ويقول الحق بعد ذلك :
يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم( ١٦ ) :
ومادام الله هو الذي يهدي فسبحانه منزه عن الأهواء المتعلقة بهم، وهكذا نضمن أن الإسلام ليس له هوى، لأن آفة من يشرع أن يذكر نفسه أو ما يحب في ما يشرع، فالمشرع يشترط فيه ألا ينتفع بما يشرع، ولا يوجد هذا الوصف إلا في الله لأنه يشرع للجميع وهو فوق الجميع.
" قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه " إن من اتبع رضوانه يهديه الله لسبل السلام، إذن ففيه رضوان متبع، وفيه سبل سلام كمكافأة وهل السلام طرق وسبل ؟ نعم، لأن هناك سلام نفس مع نفسها وهناك سلام نفس مع أسرتها هناك سلام نفس مع جماعتها هناك سلام نفس مع أمتها وهناك سلام نفس مع العالم، وسلام نفس مع الكون كله، وهناك سلام نفس مع الله، كل هذا يجمع السلام إذن فسبل السلام متعددة، والسلام مع الله بأن تنزه ربك أيها العبد فلا تعبد معه إلها آخر، ولا تلصق به أحدا آخر أي لا تشرك به شيئا، أو لا تقل : لا يوجد إله.
ولذلك نجد الإسلام جاء بالوسط حتى في العقيدة جاء بين ناس تقول : لا يوجد إله وهذا نفي وناس تقول : آلهة متعددة، الشر له إله والخير له إله، والظلمة لها إله، والنور له إله، والهواء له إله والأرض لها إله.
إن الذين قالوا بالآلهة المتعددة : استندوا على الحس المادي ونسي كل منهم أن الإنسان مكون من مادة وروح، وحين تخرج الروح يصبح الجثمان رمة، ولم يسأل أحدهم : نفسه ويقول : أين روحك التي تدير نفسك وجسمك كله هل تراها ؟ وأين هي ؟ أهي في أنفك أم في أذنك أم في بطنك أين هي ؟ وما شكلها ؟ وما لونها ؟ وما طعمها ؟ أنت لم تدركها وهي موجودة إذن فمخلوق الله فيك لا تدركه فهل في إمكانك أن تدرك خالقه ؟ إن هذا هو الضلال، فلو أدرك إله لما صار إلها، لأنك إن أدركت شيئا قدرت على تحديده ببصرك ومادام قد قدرت على تحديده يكون بصرك قد قدر عليه ولا ينقلب القادر الأعلى مقدورا للأدنى أبدا.
وحينما أراد الله أن يدلل على هذه الحكاية قال :{ وفي أنفسكم أفلا تبصرون( ٢١ )( سورة الذاريات ).
انظر في نفسك تجد روحك التي تدير جسدك لا تراها ولا تسمعها ومع ذلك فهي موجودة فيك، فإن تخلت عنك صرت رمة وجيفة فمخلوق لله فيك لا تقدر أن تدركه أبعد ذلك تريد أن تدرك من خلق ؟ إن هذا كلام ليس له طعم والاتجاه الآخر يقول بآلهة متعددة لأن هذا الكون واسع وكل شيء فيه يحتاج إلى إله بمفرده فيأتي الإسلام بالأمر الحق ويقول : هناك إله واحد لأنه إن كان هناك آلهة متعددة كما تقولون فيكون هناك مثلا إله للشمس وإله للسماء وإله للأرض وإله للماء وإله للهواء، حينئذ يكون كل إله من هذه الآلهة عاجزا عن أن يدير ويقوم على أمر آخر غير ما هو إله وقائم ولنشأ بينهم خلاف وشقاق يوضح ذلك قوله تعالى : لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ( من الآية٩١سورى المؤمنون ).
فإله الشمس قد يفصلها عن الكون، وإله الماء قد يمنعه عن بقية الكائنات، ويحسم الحق الأمر فيقول :
{ قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا( ٤٣ )( سورة الإسراء ).
ويقول سبحانه ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ).
إذن فالنواميس التي تراها أيضا محكومة بالإله الواحد، ويأتي الرسول ليقول لك : هناك إله واحد، ويبلغنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا إله إلا الله، و " لا إله " نفت أنه لا آلهة أبدا، وبعدها قال : إلا الله، وهذه من مصلحة الإنسان حتى لا يكون ذليلا وخاضعا وعبدا لإله الشمس أو لإله الهواء أو لإله الماء ؟ وقال الحق :
ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا ( من الآية٢٩سورة الزمر ).
فربنا يريد أن يريحنا من " الخيلة "، والوهم والاضطراب والتردد.. إنه إله واحد، وعندما يحكم الله حكما فلا أحد يناقضه، وسبحانه يهدينا بما يشرعه لنا، لأنه سبحانه ليس له هوى فيما يشرع لأن معنى الهوى أن تجعل الحركة التي تريدها خادمة لك في شيء والله لا يحتاج إلى أحد لأنه خلق الوجود كله قبل أن يخلق الخلق، وليس لأحد ممن خلق مهما أوتي من العلم ورجاحة العقل أن تكون له قدرة أو أي دخل في عملية الخلق أو تنظيمه.
" يهدي به الله من اتبع رضوانه "، مادام قد اتبع رضوانه فيهديه إلى سبل السلام، إذن فإن هناك هدايتين اثنتين : يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، وقال في آية أخرى :
والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم( ١٧ ) ( سورة محمد ).
فإياك أن تظن أن التقوى لن تنال ثوابها وجزاءها إلا في الآخرة لأنه كلما فعلت أمرا وتلتفت وجدت آثاره في نفسك، تصلي تجد أمورك خفت عن نفسك، فلا ترتكب السيئة في غفلة من الناس، قلبك لا يكون مشغولا بأي شيء ويحيا المؤمن في سلام مع نفسه أبدا إذن فسبل السلام متعددة : سبل السلام مع الله، سبل السلام مع الكون كله، سبل السلام مع مجتمعه، سبل السلام مع أسرته سبل السلام مع نفسه.
ويقول الحق :
وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ( من الآية١٥٣سورة الأنعام )
إذن فهناك سبل سلام وسبل ضلال.
وفي هذه الآية يقول الحق : " ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم "، والظلمات هي محل الاصطدام وعندما يخرجهم من الظلمات إلى النور يرون الطريق الصحيح الموصل إلى الخير، والطريق الموصل إلى غير الخير، وبعدما يخرجون من الظلمات إلى النور تكون حركاتهم متساندة وليست متعاندة، ولا يوجد صدام ولا شيء يورثهم بغضاء وشحناء أو المراد أنه يهديهم إلى الصراط المستقيم وهو الجنة.
تفسير الشعراوي
الشعراوي