إن وجه الاتصال والمناسبة بين هذه الآيات وما قبلها يعلم مما تقدم من أخذ الله الميثاق على هذه الأمة، وهذا من المقاصد التي لا تختلف باختلاف الأزمنة فكان عاما في جميع الأمم التي بعث الله فيها الرسل، كما قلناه في تفسير تلك الآية. فلما ذكرنا الله تعالى بميثاقه الذي واثقنا به، على السمع والطاعة لخاتم رسله، ذكر لنا أخذه مثل هذا الميثاق على أقرب الأمم إلينا وطنا وتاريخا وهم اليهود والنصارى، وما كان من نقضهم ميثاقه، ومن عقابه لهم على ذلك في الدنيا، وما ينتظرون من عقاب الآخرة وهو أشد وأبقى – لنعتبر بحالهم، ونتقي حذو مثالهم، وليبين لنا علة كفرهم بنبينا وتصديهم لإيذائه وعداوة أمته، وليقيم بذلك الحجة عليهم فيما تراه بعد هذه الآيات. فهذا مبدأ سياق طويل في محاجة أهل الكتاب وبيان أنواع كفرهم وضلالهم.
وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ أي وكذلك أخذنا ميثاق الذين سموا أنفسهم نصارى من أهل الكتاب الأول، وهم الذين قالوا إنهم اتبعوا المسيح ونصروه، وقد صاروا طائفة مستقلة مؤلفة من الإسرائيليين وغيرهم فنقضوا ميثاقهم ونسوا حظا ونصيبا مما ذكروا به على لسان المسيح عيسى ابن مريم كما فعل الذين من قبلهم فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الفاء للسببية أي فكان نسيان حظ عظيم من كتابهم سببا لوقوعهم في الأهواء والتفرق في الدين والموجب بمقتضى سنتنا في البشر للعداوة والبغضاء. والإغراء التحريش وإسناده إلى الله تعالى مع كونه من أعمالهم الاختيارية سببا ومسببا لأنه من مقتضى سننه في خلقه. فهذا جزاؤهم في الدنيا وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُون عند ما يحاسبهم في الآخرة، ينبئهم بحقيقة ضلالهم ويجازيهم عليه بعد ذلك ليعلموا أنه حكم عدل لا يظلم مثقال ذرة.
بين الله لنا أن النصارى نسوا حظا مما ذكروا به كاليهود. وسبب ذلك أن المسيح عليه السلام لم يكتب ما ذكرهم به من المواعظ وتوحيد الله وتمجيده والإرشاد لعبادته، وكان من اتبعوه من العوام، وأمثلهم حواريوه وهم من الصيادين، وقد اشتد اليهود في عداوتهم ومطاردتهم، فلم تكن لهم هيأة اجتماعية ذات قوة وعلم تدون ما حفظوه من إنجيل المسيح وتحفظه. ويظهر من تاريخهم وكتبهم المقدسة أن كثيرا من الناس كانوا يبثون بين الناس في عصرهم تعاليم باطلة عن المسيح، ومنهم من كتب في ذلك، حتى أن الذين كتبوا كتبا سموها الأناجيل كثيرون جدا كما صرحوا به في كتبهم المقدسة وتواريخ الكنيسة. وما ظهرت هذه الأناجيل الأربعة المعتمدة عندهم الآن إلا بعد ثلاثة قرون من تاريخ المسيح عندما صار للنصارى دولة بدخول الملك قسطنطين في النصرانية، وإدخاله إياها في طور جديد من الوثنية، وهذه الأناجيل عبارة عن تاريخ ناقص للمسيح، وهي متعارضة متناقضة بل وقع الخلاف بينهم في مؤلفيها واللغات التي ألفوها بها. وقد بينا في تفسير أول سورة آل عمران حقيقة إنجيل المسيح وكون هذه الكتب لم تحو إلا قليلا منه كما تحتوي السيرة النبوية عندنا على القليل من القرآن والحديث. وهذا القليل من الإنجيل قد دخله التناقض والتحريف.
وقد أورد الشيخ رحمة الله الهندي في كتابه ( إظهار الحق ) المشهور مئة شاهد من الكتب المقدسة عند اليهود والنصارى على التحريف اللفظي والمعنوي فيها، نقلت بعضها على سبيل النموذج في تفسير آية النساء ( ٤ : ٤٨ ) ومنها ما عجز مفسرو التوراة عن تمحل الجواب عنه وجزموا بأنه ليس مما كتبه موسى عليه السلام. فراجعه من التفسير الخامس. والظاهر أن التنكير في قوله :( نصيبا وحظا ) للتعظيم أي أن ما نسوه وأضاعوه منه كثير، وما أتوه وحفظوه كثير أيضا، فلو كانوا يعلمون به ما فسدت حالهم، ولا عظم خزيهم ونكالهم. وهذا هو المعقول في حال عدم حفظ الأصل بنصه في الصدور والسطور، ونحن نجزم بأننا نسينا وأضعنا من حديث نبينا صلى الله عليه وآله وسلم حظا عظيما لعدم كتابة علماء الصحابة كل ما سمعوه، ولكن ليس منه ما هو بيان للقرآن أو من أمور الدين، فإن جميع أمور الدين مودعة في القرآن ومبينة في السنة العملية، وما دون من الحديث مزيد هداية وبيان. هذا وإن العرب كانت أمة حفظ ودونوا الحديث في العصر الأول، وعنوا بحفظه وضبط متونه وأسانيده عناية شاركهم فيها كل من دخل في الإسلام، ولم يتفق مثل ذلك لغير المسلمين من المتقدمين والمتأخرين.
لسنا في حاجة إلى تفصيل القول في ضياع حظ عظيم من كتب اليهود، وفي وقوع التحريف اللفظي والمعنوي فيما عندهم منها، وفي إيراد الشواهد من هذه الكتب ومن التاريخ الديني عند أهل الكتاب على ذلك، لأنه ليس بيننا وبين اليهود مناظرات دينية تقتضي ذلك. ولولا أن النصارى أقاموا بناء دينهم وكتبهم التي يسمونها ( العهد الجديد ) على أساس كتب اليهود التي يسمونها ( العهد العتيق ) لما زدنا في الكلام عن كتب اليهود على ما نثبت به ما وصفها به القرآن العزيز بالإجمال، وإنما الحاجة تدفعنا إلى بعض التفصيل في إثبات نسيان النصارى وإضاعتهم حظا عظيما مما جاء به المسيح عليه السلام، وتحريف الكتب التي في أيديهم، لأنهم أسرفوا في التعدي على الإسلام والطعن فيه، فكان مثلهم كمثل من بنى بيتا من الزجاج على شفا جرف من الرمل وحاول أن ينصب فيه المدافع ليهدم حصنا مبنيا على جبل راسخ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [ التوبة : ١٠٩ ]. وقد قامت مجلتنا المنار بما يجب من هذا البيان، ودفع ما بدأ به دعاة النصرانية من الظلم والعدوان، وسبق في التفسير قليل من كثير ما نشر في المنار. ونذكر هنا بعض المسائل في ذلك بالإيجاز.
فصل في ضياع كثير من الإنجيل وتحريف كتب النصارى المقدسة
١ – إن الكتب التي يسمونها الأناجيل الأربعة تاريخ مختصر للمسيح عليه السلام ولم يذكر فيها إلا شيء قليل من أقواله وأفعاله في أيام معدودة بدليل قول يوحنا في آخر إنجيله :( هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا وكتب هذا وتعلم أن شهادته حق. وأشياء أخرى كثيرة صنعها يسوع إن كتبت واحدة فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة، أمين ).
هذه العبارة يراد بها المبالغة في بيان أن الذي كتب عن المسيح لا يبلغ عشر معشار تاريخه. ومن البديهي أن تلك الأعمال الكثيرة التي لم تكتب وقعت في أزمنة كثيرة. وأنه تكلم في تلك الأزمنة وعند تلك الأعمال كثيرا. فهذا كله قد ضاع ونسي. وحسبنا هذا حجة عليهم في إثبات قول الله تعالى : فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وحجة على بعض علمائنا الذين ظنوا أن كتبهم حفظت وتواترت. قال صاحب ذخيرة الألباب ( إن الإنجيل لا يستغرق كل أعمال المسيح ولا يتضمن كل أقواله، كما شهد به القديس يوحنا ).
٢ – الإنجيل في الحقيقة واحد وهو ما جاء به المسيح عليه السلام من الهدي والبشارة بخاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم وهو ما كان يدور ذكره على ألسنة كتاب تلك التواريخ الأربعة وغيرهم حكاية عن المسيح وعن ألسنتهم أنفسهم. قال متى حكاية عنه ٢٦ : ١٣ ( الحق أقول لكم حيثما يكرز بهذا الإنجيل في كل العالم يخبر أيضا بما فعلته هذه تذكارا لها ) أي ما فعلته المرأة التي سكبت قارورة الطيب على رأسه. أوجب عليهم أن يخبروا كل من يبلغونهم الإنجيل في عالم اليهودية كلها بما فعلته تلك المرأة، فخبر تلك المرأة ليس من الإنجيل الذي جاء في كلام المسيح، وقد ذكر في تلك التواريخ امتثالا لأمره. وسميت تلك التواريخ أناجيل لأنها تتكلم عن إنجيل المسيح وتجيء بشيء منه. ولذلك بدأ مرقس تاريخه بقوله ( بدأ إنجيل يسوع المسيح ) ثم قال حكاية عن المسيح ١ : ١٥ ( فتوبوا وآمنوا بالإنجيل ) فالإنجيل الذي أمر الناس أن يؤمنوا به ليس هو أحد هذه التواريخ الأربعة ولا مجموعها. وهو الذي سماه بولس في رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكي الإنجيل المطلق ( ٢ : ٤ ) وإنجيل الله ( ٢ : ٨ : ٩ ) وإنجيل المسيح ( ٢ : ٣ ) والكتاب الإلهي يضاف إلى الله بمعنى أنه أوحاه، وإلى النبي بمعنى أنه أوحي إليه أو جاء به، كما يقال توراة موسى.
٣- كانت الأناجيل في القرون الأولى للمسيح كثيرة جدا قيل إنها بلغت زهاء سبعين إنجيلا. وقال بعض مؤرخي الكنيسة إن الأناجيل الكاذبة كانت ٣٥ إنجيلا. وقد رد صاحب كتاب ( ذخيرة الألباب ) الماروني القول بكثرتها وقال إن سبب ذلك تسمية الواحد بعدة أسماء. وقال إن الخمسة والثلاثين لا تكاد تبلغ العشرين. وعدها كلها وذكر أن بعضها مكرر الاسم، وذكر منها إنجيل القديس برنابا. وذكر أن جاحدي الوحي طعنوا في الأناجيل ثلاثة مطاعن :
١- أن الآباء الذين سبقوا القديس يوستينوس الشهيد لم يذكروا إلا أناجيل كاذبة ومدخولة.
٢- لا سبيل إلى إظهار أسفار العهد الجديد التي خطها مؤلفوها.
٣- قد فات الجميع معرفة الموضع والعهد اللذين كتبت فيهما.
٤ – أن كورنتس وكربوكراتوس قد نبذا ظهريا منذ أوائل الكنيسة إنجيل القديس لوقا، والألوغبين إنجيل القديس يوحنا. ولم يستطيع أن يرد هذه الاعترضات ردا مقبولا عند مستقلي الفكر.
وقال الدكتور بوست البروتستاني في قاموس الكتاب المقدس : إن نقض الأناجيل غير القانونية ظاهر لأنها مضادة لروح المخلص وحياته. ونحن نقول إننا قد اطلعنا على واحد منها وهو إنجيل برنابا فوجدناه أكمل من مجموع الأربعة في تقديس الله وتوحيده وفي الحث على الآداب والفضائل. فإذا كان هذا برهانهم على رد تلك الأناجيل الكثيرة وإثبات هذه الأربعة فهو برهان يثبت صحة إنجيل برنابا قبل غيره أو دون غيره.
٤- بدئ تحريف الإنجيل من القرن الأول. قال بولس في رسالته إلى أهل غلاطية ١ : ٦ ( إني أتعجب أنكم تنتقلون هكذا سريعا عن الذي دعاكم بنعمة المسيح إلى إنجيل آخر، لا ليس هو آخر غير أنه يوجد قوم يزعجونكم ويريدون أن يحولوا إنجيل المسيح ) فالمسيح كان له إنجيل واحد، وبين بولس أنه كان في عصره من القرن الأول أناس يدعون المسيحيين إلى إنجيل غيره بالتحويل أي التحريف كما في الترجمة القديمة، وفي ترجمة الجزويت ( يقلبوا ) بدل يحولوا، وهي أبلغ في التحريف والتبديل، وبيت بولس أن الناس كانوا ينتقلون سريعا إلى دعاة هذا الإنجيل المحرك المحول عن أصله الذي جاء به المسيح.
وقد بين بولس في رسالته الثانية إلى أهل كورنثيوس ( ١١ : ١٣- ١٥ ) أن هؤلاء القوم الذين يحرفون إنجيل المسيح ( رسل كذبة فعله ماكرون مغيرون شكلهم إلى رسل المسيح ) وتتمة العبارة تدل أنهم كانوا كرسل المسيح ويشتبهون بهم كما يشتبه الشيطان بالملائكة، إذ ( يغير إلى ملاك نور ) وفي الفصل الخامس عشر من سفر الأعمال ما يوضح هذه المسألة وهو أن اليهود كانوا ينبثون بين المسيح ويعلمونهم غير ما يعلمهم رسل المسيح، وأن المشايخ والرسل أرسلوا برنابا وبولس إلى أنطاكية ليحذروا أهلها من هؤلاء المعلمين الكاذبين، وأن بولس وبرنابا تشاجرا وافترقا هنالك. وهما ما تشاجرا وافترقا إلا لاختلافهما في حقيقة تعليم المسيح، فبرنابا يذكر في مقدمة إنجيله أن بولس كان من الذين خالفوا المسيح في تعليمه. ولا شك أن برنابا أجدر بالتقديم والتصديق من بولس لأنه تلقى عن المسيح مباشرة، وكان بولس عدوا للمسيح والمسيحيين ولولا أن قدمه برنابا للرسل لما وثقوا بدعواه التوبة والإيمان بالمسيح. ولكن النصارى رفضوا إنجيل برنابا المملوء بتوحيد الله وتنزيهه وبالحكمة والفضيلة، وآثروا عليه بولس وأناجيل تلاميذه لوقا ومرقس – وكذا يوحنا كما حققه بعض علماء أوروبا- لأن تعاليم بولس كانت أقرب إلى عقائد الرومانيين الوثنية، فكانوا هم الذين رجحوها ورفضوا ما عداها، إذ كانوا هم أصحاب السلطة الأولى في النصرانية. وهم الذين كونوها بهذا الشكل.
٥- اختلف علماء الكنيسة وعلماء التاريخ في الأناجيل الأربعة التي اعتمدوها في القرن الرابع : من هم الذين كتبوها
تفسير المنار
رشيد رضا