المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه أنه أخذ الميثاق على اليهود والنصارى كما أخذه على هذه الأمة وأنهم نقضوا العهد والميثاق وتركوا ما أمروا به وأنهم أضاعوا حظا عظيما مما أوحاه إليهم ولم يقيموا ما حفظوا منه – دعاهم عقب ذلك إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالكتاب الذي جاء به.
و هذا البيان من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم وهو من معجزات القرآن الكثيرة المنبثة في تضاعيفه.
يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط المستقيم قوله : من اتبع رضوانه أي من كان همه من الدين ابتغاء رضوان الله لا تقرير ما ألفه ونشأ عليه وأخذه من أسلافه مع ترك النظر والاستدلال و السلام بمعنى السلامة : أي طرق السلامة من كل مخافة وقوله : من الظلمات على النور : أي من ظلمات الكفر على نور الإيمان وقوله : بإذنه أي بإرادته أو بتوفيقه بالجري على سننه تعالى في تأثير الأعمال الصالحة والعقائد الصحيحة في النفوس وإصلاحها إياها وقوله : إلى صراط مستقيم أي إلى الدين الحق لأنه واحد ومتفق من جميع جهاته اما الباطل فمتعدد الطرق وكلها معوجة ملتوية.
و قد ذكر سبحانه للكتاب ثلاث فوائد :
( ١ ) إن المتبع لما يرضي الله بالإيمان بهذا الكتاب – يهديه إلى الطرق التي يسلم بها في الدنيا والآخرة من كل ما يبعده عن الشقاء والهلاك فيقوم في الدنيا بحقوق الله والحقوق الواجبة عليه لنفسه روحية كانت أو جسدية وللناس ويكون في الآخرة منعما روحيا وجسديا.
و خلاصة ذلك : إنه يتبع دينا يجد فيه ما يوصله إلى السلامة من الشقاء في الدنيا والآخرة لأنه دين الإخلاص والعدل والمساواة.
( ٢ ) إنه يخرج معتنقيه من ظلمات الوثنية والأوهام والخرافات التي أفسد بها الرؤساء جميع الأديان – إلى نور التوحيد الخالص الذي يجعل صاحبه حرا كريما بين يدي الخلق خاضعا للخالق وحده.
( ٣ ) إنه يهدي إلى الطريق الموصل إلى المقصد والغاية من الدين إذا اعتصم به من اتبعه على الوجه الصحيح الذي أنزل لأجله كما عمل بذلك أهل الصدر الأول من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.
تفسير المراغي
المراغي