روى أنه لما نزل قوله «وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ» الآية. قال أهل الزمانة:
كيف بنا يا رسول الله؟ فأنزل الله: «لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ» الآية.
وقال مقاتل: عذر الله أهل الزمانة الذين تخلفوا عن المسير إلى الحديبية بهذه الآية.
ثم رغّب سبحانه فى الجهاد وطاعة الله ورسوله، وأوعد على تركه بقوله:
(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً) أي ومن يطع الله ورسوله فيجيب الداعي إلى حرب أعدائه أهل الشرك دفاعا عن دينه وإعلاء لكلمته- يدخله يوم القيامة جنات تجرى من تحتها الأنهار، ومن يعص الله ورسوله فيتخلف عن القتال إذا دعى إليه- يعذبه عذابا موجعا فى نار جهنم.
[سورة الفتح (٤٨) : الآيات ١٨ الى ١٩]
لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (١٨) وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٩)
تفسير المفردات
الرضا: ما يقابل السخط، يقال رضى عنه ورضى به ورضيته، والمراد بالمؤمنين أهل الحديبية، ورضاه عنهم لمبايعتهم رسوله صلّى الله عليه وسلم، والشجرة: سمرة (شجرة طلح- وهى المعروفة الآن بالسنط) بايع المؤمنون تحت ظلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما فى قلوبهم: أي من الصدق والإخلاص فى المبايعة، والسكينة:
الطمأنينة والأمن وسكون النفس، فتحا قريبا: هو فتح خيبر عقب انصرافهم من
الحديبية كما علمت، مغانم كثيرة: هى مغانم خيبر، وكانت خيبر أرضا ذات عقار وأموال قسمها رسول الله ﷺ بين المقاتلة فأعطى الفارس سهمين والراجل سهما، عزيزا: أي غالبا، حكيما: أي يفعل على مقتضى الحكمة فى تدبير خلقه.
المعنى الجملي
بعد أن بيّن حال المخلّفين فيما سلف- عاد إلى بيان حال المبايعين الذين ذكرهم فيما تقدم بقوله: «إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ» فأبان رضاهم عنه لأجل تلك البيعة، لما علم من صدق إيمانهم، وإخلاصهم فى بيعتهم، وأنزل عليهم طمأنينة ورباطة جأش وجازاهم بمغانم كثيرة أخذوها من خيبر بعد عودتهم من الحديبية، وكان الله عزيزا: أي غالبا على أمره، موجدا أفعاله وأقواله على مقتضى الحكمة.
عن سلمة بن الأكوع قال: «بينا نحن قائلون، إذ نادى منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أيها الناس: البيعة البيعة، نزل روح القدس، فثرنا إلى رسول الله ﷺ وهو تحت شجرة سمرة فبايعناه، فذلك قوله تعالى: «لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ» الآية. فبايع لعثمان بإحدى يديه على الأخرى، فقال الناس هنيئا لابن عفان، يطوف بالبيت ونحن هنا، فقال رسول الله ﷺ لو مكث كذا وكذا سنة ما طاف حتى أطوف» أخرجه ابن جرير وابن أبى حاتم وابن مردويه.
وأخرج البخاري عن سلمة أيضا قال: «بايعت رسول الله ﷺ تحت الشجرة، قيل على أىّ شىء كنتم تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت».
وعن جابر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة» أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي.
الإيضاح
(لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) أخبر سبحانه عن رضاه عن المؤمنين الذين بايعوا تحت الشجرة بيعة الرضوان، وقد عرفت أنهم كانوا أربع عشرة مائة، كما عرفت أسباب هذه البيعة.
ولما أراد أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يعلّموا هذه الشجرة بعد ذلك كثر اختلافهم فيها، فلما اشتبهت عليهم وصار كل واحد يشير إلى شجرة غير التي يشير إليها الآخر، قال عمر: سيروا ذهبت الشجرة، وقال ابن عمر: ما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، وكانت رحمة من الله.
وعن نافع قال: بلغ عمر أن أناسا يأتون الشجرة التي بويع تحتها فأمر بها فقطعت أخرجه ابن أبى شيبة فى المصنّف.
(فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً) أي فعلم ما فى قلوبهم من الصدق والسمع والطاعة، فأنزل عليهم الطمأنينة وسكون النفس ورباطة الجأش وأعطاهم جزاء ما وهبوه من الطاعة- فتح خيبر عقب انصرافهم من الحديبية كما علمت.
(وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها) أي وعوّضهم فى العاجل مما رجوا الظفر به من غنائم أهل مكة بقتالهم- فتح خيبر، فأخذوا أموال يهودها وعقارهم وكان كثيرا، وخصهم بأهل بيعة الرضوان لا يشركهم فيه سواهم.
(وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) وكان الله ذا عزة فى انتقامه ممن انتقم من أعدائه، حكيما فى تدبير أمور خلقه وتصريفه إياهم فيما شاء من قضائه.
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي