ﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲ

يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم ١٠١ قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين ١٠٢
قال الرازي : في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه، الأول : إنه تعالى لما قال «ما على الرسول إلا البلاغ» صار التقدير كأنه قال : ما بلغه الرسول إليكم فخذوه وكونوا منقادين له، وما لم يبلغه الرسول إليكم فلا تسألوا عنه ولا تخوضوا فيه، فإنكم إن خضتم فيما لا تكليف فيه عليكم فربما جاءكم بسبب ذلك الخوض الفاسد من التكاليف ما يثقل عليكم ويشق عليكم. الثاني : أنه تعالى لما قال :«ما على الرسول إلا البلاغ» وهذا ادعاء منه للرسالة( ؟ ) ثم إن الكفار كانوا يطالبونه بعد ظهور المعجزات بمعجزات أخر على سبيل التعنت كما قال تعالى حاكيا عنهم وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا [ الإسراء : ٩٠ ] - إلى قوله – قل : سبحان ربي ! هل كنت إلا بشرا رسولا ؟ [ الإسراء : ٩٣ ] والمعنى أني رسول أمرت بتبليغ الرسالة والشرائع والأحكام إليكم، والله تعالى قد أقام الدلالة على صحة دعواي في الرسالة بإظهار أنواع كثيرة من المعجزات، فبعد ذلك طلب الزيادة من باب التحكم، وذلك ليس في وسعي، ولعل إظهارها يوجب ما يسوءكم، مثل أنها لو ظهرت فكل من خالف بعد ذلك استوجب العقاب في الدنيا. ثم إن المسلمين لما سمعوا الكفار يطالبون الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه المعجزات وقع في قلوبهم ميل إلى ظهورها فعرفوا في هذه الآية أنهم لا ينبغي أن يطلبوا ذلك، فربما كان ظهورها يوجب ما يسوءهم. الوجه الثالث : أن هذا متصل بقوله : والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ( ٩٩ ) فاتركوا الأمور على ظواهرها ولا تسألوا عن أحوال مخفية إن تبد لكم تسوءكم اه. كلام الرازي بنصه.
وأقول : إن مناسبة هاتين الآيتين لآية تبليغ الرسول للرسالة مناسبة خاصة قريبة، ولهما موقع من مجموع السورة ينبغي تذكره والتأمل فيه. ذلك أن هذه السورة آخر ما نزل من السور، وقد صرح الله تعالى في أوائلها بإكمال الدين، وإتمام النعمة به على العالمين، فناسب أن يصرح في أواخرها بأن الرسول قد أدى ما عليه من وظيفة البلاغ، وأنه ينبغي للمؤمنين أن لا يكثروا عليه من السؤال، لئلا يكون ذلك سببا لكثرة التكاليف التي يشق على الأمة احتمالها، فتكون العاقبة أن يسرع إليها الفسوق عن أمر ربها. وهو معصوم من كتمان شيء مما أمره الله بتبليغه.
فإن قيل : إذا كان الأمر كذلك فلم طال الفصل بين هذا النهي وبين الخبر بإكمال الدين، ولم يتصل به في النظم الكريم ؟ قلت : تلك سنة القرآن في تفريق مسائل الموضوع الواحد من أخبار وأحكام وغيرهما لما بيناه مرارا من حكمة ذلك، وهاك أقوى ما ورد في أسباب نزول الآيتين :
روى أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وغيرهم عن أنس بن مالك قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط وقال فيها «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتكم كثيرا» قال فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم لهم خنين١ فقال رجل : من أبي ؟ قال :«فلان» فنزلت هذه الآية : لا تسألوا عن أشياء ٢ قال الحافظ ابن كثير وقال ابن جرير : حدثنا بشر حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة في قوله يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسوءكم ، قال فحدثنا أنس بن مالك حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه حتى أحفوه بالمسألة فخرج عليهم ذات يوم فصعد المنبر فقال :«لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم» فأشفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون بين يدي أمر قد حضر، فجعلت لا ألتفت لا يمينا ولا شمالا إلا وجدت كل رجل لافا رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجل كان يلاحى فيدعى إلى غير أبيه فقال : يا نبي الله من أبي ؟ قال :«أبوك حذافة» قال ثم قام عمر – أو قال فأنشأ عمر – فقال رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا عائذا بالله – أو قال أعوذ بالله – من شر الفتن. قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لم أر في الخير والشر كاليوم قط صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط»٣ أخرجاه ( أي الشيخان ) من طريق سعيد، ورواه معمر عن الزهري عن أنس بنحو ذلك أو قريبا منه. قال الزهري فقالت أم عبد الله بن حذافة : ما رأيت ولدا أعق منك قالت : أكنت تأمن أن أمك قد قارفت ما قارف أهل الجاهلية فتفضحها على رؤوس الناس ؟ فقال والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته.
