ قَوْلُهُ:
فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَيَكُونُ قَوْلُهُ: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ تَوْطِئَةً لَهُ عَلَى وَجْهِ الِاعْتِرَاضِ.
وَالْمَعْنَى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَجْلِ مُبَايَعَتِهِمْ عَلَى نَصْرِكَ فَلَمَّا بَايَعُوا وَتَحَفَّزُوا لِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ وَوَقَعَ الصُّلْحُ حَصَلَتْ لَهُمْ كَآبَةٌ فِي نُفُوسِهِمْ فَأَعْلَمَهُمُ اللَّهُ أَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ تِلْكَ الْكَآبَةِ، وَهَذَا مِنْ عِلْمِهِ الْأَشْيَاءَ بَعْدَ وُقُوعِهَا وَهُوَ مِنْ تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِالْحَوَادِثِ بَعْدَ حُدُوثِهَا، أَيْ عِلْمِهِ بِأَنَّهَا وَقَعَتْ وَهُوَ تَعَلُّقٌ حَادِثٌ مِثْلُ التَّعَلُّقَاتِ التَّنْجِيزَيَّةِ. وَالْمَقْصُودُ بِإِخْبَارِهِمْ بِأَنَّ اللَّهَ عَلِمَ مَا حَصَّلَ فِي قُلُوبِهِمُ الْكَآبَةَ عَنْ أَنَّهُ قَدَرَ ذَلِكَ

صفحة رقم 175

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الطاهر بن عاشور

الناشر الدار التونسية للنشر
سنة النشر 1403
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية