المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه وظيفة الرسول وأنها تبليغ الرسالة وبيان شرع الله ودينه فحسب، وبذا تبرأ ذمته ـ ناسب أن يصرح بأن الرسول قد أدى وظيفة البلاغ الذي كمل به الإسلام ـ وأنه لا ينبغي للمؤمنين أن يكثروا عليه من السؤال، لئلا يكون ذلك سببا لكثرة التكاليف التي يشق على الأمة احتمالها، فيسرع إليها الفسوق عن أمر ربها.
روي أن هذه الآية نزلت من جراء أن قوما كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم امتحانا له أحيانا، واستهزاء أحيانا أخرى، فيقول له بعضهم من أبي ؟ ويقول بعضهم إذا ضلت ناقته أين ناقتي ؟ ونحو ذلك.
روى أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وغيرهم عن أنس بن مالك قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثله وقال فيها : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ، قال فغطى أصحاب رسول الله وجوههم، لهم حنين وبكاء مرتفع من الصدر، فقال رجل : من أبي ؟ قال فلان فنزلت هذه الآية لا تسألوا عن أشياء وروى ابن جرير عن قتادة في قوله : يا أيها الذين آمنوا الآية، قال فحدثنا أن أنس بن مالك حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه حتى أحفوه بالمسألة، فخرج عليهم ذات يوم، فصعد المنبر فقال : لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم فأشفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون بين يدي أمر قد حضر، فجعلت لا ألتفت لا يمينا ولا شمالا إلا وجدت كل رجل لافا رأسه في ثوب يبكي، فأنشأ رجل كان يلاحى فيدعى إلى غير أبيه، فقال : يا نبي الله من أبي ؟ قال :" أبوك حذافة " قال ثم قام عمر فقال : رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا أعوذ بالله من شر الفتن. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :{ لم أر في الخير والشر كاليوم قط، صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط ".
قال الزهري : فقالت أم عبد الله بن حذافة : ما رأيت ولدا أعق منك، أكنت تأمن أن أمك قد قارفت ما قارف أهل الجاهلية فتفضحها على رؤوس الناس ؟ فقال والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته.
وروى مسلم عن أبي هريرة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :" يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا " فقال رجل : أكل عام يا رسول الله ؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت لما استطعتم ) ثم قال :( ذروني ما تركتكم )، فنزلت يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم .
الإيضاح : قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين أي قد سأل هذه المسائل : أي أمثالها، قوم من قبلكم ثم أصبحوا بعد إبدائها كافرين بها، فإن من أكثر الأسئلة عن الأحكام الشرعية من الأمم السالفة لم يعملوا بما بين لهم منها، بل فسقوا عن أمر ربهم وألقوا شرعهم وراءهم ظهريا استثقالا للعمل به، وأدى ذلك إما إلى استنكاره، وإما إلى جحود كونه من عند الله، وسواء أكان هذا أم ذاك فهو كفران به، انظر إلى قوم صالح فإنهم بعد أن سألوا الآيات وأجيبوا إلى ما طلبوا لم يؤمنوا بما أوتوا بل كفروا فاستحقوا الهلاك في الدنيا قبل عذاب الآخرة.
تفسير المراغي
المراغي