«وقال ابن جرير أيضا : حدثنا الحرث حدثنا عبد العزيز حدثنا قيس عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان محمار وجهه حتى جلس على المنبر فقام إليه رجل فقال : أين أبي ؟ قال :«في النار – فقام آخر فقال : من أبي ؟ قال – أبوك حذافة» فقام عمر بن الخطأب فقال : رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا وبالقرآن إماما، إنا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشرك والله أعلم من آباؤنا. قال فسكن غضبه ونزلت هذه الآية يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم . إسناده جيد. «وقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من السلف منهم أسباط عن السدي – فذكر ابن كثير عنه مثل حديث أبي هريرة في جملته وزاد في آخر كلام عمر – فاعف عنا عفا الله عنك، فلم يزل به حتى رضي. فيومئذ قال :«الولد للفراش وللعاهر الحجر» ثم قال : قال البخاري : حدثنا الفضل بن سهل حدثنا أبو النضر حدثنا أبو خيثمة حدثنا أبو الجويرية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء فيقول الرجل : من أبي ؟ ويقول الرجل تضل ناقته : أين ناقتي ؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم حتى فرغ من الآية كلها. تفرد به البخاري.
«وقال الإمام أحمد : حدثنا منصور بن وردان الأسدي حدثنا علي بن عبد الأعلى عن أبيه عن أبي البختري وهو سعيد بن فيروز عن علي قال لما نزلت هذه الآية ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا [ أل عمران : ٩٧ ] قالوا : يا رسول الله ! أفي كل عام ؟ فسكت. فقالوا : أفي كل عام ؟ فسكت. قال ثم قالوا : أفي كل عام ؟ فقال :«لا ولو قلت نعم لوجبت – ولو وجبت لما استطعتم» فأنزل الله يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ٤. وكذا رواه الترمذي وابن ماجه من طريق منصور بن وردان به. وقال الترمذي : غريب من هذا الوجه، وسمعت البخاري يقول أبو البختري لم يدرك عليا اه».
أقول منصور بن وردان ثقة كما قال ابن حبان وغيره. وأبو البختري هو سعيد ابن فيروز التابعي ثقة فيه تشيع روى عنه الجماعة كلهم، ولكن مراسيله ضعيفة.
وقد عزا السيوطي في الدر المنثور حديث علي هذا إلى أحمد والترمذي «وحسنه» وابن ماجه وابن أبي حاتم والحاكم وذكر نحوه عن ابن عباس عازيا إياه إلى عبد بن حميد وابن المنذر والحاكم – قال :«وصححه» – والبيهقي في سننه. وفيه أن السائل الأقرع بن حابس. وذكر مثله أيضا عن الحسن من تخريج عبد بن حميد وفيه «ذروني ما وذرتكم» الخ وهذه الزيادة من أحاديث الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة ولفظ البخاري «دعوني ما تركتكم» – ولفظ مسلم : دعوني ما تركتكم – فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم٥.
قال القسطلاني في شرحه له تبعا للحافظ ابن حجر : وسبب هذا الحديث على ما ذكره مسلم [ أقول وكذا النسائي ] من رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :«يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا» فقال رجل : أكل عام يا رسول الله ؟ فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم»- ثم قال – «ذروني ما تركتكم» الحديث وأخرجه الدارقطني مختصرا وزاد فيه فنزلت يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء أن تبد لكم تسؤكم اه وأقول : محمد بن زياد هذا ثقة روى عنه الجماعة كلهم.
ونص سنن النسائي٦ : عن أبي هريرة قال خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال :«إن الله عز وجل قد فرض عليكم الحج» فقال رجل : في كل عام ؟ فسكت عنه حتى أعاده ثلاثا فقال :«لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما قمتم بها. ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ؛ فإذا أمرتكم بالشيء ( وفي نسخة بشيء ) فخذوا به ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» وروي عن ابن عباس مسألة وجوب الحج وأن الأقرع بن حابس قال : كل عام يا رسول الله ؟ فسكت فقال :«لو قلت نعم لوجبت ثم إذا لا تسمعون ولا تطيعون ولكنه حجة واحدة» وفي فتح الباري أن ابن عبد البر نقل عن رواية مسلم أن السؤال عن الحج كان يوم خطب صلى الله عليه وسلم وقال :«لا يسألني أحد عن شيء إلا أخبرته».
وقال ابن جرير : حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، قال حدثنا عتاب بن بشير عن خصيف عن مجاهد عن ابن عباس ( لا تسألوا عن أشياء ) قال هي البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، ألا ترى أنه يقول بعد ذلك : ما جعل الله من كذا ولا كذا. قال وأما عكرمة فإنه قال إنهم كانوا يسألونه عن الآيات فنهوا عن ذلك ثم قال ( قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين ) قال فقلت قد حدثني مجاهد بخلاف هذا عن ابن عباس فما لك تقول هذا ؟ فقال : هيه.
ثم روى ابن جرير مثل قول مجاهد عن سعيد بن جبير. ثم قال : وأولي الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال : نزلت هذه الآية من أجل إكثار السائلين رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل، كمسألة ابن حذافة إياه من أبوه، ومسألة سائله إذ قال «إن الله فرض عليكم الحج» أفي كل عام ؟ وما أشبه ذلك من المسائل، لتظاهر الأخبار بذلك عن الصحابة والتابعين وعامة أهل التأويل. وأما القول الذي رواه مجاهد عن ابن عباس فغير بعيد عن الصواب. ولكن الأخبار المتظاهرة عن الصحابة والتابعين بخلافه. ذكر هنا القول به من أجل ذلك. على أنه غير مستنكر أن تكون المسألة عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي كانت فيما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عنه من المسائل التي كره الله لهم السؤال عنها الخ ما قاله، وفيه أن تلك الأخبار صحاح فوجب ترجيحها. يشير إلى ضعف سند رواية مجاهد لأن خصيف بن عبد الرحمن راويها عنه قد ضعفه الإمام أحمد وقال مرة : ليس بقوي. وقال أبو حاتم : تكلم في سوء حفظه. ولكن قال ابن معين فيه مرة صالح ومرة ثقة.
والطريقة المتبعة في الجمع بين أمثال هذه الأحاديث : أن يقال إن النهي في الآية يشمل كل ما ورد في سبب نزولها وكل ما هو في معناه، وليس كل ما روي في أسباب النزول كان سببا حقيقيا، بل كانوا يقولون في كل ما يدخل في معنى الآية ويشمله عمومها : إنها نزلت فيه، وكثيرا ما ينقلون كلام الرواة بمعناه فيجيء منطوقه متعارضا، وقد بينا هذه المسألة مرارا. وأبعد ما قيل في أسباب نزول هذه الآية أن بعضهم كان يسأل النبي عن الشيء امتحانا أو استهزاء، وهذا لا يصدر إلا من كافر صريح أو منافق، والخطأب في الآية للمؤمنين فلا يمكن أن يكون نهيا لهم عن سؤال الامتحان أو الاستهزاء، وإنما يجو
قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين ( ١٠٢ ) أي قد سأل هذه المسألة – أي هذا النوع – منها أو هذه المسائل – أي أمثالها – قوم من قبلكم ثم أصبحوا بعد إبدائها لهم كافرين بها، فإن الذين أكثروا السؤال عن الأحكام التشريعية من الأمم قبلكم لم يعلموا بما بين لهم منها، بل فسقوا عن أمر بهم، وتركوا شرعهم لاستثقالهم العمل به، وأدى ذلك إلى استنكاره واستقباحه، أو إلى جحود كونه من عند الله تعالى، وكل ذلك من الكفر به. والذين سألوا الآيات كقول صالح لم يؤمنوا بعد إعطائهم إياها بل كفروا واستحقوا الهلاك في الدنيا قبل الآخرة – والأخبار الغيبية كالآيات أو منها – وقد اقتصر ابن جرير في هذه الآية على تفسير المسائل التي سألوها وكفروا بها بالآيات التي يؤيد الله بها الرسل عليهم السلام، وذكر ابن كثير المعنيين اللذين قررناهما آنفا واستشهد للأول بمسألة السؤال عن الحج. ولا بد من الجمع بينهما لتكون هذه الآية تتمة لما قبلها، وبيانا لسبب ذلك النهي الجامع للمعنيين كما تقدم. ويؤيد الأول ما ورد في حديث السؤال عن الحج من كون فرضه كل عام يفضي إلى الكفر، وإنما يظهر ذلك بالوجه الذي قررناه وبيناه، ولم نر أحدا سبقنا إليه.
والعبرة في هذه الآية أن كثيرا من الفقهاء وسعوا بأقيستهم دائرة التكاليف، وانتهوا بها إلى العسر والحرج المرفوع بالنص القاطع، فأفضى ذلك إلى ترك كثير من أفراد المسلمين وحكوماتهم للشريعة بجملتها، وفتح لهم أبواب انتقادها والاعتراض عليها، فاتبعوا بذلك سنن من قبلهم. ولا بد لنا من عقد فصل خاص في تفصيل هذا البحث :
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:علاوة في بيان كون كثرة الزيادة على نصوص الشارع والتنطع في الدين
باستعمال الرأي في العبادات وأحكام الحلال والحرام
مخلا بيسر الإسلام ومنافيا لمقصده
نفتتح هذا الفصل بمقدمات من المسائل، أكثرهن مقاصد لا وسائل، يتجلى بهن المراد ويتميز الحق من الباطل.

١-
إن الله سبحانه وتعالى قد أكمل دينه وأتم به نعمته على المؤمنين بما أنزله من القرآن على خاتم رسله، وبما قام به الرسول صلى الله عليه وسلم أكمل القيام من بيان مراد الله تعالى من تنزيله، فهذه مسألة قطعية ثابتة بالنقل والعقل، وقد تقدم تفصيل القول فيها في تفسير اليوم أكملت لكم دينكم [ المائدة : ٣ ] من هذه السورة.

٢-
إن الدين يسر قد رفع الله تعالى منه الحرج كما نطق به النص في آية الوضوء من هذه السورة وفي سياق آيات الصيام من سورة البقرة – وتقدم تفسير النصين – وسيأتي نص آخر في معنى نص آية الوضوء في آخر سورة الحج. وقال تعالى في سورة الأعلى ونيسرك لليسرى [ الأعلى ٨ ]، أي الشريعة التي تفضل غيرها باليسر، ولذلك سماها الرسول صلى الله عليه وسلم بالحنيفية السمحة، ووصفها بقوله ليلها كنهارها، وجعل الدين عين اليسر مبالغة في يسره فقال «إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه»١ الخ رواه البخاري وابن حبان من حديث أبي سعيد المقبري. وقال صلى الله عليه وسلم «أحب الدين – وفي لفظ الأديان – إلى الله الحنيفية السمحة»٢ رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد، وذكره البخاري في ترجمة أحد أبواب الصحيح تعليقا، والطبراني من حديث ابن عباس. وقال صلى الله عليه وسلم «يسروا ولا تعسروا. وبشروا ولا تنفروا»٣ رواه الشيخان من حديث أنس. وقال «لقد تركتم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء»٤ رواه ابن ماجه من حديث لأبي الدرداء.

٣-
إن القرآن الحكيم هو أصل الدين وأساسه، وقد قال الله تعالى : ما فرطنا في الكتاب من شيء [ الأنعام : ٣٨ ] وقال تبيانا لكل شيء [ النحل : ٨٩ ] وأما الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو المبلغ له والمبين لمراد الله تعالى مما جاء فيه مجملا، قال تعالى مخاطبا له إن عليك إلا البلاغ [ الشورى : ٤٨ ] وقال وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم [ النحل : ٤٤ ] وقال إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله [ النساء : ١٠٥ ].
واختلف العلماء فيما جاء في السنة من الأحكام التي لا ذكر لها في القرآن هل هي من رأي النبي صلى الله عليه وسلم واجتهاده فيه ؟ أم بوحي آخر غير القرآن ؟ أم أذن الله له باستئناف التشريع ؟ والخلاف مشهور ورجح الإمام الشافعي القول الثاني. وفي صحيح البخاري [ باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل بما لم ينزل عليه الوحي فيقول «لا أدري» أو لم يجب حتى ينزل عليه الوحي، ولم يقل برأي ولا قياس، لقوله تعالى : بما أراك الله ] ويليه فيه [ باب تعليم النبي صلى الله عليه وسلم أمته من الرجال والنساء مما علمه الله ليس برأي ولا تمثيل ].
ونقول : لا يتجه الخلاف إلا في الأحكام الدينية المحضة، وأما المصالح المدنية والسياسة والحربية فقد أمر بالمشاورة فيها، وكان يرى الرأي فيرجع عنه لرأي أصحابه، وعاتبه الله تعالى على بعض الأعمال التي عملها برأيه صلى الله عليه وسلم كما ثبت ذلك في غزوات بدر وأحد وتبوك. ولا يتأتى شيء من ذلك فيما كان يوحى.

٤-
الرسول صلى الله عليه وسلم معصوم من الخطأ فيما يبلغه عن الله عز وجل، وفيما يبينه للناس من أمر دينه. ولذلك قال في مسألة تلقيح النخل حين ظن أنه لا ينفع فتركه بعضهم لظنه فخسر موسمه «إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لن أكذب على الله»٥ وقال أيضا «إنما أنا بشر مثلكم إذا أمرتكم بشيء من أمر دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر»٦ وقال أيضا «أنتم أعلم بأمر دنياكم»٧ رواهن مسلم.

٥-
إن الله تعالى قد فوض إلى المسلمين أمور دنياهم الفردية والمشتركة الخاصة والعامة، بشرط أن لا تجني دنياهم على دينهم وهدي شريعتهم – فجعل الأصل في الأشياء الإباحة بمثل قوله هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا [ البقرة : ٢٩ ] وقوله وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه [ الجاثية : ١٣ ] – وجعل أمور سياسة الأمة وحكومتها شورى إذ قال في وصف المؤمنين وأمرهم شورى بينهم [ الشورى : ٣٨ ] وأمر بطاعة أولي الأمر – وهم أهل الحل والعقد ورجال الشورى – بالتبع لطاعة الله ورسوله، وأرشد إلى رد أمور الأمن والخوف المتعلقة بالسياسة والحرب والإدارة إلى الرسول وإلى أولي الأمر، كما تقدم بيان ذلك في سورة النساء [ راجع تفسير أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر [ النساء ٥٩ ] وتفسير ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ] [ النساء : ٨٣ ] وآتى هذه الأمة الميزان مع القرآن، كما آتاه الأنبياء من قبل، والميزان ما يقوم به العدل والمساواة في الأحكام من الدلائل والبينات التي يستخرجها أهل العلم والبصيرة باجتهادهم في تطبيق الأقضية على النص والعدل والمصلحة.
وأما أدلة ذلك من السنة فأعظمها وأظهرها سيرته صلى الله عليه وسلم في تدبير أمر الأمة في الحرب والسلم والسياسة العامة بمشاورة أولي الرأي والفهم والمكانة المحترمة من المؤمنين وهم كبراء المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم ومنها إذنه لمعاذ عند إرساله إلى اليمن بالاجتهاد في القضاء، وحديث «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر»٨ رواه البخاري من حديث عمرو بن العاص، وذكر أن أبا هريرة وأبا سلمة تابعاه عليه.

٦-
إن الله تعالى جعل الإسلام صراطه المستقيم لتكميل البشر في أمورهم الروحية والجسدية، ليكون وسيلة للسعادة الدنيوية والأخروية، ولما كانت الأمور الروحية التي تنال بها سعادة الآخرة من العقائد والعبادات لا تختلف باختلاف الزمان والمكان – أتمها الله تعالى وأكملها أصولا وفروعا، وقد أحاطت بها النصوص فليس لبشر بعد الرسول أن يزيد فيها ولا أن ينقص منها شيئا.
وأما الأمور الدنيوية من قضائية وسياسية فلما كانت تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة – بين الإسلام أهم أصولها، وما مست إليه الحاجة في عصر التنزيل من فروعها، وكان من إعجاز هذا الدين وكماله أن ما جاءت به النصوص من ذلك يتفق مع مصالح البشر في كل زمان ومكان، ويهدي أولي الأمر إلى أقوم الطرق لإقامة الميزان، بما تقدم ذكره من الشورى والاجتهاد.

٧-
من تدبر ما تقدم تظهر له حكمة ما كان من كراهة النبي صلى الله عليه وسلم لكثرة سؤال المؤمنين له عن المسائل التي تقتضي أجوبتها كثرة الأحكام، والتشديد في الدين، أو بيان أحكام دنيوية ربما توافق ذلك العصر ولا توافق مصالح البشر بعده. وقد تقدم بسط ذلك في تفسير الآيتين، وسنورد قريبا أحاديث أخرى وآثارا في معنى ما أوردناه في سياق تفسيرهما.

٨-
من أجل ذلك الذي تقدم كان السلف الصالح يذمون الإحداث والابتداع، ويوصون بالاعتصام والاتباع، وينهون عن الرأي والقياس في الدين، ويتدافعون الفتوى ويتحامونها ولاسيما إذا سئلوا عما لم يقع، ولكن بعض الذين انقطعوا لعلم الشريعة فتحوا باب القياس والرأي فيها، وأكثروا من استنباط الفروع الكثيرة في العبادات والمعاملات جميعا، فجاء بعض الفروع مخالفا للسنة القولية أو العلمية مخالفة بينة، وبعضها غير موافق ولا مخالف، إلا أنه يدخل فيما عفا الله عنه فسكت عن بيانه رحمة لا نسيانا كما ورد، وقد وضعوا للاستنباط أصولا وقواعد منها الصحيح الذي تقوم عليه الحجة، ومنها ما لا تقوم عليه حجة البتة، ومنهم من لم يلتزم تلك الأصول والقواعد في استنباطِه للأحكام، وقولِه هذا حلال وهذا حرام، وذهبوا في ذلك مذاهب بددا، وسلكوا إليه طرائق قددا، فكثرت التكاليف حتى تعسر تعلمها، فما القول في عسر العمل بها ؟ ! فتسلل منها الأفراد والجماعات، وتفصت من عقلها الحكومات، وكثرت على المسلمين بها الشبهات، وكانت في طريق العودة إلى الإسلام أصعب العقبات. ولو سلك المتأخرون طريق السلف حتى أئمة أهل الرأي منهم في منع التقليد والرجوع إلى صحيح المأثور، ورد المتنازع فيه إلى الله والرسول-لما وصلنا إلى هذا الحد الذي وصفناه.

٩-
إن الإسلام دين توحيد واجتماع، وقد نهى أشد النهي عن التفرق والاختلاف، قال تعالى : واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا [ آل عمران : ١٠٣ ] وقال : ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات [ آل عمران : ١٠٥ ] وقال : إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ] الأنعام : ١٥٩ ] وقال ولا تكونوا من المشركين. من الذين فرقوا دينهم وكانوا شبعا كل حزب بما لديهم فرحون [ الروم : ٣١، ٣٢ ] ولم تكن هذه النصوص من الكتاب وأمثالها منه ومن السنة برادعة للمسلمين عن التفرق، وما كان التفرق إلا من الرأي الذي اتبعوا فيه سنن من قبلهم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى دخلوا جحر الضب الذي دخلوه قبلهم، مصداقا للحديث المتفق عليه. وروى ابن ماجه والطبراني من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلا حتى نشأ فيهم المولدون وأبناء سبايا الأمم التي كانت بنو إسرائيل تسبيها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا»٩ وقد علم عليه السيوطي بالحسن. ونقل هذا المعنى غير مرفوع عن غير واحد من علماء التابعين في أهل الكتاب عامة كما رواه الحافظ ابن عبد البر في كتاب العلم.
ولما كثر القول بالرأي قام أهل الأثر يردون على أهل الرأي وينفرون الناس منهم، فكان علماء الأحكام قسمين أهل الأثر والحديث، وأهل الرأي، وكان أئمة الفريقين من المؤمنين المخلصين، الناهين عن تقليد غير المعصوم في الدين، ثم حدثت المذاهب، وبدعة تعصب الجماعة الكثيرة للواحد، وفشا بذلك التقليد بين الناس، فضاع العلم من الجمهور بترك الاستقلال في الاستدلال، فكان هذا أصل كل شقاء وبلاء لهذه الأمة في دينها ودنياها.

١٠-
ما اجتمعت هذه الأمة على ضلالة قط، أما أهل الصدر الأول فلم يفتتن بالبدع التي ظهرت في عصرهم إلا القليل منهم، وكان السواد الأعظم على الحق، ولما ضعف الحق وارتفع العلم بكثرة الموت في العلماء المستقلين، وفشو الجهل بتقليد الجماهير حتى لأمثالهم من المقلدين، كان يوجد في كل عصر طائفة ظاهرة على الحق مقيمة للسنة، خاذلة للبدعة ولغربة الإسلام، صار هؤلاء غرباء في الناس، وكانوا في اعتصامهم بالحق وفي غربتهم في الإسلام مصداقا للأحاديث الصحيحة. ولو خلت الأرض منهم وانفرد بتعليم الدين والتصنيف فيه المقلدون المتعصبون للمذاهب، الذين جعلوا مقلديهم أصلا في الدين، يردون إليه أو لأجله نصوص الكتاب والسنة حتى بالتحريف والتأويل، ويضعفون الصحيح ويصححون السقيم، لعميت السبيل الموصلة إلى دين الله القويم.
إنما أعني بأهل الحق وأنصار السنة من عرفوا الحق ودعوا إليه وأنكروا على مخالفيه، وقرروه بالتدريس والتأليف، فهؤلاء هم الذين يصدق عليهم حديث الصحيحين وغيرهما «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله»١٠ وفي لفظ «حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون»١١ وحديث مسلم وغيره «ب



علاوة في بيان كون كثرة الزيادة على نصوص الشارع والتنطع في الدين
باستعمال الرأي في العبادات وأحكام الحلال والحرام
مخلا بيسر الإسلام ومنافيا لمقصده
نفتتح هذا الفصل بمقدمات من المسائل، أكثرهن مقاصد لا وسائل، يتجلى بهن المراد ويتميز الحق من الباطل.
١- إن الله سبحانه وتعالى قد أكمل دينه وأتم به نعمته على المؤمنين بما أنزله من القرآن على خاتم رسله، وبما قام به الرسول صلى الله عليه وسلم أكمل القيام من بيان مراد الله تعالى من تنزيله، فهذه مسألة قطعية ثابتة بالنقل والعقل، وقد تقدم تفصيل القول فيها في تفسير اليوم أكملت لكم دينكم [ المائدة : ٣ ] من هذه السورة.
٢- إن الدين يسر قد رفع الله تعالى منه الحرج كما نطق به النص في آية الوضوء من هذه السورة وفي سياق آيات الصيام من سورة البقرة – وتقدم تفسير النصين – وسيأتي نص آخر في معنى نص آية الوضوء في آخر سورة الحج. وقال تعالى في سورة الأعلى ونيسرك لليسرى [ الأعلى ٨ ]، أي الشريعة التي تفضل غيرها باليسر، ولذلك سماها الرسول صلى الله عليه وسلم بالحنيفية السمحة، ووصفها بقوله ليلها كنهارها، وجعل الدين عين اليسر مبالغة في يسره فقال «إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه»١ الخ رواه البخاري وابن حبان من حديث أبي سعيد المقبري. وقال صلى الله عليه وسلم «أحب الدين – وفي لفظ الأديان – إلى الله الحنيفية السمحة»٢ رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد، وذكره البخاري في ترجمة أحد أبواب الصحيح تعليقا، والطبراني من حديث ابن عباس. وقال صلى الله عليه وسلم «يسروا ولا تعسروا. وبشروا ولا تنفروا»٣ رواه الشيخان من حديث أنس. وقال «لقد تركتم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء»٤ رواه ابن ماجه من حديث لأبي الدرداء.
٣- إن القرآن الحكيم هو أصل الدين وأساسه، وقد قال الله تعالى : ما فرطنا في الكتاب من شيء [ الأنعام : ٣٨ ] وقال تبيانا لكل شيء [ النحل : ٨٩ ] وأما الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو المبلغ له والمبين لمراد الله تعالى مما جاء فيه مجملا، قال تعالى مخاطبا له إن عليك إلا البلاغ [ الشورى : ٤٨ ] وقال وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم [ النحل : ٤٤ ] وقال إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله [ النساء : ١٠٥ ].
واختلف العلماء فيما جاء في السنة من الأحكام التي لا ذكر لها في القرآن هل هي من رأي النبي صلى الله عليه وسلم واجتهاده فيه ؟ أم بوحي آخر غير القرآن ؟ أم أذن الله له باستئناف التشريع ؟ والخلاف مشهور ورجح الإمام الشافعي القول الثاني. وفي صحيح البخاري [ باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل بما لم ينزل عليه الوحي فيقول «لا أدري» أو لم يجب حتى ينزل عليه الوحي، ولم يقل برأي ولا قياس، لقوله تعالى : بما أراك الله ] ويليه فيه [ باب تعليم النبي صلى الله عليه وسلم أمته من الرجال والنساء مما علمه الله ليس برأي ولا تمثيل ].
ونقول : لا يتجه الخلاف إلا في الأحكام الدينية المحضة، وأما المصالح المدنية والسياسة والحربية فقد أمر بالمشاورة فيها، وكان يرى الرأي فيرجع عنه لرأي أصحابه، وعاتبه الله تعالى على بعض الأعمال التي عملها برأيه صلى الله عليه وسلم كما ثبت ذلك في غزوات بدر وأحد وتبوك. ولا يتأتى شيء من ذلك فيما كان يوحى.
٤- الرسول صلى الله عليه وسلم معصوم من الخطأ فيما يبلغه عن الله عز وجل، وفيما يبينه للناس من أمر دينه. ولذلك قال في مسألة تلقيح النخل حين ظن أنه لا ينفع فتركه بعضهم لظنه فخسر موسمه «إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لن أكذب على الله»٥ وقال أيضا «إنما أنا بشر مثلكم إذا أمرتكم بشيء من أمر دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر»٦ وقال أيضا «أنتم أعلم بأمر دنياكم»٧ رواهن مسلم.
٥- إن الله تعالى قد فوض إلى المسلمين أمور دنياهم الفردية والمشتركة الخاصة والعامة، بشرط أن لا تجني دنياهم على دينهم وهدي شريعتهم – فجعل الأصل في الأشياء الإباحة بمثل قوله هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا [ البقرة : ٢٩ ] وقوله وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه [ الجاثية : ١٣ ] – وجعل أمور سياسة الأمة وحكومتها شورى إذ قال في وصف المؤمنين وأمرهم شورى بينهم [ الشورى : ٣٨ ] وأمر بطاعة أولي الأمر – وهم أهل الحل والعقد ورجال الشورى – بالتبع لطاعة الله ورسوله، وأرشد إلى رد أمور الأمن والخوف المتعلقة بالسياسة والحرب والإدارة إلى الرسول وإلى أولي الأمر، كما تقدم بيان ذلك في سورة النساء [ راجع تفسير أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر [ النساء ٥٩ ] وتفسير ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ] [ النساء : ٨٣ ] وآتى هذه الأمة الميزان مع القرآن، كما آتاه الأنبياء من قبل، والميزان ما يقوم به العدل والمساواة في الأحكام من الدلائل والبينات التي يستخرجها أهل العلم والبصيرة باجتهادهم في تطبيق الأقضية على النص والعدل والمصلحة.
وأما أدلة ذلك من السنة فأعظمها وأظهرها سيرته صلى الله عليه وسلم في تدبير أمر الأمة في الحرب والسلم والسياسة العامة بمشاورة أولي الرأي والفهم والمكانة المحترمة من المؤمنين وهم كبراء المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم ومنها إذنه لمعاذ عند إرساله إلى اليمن بالاجتهاد في القضاء، وحديث «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر»٨ رواه البخاري من حديث عمرو بن العاص، وذكر أن أبا هريرة وأبا سلمة تابعاه عليه.
٦- إن الله تعالى جعل الإسلام صراطه المستقيم لتكميل البشر في أمورهم الروحية والجسدية، ليكون وسيلة للسعادة الدنيوية والأخروية، ولما كانت الأمور الروحية التي تنال بها سعادة الآخرة من العقائد والعبادات لا تختلف باختلاف الزمان والمكان – أتمها الله تعالى وأكملها أصولا وفروعا، وقد أحاطت بها النصوص فليس لبشر بعد الرسول أن يزيد فيها ولا أن ينقص منها شيئا.
وأما الأمور الدنيوية من قضائية وسياسية فلما كانت تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة – بين الإسلام أهم أصولها، وما مست إليه الحاجة في عصر التنزيل من فروعها، وكان من إعجاز هذا الدين وكماله أن ما جاءت به النصوص من ذلك يتفق مع مصالح البشر في كل زمان ومكان، ويهدي أولي الأمر إلى أقوم الطرق لإقامة الميزان، بما تقدم ذكره من الشورى والاجتهاد.
٧- من تدبر ما تقدم تظهر له حكمة ما كان من كراهة النبي صلى الله عليه وسلم لكثرة سؤال المؤمنين له عن المسائل التي تقتضي أجوبتها كثرة الأحكام، والتشديد في الدين، أو بيان أحكام دنيوية ربما توافق ذلك العصر ولا توافق مصالح البشر بعده. وقد تقدم بسط ذلك في تفسير الآيتين، وسنورد قريبا أحاديث أخرى وآثارا في معنى ما أوردناه في سياق تفسيرهما.
