وإلى هذا فإن الطبري روى عن ابن عباس أن الآيتين نزلتا بسبب سؤال بعضهم عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام التي ورد ذكرها في الآية التي تأتي بعد الآيتين اللتين نحن في صددهما. وليس في كتب التفسير زيادة عما في كتاب الطبري.
ويتبادر لنا أن السؤال عن البحيرة وأخواتها لا يقتضي نهيا ولا إنذارا ولا غضبا من الله ورسوله. وهذا ما جعلنا نفرد الآيتين عن الآيات التالية لها. إلا أن يقال : إن السؤال أورد في مناسبة أو في صيغة غير لائقة. والله تعالى أعلم.
ويلحظ أن الأحاديث التي يرويها البخاري ومسلم والترمذي متباعدة إلا أن يقال : إن من الجائز أن يكون كل ما ورد فيها كان يحدث حتى كثرت الأسئلة بدون مناسبة وضرورة، وكان منها ما هو غير لائق في مداه أو صيغته فوقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم موقف الغاضب ونزلت الآيات ناهية منذرة معلمة.
ومهما يكن من أمر فالآيتان كما هو متبادر من فحواهما بسبيل التحذير من اللجاجة والمواقف والأسئلة المثيرة التي قد يكون لها نتائج ضارة وسيئة لأصحابها وغيرهم. وفي هذا ما فيه من تلقين تأديبي وتعليمي رفيع مستمر المدى.
ولقد روى مسلم عن سعد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال :( أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن أمر لم يحرم فحرم على الناس من أجل مسألته ) ( ١ )(٤). وروى البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال :( ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم ) ( ٢ )(٥). ولقد أورد ابن كثير والقاسمي حديثا عزاه الأخير إلى ابن ماجة والترمذي والحاكم جاء فيه :( سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أشياء فقال : الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما قد عفا عنه فلا تتكلفوا ) وأورد ابن كثير حديثا وصفه بالصحيح جاء فيه :( إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها ).
وينطوي في الأحاديث تلقينات رائعة واسعة المدى متسقة مع التلقين القرآني، وفيها مثل أخلاقية واجتماعية وسلوكية وتعبدية يحتذيها المسلم ويقيس عليها أمورا كثيرة من شؤون الدين والدنيا مماثلة لها في كل ظرف ومكان. والله تعالى أعلم.
وواضح من روح الآيات والأحاديث أن الأسئلة المكروهة هي ما كان فيه تنطع وتكلف وحذلقة وقصد إحراج ومماراة وجدل من دون ما ضرورة من شرع ودين ومصلحة. وأن الأسئلة التي لا يكون فيها ذلك و كان فيها رغبة معرفة حدود كتاب الله وسنة رسوله ليست مكروهة ولا محظورة بل هي واجبة على المسلم. ولقد روى أبو داود حديثا عن جابر قال :( خرجنا في سفر فأصاب رجل منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم فسأل أصحابه : هل تجدون لي رخصة في التيمم ؟ قالوا : ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر بذلك فقال : قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذا لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال ) ( ١ )(٦).
هذا، ولقد روى الطبري في صدد جملة : قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ أنهم الذين سألوا عيسى إنزال المائدة، فلما أعطوها كفروا أو إنهم قوم صالح سألوا معجزة، فلما أظهر الله لهم معجزة الناقة كفروا أو إنهم بعض المنافقين واليهود طلبوا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعض الأمور، فلما أجيبوا كفروا. وليس شيء من هذه الأقوال واردا في كتب الصحاح. ولا نرى الأمثلة تنطبق تماما على فحوى العبارة. وفي الجملة إخبار رباني وليس هناك توضيح نبوي فيوقف عند ذلك بدون تخمين كما هو الواجب في هذا وأمثاله. والله تعالى أعلم.
التفسير الحديث
دروزة