هؤلاء أصحاب الأعذار.. رفع عنهم الحرج في تخلفهم عن الوقعة في قتال المشركين.
وكذلك من كان له عذر في المجاهدة مع النفس.. فإنّ الله يحبّ أن تؤتى رخصه كما كما يحب أن تؤتى عزائمه «١».
قوله جل ذكره:
[سورة الفتح (٤٨) : الآيات ١٨ الى ٢٠]
لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (١٨) وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٩) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢٠)
هذه بيعة الرضوان، وهي البيعة تحت الشجرة بالحديبية، وسميت بيعة الرضوان لقوله تعالى «لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ... ».
وكانوا ألفا وخمسمائة وقيل وثلاثمائة وقيل وأربعمائة. وكانوا قصدوا دخول مكة، فلما بلغ ذلك المشركين قابلوهم صادّين لهم عن المسجد الحرام مع أنه لم يكن خارجا لحرب، فقصده المشركون، ثم صالحوه على أن ينصرف هذا العام، ويقيم بها ثلاثا ثم يخرج، (وأن يكون بينه وبينهم صلح عشرة أعوام بتداخل فيها الناس ويأمن بعضهم بعضا) «٢» وكان النبي قد رأى في منامه أنهم يدخلون المسجد الحرام آمنين، فبشر بذلك أصحابه، فلما صدهم المشركون خامر قلوبهم شىء، وعادت إلى قلوب بعضهم تهمة حتى قال الصّدّيق: لم يقل العام! فسكنت قلوبهم بنزول الآية لأن الله سبحانه علم ما في قلوبهم من الاضطراب والتشكك. فأنزل السكينة في قلوبهم،
(٢) ما بين الأقواس تكملة من عندنا اعتمدنا فيها على المصادر المختلفة. أوردناها ليتضح الساق
وثبّتهم باليقين. «وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً» هو فتح خيبر بعد مدة يسيرة، وما حصلوا عليه من مغانم كثيرة من خيبر. وقيل ما يأخذونه إلى يوم القيامة «١».
وفي الآية دليل على أنه قد تخطر ببال الإنسان خواطر مشكّكة، وفي الرّيب موقعة، ولكن لا عبرة بها فإنّ الله سبحانه إذا أراد بعبد خيرا لازم التوحيد قلبه، وقارن التحقيق سرّه فلا يضرّه كيد الشيطان، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ» «٢».
وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها ويدخل في ذلك جميع ما يغنمه المسلمون إلى القيامة فعجّل لكم هذه- يعنى خيبر «٣»، وقيل: الحديبية.
«وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ» لما خرجوا من المدينة حرسهم الله، وحفظ عيالهم، وحمى بيضتهم حين هبّ اليهود «٤» فى المدينة بعد خروج المسلمين، فمنعهم الله عنهم.
أو يقال: كفّ أيدى الناس من أهل الحديبية.
«وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً» لتكون هذه آية للمؤمنين وعلامة يستدّلون بها على حراسة الله لهم.
«وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً» : فى التوكل على الله والثقة به.
ويقال: كفّ أيدى الناس عن العبد هو أن يرزقه من حيث لا يحتسب، لئلا يحتاج إلى أن يتكفّف الناس.
ويقال: أن يرفع عنه أيدى الظّلمة.
(٢) آية ٢٠١ سورة الأعراف.
(٣) يرجح أنها خيبر، لأن الحديبية كان فيها صلح.
(٤) يرجح الطبري ذلك، لأن كف أيدى المشركين في الحديبية مذكور في قوله تعالى:
«وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ»
تفسير القشيري
عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري
إبراهيم البسيوني