٨- من أجل ذلك الذي تقدم كان السلف الصالح يذمون الإحداث والابتداع، ويوصون بالاعتصام والاتباع، وينهون عن الرأي والقياس في الدين، ويتدافعون الفتوى ويتحامونها ولاسيما إذا سئلوا عما لم يقع، ولكن بعض الذين انقطعوا لعلم الشريعة فتحوا باب القياس والرأي فيها، وأكثروا من استنباط الفروع الكثيرة في العبادات والمعاملات جميعا، فجاء بعض الفروع مخالفا للسنة القولية أو العلمية مخالفة بينة، وبعضها غير موافق ولا مخالف، إلا أنه يدخل فيما عفا الله عنه فسكت عن بيانه رحمة لا نسيانا كما ورد، وقد وضعوا للاستنباط أصولا وقواعد منها الصحيح الذي تقوم عليه الحجة، ومنها ما لا تقوم عليه حجة البتة، ومنهم من لم يلتزم تلك الأصول والقواعد في استنباطِه للأحكام، وقولِه هذا حلال وهذا حرام، وذهبوا في ذلك مذاهب بددا، وسلكوا إليه طرائق قددا، فكثرت التكاليف حتى تعسر تعلمها، فما القول في عسر العمل بها ؟ ! فتسلل منها الأفراد والجماعات، وتفصت من عقلها الحكومات، وكثرت على المسلمين بها الشبهات، وكانت في طريق العودة إلى الإسلام أصعب العقبات. ولو سلك المتأخرون طريق السلف حتى أئمة أهل الرأي منهم في منع التقليد والرجوع إلى صحيح المأثور، ورد المتنازع فيه إلى الله والرسول-لما وصلنا إلى هذا الحد الذي وصفناه.
٩- إن الإسلام دين توحيد واجتماع، وقد نهى أشد النهي عن التفرق والاختلاف، قال تعالى : واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا [ آل عمران : ١٠٣ ] وقال : ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات [ آل عمران : ١٠٥ ] وقال : إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ] الأنعام : ١٥٩ ] وقال ولا تكونوا من المشركين. من الذين فرقوا دينهم وكانوا شبعا كل حزب بما لديهم فرحون [ الروم : ٣١، ٣٢ ] ولم تكن هذه النصوص من الكتاب وأمثالها منه ومن السنة برادعة للمسلمين عن التفرق، وما كان التفرق إلا من الرأي الذي اتبعوا فيه سنن من قبلهم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى دخلوا جحر الضب الذي دخلوه قبلهم، مصداقا للحديث المتفق عليه. وروى ابن ماجه والطبراني من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلا حتى نشأ فيهم المولدون وأبناء سبايا الأمم التي كانت بنو إسرائيل تسبيها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا»٩ وقد علم عليه السيوطي بالحسن. ونقل هذا المعنى غير مرفوع عن غير واحد من علماء التابعين في أهل الكتاب عامة كما رواه الحافظ ابن عبد البر في كتاب العلم.
ولما كثر القول بالرأي قام أهل الأثر يردون على أهل الرأي وينفرون الناس منهم، فكان علماء الأحكام قسمين أهل الأثر والحديث، وأهل الرأي، وكان أئمة الفريقين من المؤمنين المخلصين، الناهين عن تقليد غير المعصوم في الدين، ثم حدثت المذاهب، وبدعة تعصب الجماعة الكثيرة للواحد، وفشا بذلك التقليد بين الناس، فضاع العلم من الجمهور بترك الاستقلال في الاستدلال، فكان هذا أصل كل شقاء وبلاء لهذه الأمة في دينها ودنياها.
١٠- ما اجتمعت هذه الأمة على ضلالة قط، أما أهل الصدر الأول فلم يفتتن بالبدع التي ظهرت في عصرهم إلا القليل منهم، وكان السواد الأعظم على الحق، ولما ضعف الحق وارتفع العلم بكثرة الموت في العلماء المستقلين، وفشو الجهل بتقليد الجماهير حتى لأمثالهم من المقلدين، كان يوجد في كل عصر طائفة ظاهرة على الحق مقيمة للسنة، خاذلة للبدعة ولغربة الإسلام، صار هؤلاء غرباء في الناس، وكانوا في اعتصامهم بالحق وفي غربتهم في الإسلام مصداقا للأحاديث الصحيحة. ولو خلت الأرض منهم وانفرد بتعليم الدين والتصنيف فيه المقلدون المتعصبون للمذاهب، الذين جعلوا مقلديهم أصلا في الدين، يردون إليه أو لأجله نصوص الكتاب والسنة حتى بالتحريف والتأويل، ويضعفون الصحيح ويصححون السقيم، لعميت السبيل الموصلة إلى دين الله القويم.
إنما أعني بأهل الحق وأنصار السنة من عرفوا الحق ودعوا إليه وأنكروا على مخالفيه، وقرروه بالتدريس والتأليف، فهؤلاء هم الذين يصدق عليهم حديث الصحيحين وغيرهما «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله»١٠ وفي لفظ «حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون»١١ وحديث مسلم وغيره «ب

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير