قوله : قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ من قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كافرين الضمير : يرجع إلى المسألة المفهومة من لاَ تَسْأَلُواْ لكن ليست هذه المسألة بعينها، بل مثلها في كونها مما لا حاجة إليه، ولا توجبه الضرورة الدينية ثم لم يعملوا بها، بل أصبحوا بها كافرين أي ساترين لها تاركين للعمل بها، وذلك كسؤال قوم صالح الناقة، وأصحاب عيسى المائدة، ولا بد من تقييد النهي في هذه الآية بما لا تدعو إليه حاجة كما قدمنا، لأن الأمر الذي تدعو الحاجة إليه في أمور الدين والدنيا، قد أذن الله بالسؤال عنه فقال : فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ وقال صلى الله عليه وسلم :«قاتلهم الله ألا سألوا فإنما شفاء العيّ السؤال ».
سورة المائدة
آياتها مئة وعشرون آية ترتيبها خمسة.
قال القرطبي : هي مدنية بالإجماع وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال : المائدة مدنية. وأخرج أحمد والنسائي وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن جبير بن نفير قال : حججت فدخلت على عائشة، فقالت لي : يا جبير تقرأ المائدة ؟ فقلت : نعم، فقالت : أما إنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم من حرام فحرموه. وأخرج أحمد والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عبد الله بن عمر قال : آخر سورة نزلت سورة المائدة والفتح. وأخرج أحمد عنه قال : أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المائدة وهو راكب على راحلته فلم تستطع أن تحمله، فنزل عنها. قال ابن كثير : تفرد به أحمد. قلت : وفي إسناده ابن لهيعة وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن جرير ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة والطبراني وأبو نعيم في الدلائل والبيهقي في شعب الإيمان عن أسماء بنت يزيد نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة في مسنده والبغوي في معجمه وابن مردويه والبيهقي في دلائل النبوة عن أم عمرو بنت عيسى عن عمها نحوه أيضاً. وأخرج أبو عبيد عن محمد بن كعب القرظي نحوه. وزاد أنها نزلت في حجة الوداع فيما بين مكة والمدينة. وهكذا أخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس بهذه الزيادة وأخرج أبو عبيد عن ضمرة بن حبيب وعطية بن قيس قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" المائدة من آخر القرآن تنزيلاً، فأحلوا حلالها وحرموا حرامها ". وأخرج أبو داود والنحاس كلاهما في النسخ عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل قال : لم ينسخ من المائدة شيء. وكذا أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر عنه. وكذا أخرجه عبد بن حميد و أبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر عن الشعبي. وكذا أخرجه عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن المنذر عن الحسن البصري. وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر عن الشعبي قال : لم ينسخ من المائدة إلا هذه الآية : يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد . وأخرج أبو داود في ناسخه وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس قال : نسخ من هذه السورة آيتان، آية القلائد وقوله : فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وأخرج عبد بن حميد في مسنده عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في خطبته سورة المائدة والتوبة، وذكر النقاش عن أبي سلمة أنه قال :" لما رجع صلى الله عليه وسلم من الحديبية قال : يا علي أشعرت أنها نزلت علي سورة المائدة ؟ ونعمت الفائدة " قال ابن العربي : هذا حديث موضوع لا يحل لمسلم اعتقاده وقال ابن عطية : هذا عندي لا يشبه كلام النبي صلى الله عليه وسلم.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني