قوله تعالى :" يَهْدِي " فيه خَمْسَة أوجه :
أظهرها : أنَّه في محلِّ رفْع ؛ لأنَّهُ صفة ثَانِيَةٌ٧ ل " كِتَاب "، وصفَهُ بالمفرد ثم بالْجُمْلَة، وهو الأصْلُ.
الثاني : أن يكون صِفَةً أيضاً لكن ل " نُورٌ "، وصَفَهُ بالمُفْرَد ثم بالجُمْلَة، ذكره أبو البقاء٨ وفيه نظر، إذ القَاعِدَةُ أنَّه إذا اجْتَمَعَتِ التَّوابع قُدِّم النَّعْت على عَطْف النَّسَق، تقول جاء زَيْدٌ العَاقِل وعَمْرو، ولا تقُولُ : جاء زيْدٌ وعمرو العَاقِل ؛ لأنَّ فيه إلباساً أيضاً.
الثالث : أن يكون حالاً من " كِتَاب "، لأن النَّكرة لما تخصَّصَت بالوَصْف قَرُبت من المَعْرِفة.
وقياس٩ قول أبي البقاء أنَّه يجوز أن يكون [ حالاً من " نُورٌ "، كما جاز أن يكُون ]١٠ صِفَة لَهُ١١.
الرابع : أنَّهُ حال من " رسُولُنا " بدلاً من الجُمْلَة الواقِعَة حالاً له، وهي قوله :" يُبَيِّنُ ".
الخامس : أنَّهُ حالٌ من الضَّمير في " يُبَيِّن " ذكرهما أبُو البقاء١٢، ولا يَخْفَى ما فيهما من الفَصْلِ ؛ ولأن فيه ما يُشْبِهُ تَهْيِئَة١٣ العَامِل للعَمَلِ، وقَطْعه عنه، والضَّمِير في " بِهِ " يعُودُ على من جعل " يَهْدي " حالاً منه، أو صِفَة لَه.
قال أبو البقاء١٤ : فَلِذَلِكَ أفْرِدَ، أي : إن الضمير في " بِهِ " أُتِي به مُفْرداً، وقد تقدَّمه شيئان وهُمَا :" نُورٌ " و " كِتَابٌ "، ولكن لما قصد بالجُمْلَة من قوله :" يَهْدي " الحال، أو الوصف من أحدهما، أُفْرِد الضَّمير.
وقيل : الضمير في " بِهِ " يعود على الرَّسُول [ وقيل : يَعُودَ على " السَّلام " ]١٥، وعلى هذين القَوْلَيْن لا تكون الجُمْلَةُ من قوله :" يَهْدِي " حالاً ولا صِفَةً لعدم الرَّابط.
و " مَنْ " موصولةٌ أو نكرةٌ موصوفةٌ، ورَاعَى لَفْظَها في قولِهِ :" اتَّبَع " فلذلك [ أفرد الضَّمِير، ومَعْناها، فَلِذَلك ]١٦ جمعه في قوله :" وَيُخْرِجُهُم ".
وقرأ عُبَيْد بن عُمَيْر، ومُسْلِم بن جُنْدُب، والزُّهَري١٧ " بهُ " بضم الهاء حيث وقع، وقد تقدَّم أنَّه الأصْل.
وقرأ الحسن١٨ " سُبْلَ " بسكون الباء، وهو تخْفيفٌ قياسي به كقولهم في عُنُق : عُنْق، وهذا أوْلَى لِكَوْنه جمعاً، وهو مَفْعُول ثانٍ ل " يَهْدِي " على إسقاط حَرْفِ الجرِّ، أي إلى " سُبْل "، وتقدَّمَ تحقيق نظيره، ويجُوزُ أن يَنْتَصِبَ على أنَّهُ بدَل من " رِضْوَانَهُ " إما بَدَل كُل من كلّ لأن سبل السلام [ هي رضوان الباري تعالى، وإما بدل اشتمال ؛ لأن الرضوان مشتمل على سبل السلام ؛ أو لأنها مشتملة على رضوان الله تعالى، وإما بدل ]١٩ بعض من كل ؛ لأن سبل السلام بعض الرضوان.
فصل
معنى يَهْدِي بِهِ اللَّهُ أي : بالكِتَابِ المُبِين من اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ أي : كان مطلوبُهُ من طلب الدِّين٢٠ اتِّباع الدِّين [ الذي ]٢١ يَرْتَضِيه اللَّه، " سُبُلَ السلام " [ أي : طُرُق السَّلامَة ]٢٢ وقيل : السلام هو الله عزَّ وجلَّ، و " سُبُلَهُ " : دينَهُ الذي شرع لِعبَادِه، ويجُوزُ أن يكون على حَذْفِ مُضَافٍ، أي : سُبُل دار السلام، ونظيره قوله : وَالَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ [ محمد : ٤ - ٥ ] ومعلومٌ أنَّه ليس المُرادُ هِدَايَة الاسْتِدْلاَل، بل الهدايَةُ إلى طَرِيق الجَنَّة.
ثم قال : ويخْرِجُهُم من الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ أي : من ظُلمات الكُفْر إلى نورِ الإيمان " بإذْنِهِ " بتوفيقه و " بإذنِهِ " متعلِّق ب " يُخْرِجُهُم " أي : بتَيْسِيره أو بأمْره، و " البَاءُ " للحال أي : مُصَاحِبِين لِتَيْسِيرِه أو للسَّبَبِيَّة، أي : بسبب أمْرِه المُنَزَّل على رسوله.
وقيل :" الباء " تتعلق بالاتِّبَاع، أي : يتَّبع رِضْوَانه بإذْنِه.
قال ابنُ الخَطِيب٢٣ : ولا يجُوزُ أن تتعلَّق بالهِدَاية، [ ولا بالإخْرَاج ؛ لأنَّه لا مَعْنَى له، فَدَلَّ ذلك على أنَّه لا يتبع رضوان الله إلا من أرَادَ اللَّه منه ذَلِكَ ].
ثم قال : يَهْدِيهِمْ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقيم وهو الدِّين الحقُّ.
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود