ﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖ

وقد بين سبحانه وتعالى الغاية الكبرى من رسالته إلى أهل الأرض، ومن النور الذي جاء به الرسول والكتاب الذي أنزله، فقال : يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام . يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام
بين الله سبحانه وتعالى الميثاق الذي أخذه على بني إسرائيل وقد وثقه بشهادته سبحانه وتعالى وبعث اثني عشر نقيبا عليهم يمثلون أسباطهم، ومع ذلك نقضوه فطردهم الله من رحمته فقست قلوبهم إذ مردت على العصيان وأطفأت النور الذي جاء إليهم من الله تعالى، فحرفوا الكلم عن مواضعه، وأهملوا العمل بالباقي وجعلوا شرع الله تعالى نسيا منسيا، وامتلأت نفوسهم بالخيانة، وابتلى الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم بذريتهم التي ورثت عنهم أخلاقهم ومروقهم عن الحق، مروق السهم من الرمية، ثم كان من الذين نسبوا أنفسهم للنصرانية بعض ما كان من اليهود، فنسوا حظا من الكتاب الذي جاء به عيسى عليه السلام إليهم، وأطفئوا نور الحق الذي جاء به في قلوبهم، وتفرقوا فيما بينهم، وأغريت بسبب هذا التفريق العداوة والبغضاء بينهم بعد هذا بين لهذين الفريقين وغيرهما الطريقة المثلى، والصراط المستقيم فقال سبحانه : يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب
هذه هي الثمرات التي ترجى من الرسالة الإلهية إلى أهل الأرض، وكونها نور يهتدي به الساري، وفيه شريعة قائمة في كتاب محفوظ إلى يوم القيامة، وهذه الثمرات ثلاث أولها : هداية إلى الحق، وإخراج من الظلمات إلى النور، ويهدي به الله سبحانه إلى صراط مستقيم لا عوج ولا أمت.
أما الأولى : فقد عبر الله سبحانه وتعالى عنها بقوله تعالت كلماته : يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام والضمير في قوله تعالى : به يعود إلى مجموع ما ذكر أو يعود إلى القرآن وحده والظاهر ذلك لأن الضمير يعود إلى أقرب مذكور، وفي عود الضمير إلى القرآن تضمين لكل ما ذكر، لأن القرآن هو وعاء الشريعة وحجة النبي صلى الله عليه وسلم القائمة إلى يوم القيامة، وهو مصباح النور المحمدي الذي لا ظلام فيه، وقد ذكر سبحانه من يهتدي بالقرآن وموضع الهداية، فليس كل إنسان أهلا لهداية القرآن والانتفاع به، فإن من يهتدي لا بد أن يكون فيه عقل يدرك لم تظله غشاوة رانت عليه، وبصيرة نافذة، وقلب قد استقام لطلب الحكمة وقد ذكر سبحانه أن الذي يهتدي بالحق والنور الكاشف من اتبع رضوانه واتباع رضوان الله تعالى : طلبه ذلك الرضوان، ومعنى طلب ذلك الرضوان : أن يكون قلبه مخلصا لطلب الحق، لم يرنق قلبه بغرض باطل أو أهواء مردية أو انحراف في طلب عن الغاية، بل يتجه اتجاها مستقيما إلى الحق لا يبغي سواه، ولا يطلب إلا رضوان الله تبارك وتعالى، فإن الإخلاص يجعل العقل يشرق والقلب يمتلئ بالحكمة.
وأما ما يهتدي إليه فهو سبل السلامة والصفاء وعدم وجود البغضاء فالسلام هو : السلامة من كل أدران الحقد والحسد، والسلامة من كل ما يؤدي إلى البغضاء والعداوة وسبلها هو الأعمال الصالحة فيعمل للدنيا بأخلاق مستقيمة، ونفس لا يخالطها فساد ولا تستولي عليه الشهوات فيكون مع الناس في أمن وسلام، وفي الآخرة يكون في دار السلام، كما قال تعالى في شأن المتقين المهتدين : لهم دار السلام عند ربهم... ( ١٢٧ )( الأنعام ) وكما قال تعالى :{ تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما ( ٤٤ ) ( الأحزاب ).
وأما الثانية : فقد عبر عنها تعالى بقوله : ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ومرجع الضمير هنا هو مرجع الضمير في الجملة السامية السابقة، فالقرآن والنور والهداية المحمدية كل هذا يخرج الناس من ظلمات الباطل إلى النور الواضح بإذن الله تعالى وبعلمه وتقديره، فالإذن هنا معناه العلم والإرادة، أي أن ذلك الإخراج من ظلمات الضلالة إلى نور الهدى بعلمه تعالى وإرادته وإرادته لا تكون إلا على مقتضى حكمته في خلقه وهو العزيز الحكيم اللطيف الخبير السميع البصير تعالت أسماؤه الحسنى.
وقد ذكر الله سبحانه وتعالى الضلال بالجمع والنور بالإفراد، وذلك لأن طرق الشيطان مختلفة وكل طريق منها ظلمة في ذاته، فالشرك ظلمة والبغضاء ظلمة والمعصية ظلمة وأكل مال الناس ظلمة، ووأد البنات ظلمة واسوداد الوجه بالكآبة عند ولادة المرأة ظلمة، والظلم ظلمات قد تعددت فنونه، وتباينت أقسامه والنور والقرآن والهدى المحمدي هو الذي يكشف هذه الظلمات وينير الطريق للخروج بإذن الله تعالى وعلمه وإرادته يخرجهم النور من هذه الظلمات المتكاثفة.
وأما الثالث : فقد قال تعالى : ويهديهم إلى صراط مستقيم والمعنى أن الله تعالى يهدي طالب إلى طريق المستقيم لا التواء فيه، والهداية في الحقيقة من الله تعالى، فهو الذي يهدي ويرشد والمهتدى هو من يطلب الحق إرضاء لله تعالى، ونسبت الهداية إلى القرآن لأنه الذي اشتمل على ما فيه الهداية من أحكام وفضائل وبيان لمعنى الرسالة الإلهية ولأنه هو المعجزة الكبرى للنبي صلى الله عليه وسلم، والطريق المستقيم هو دين الله تعالى القيم، دين التوحيد دين الإسلام والتسليم والتفويض لله تعالى بعد القيام بالعمل، وهو دين الخير في الدنيا والآخرة، فمن اتبعه فقد رشد ومن تركه فقد ضل، وهو وإن تعددت أنواع العمل طريق واحد موصل للغاية من أقرب اتجاه، وهو طريق الله تعالى، وقد قال تعالى : وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ( ١٥٣ ) ( الأنعام )١. اللهم اهدنا صراطك المستقيم.

١ عن جابر بن عبد الله قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطا وخط خطين عن يمينه وخط خطين عن يساره، ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال: "هذا سبيل الله" ثم تلا هذه الآية: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله. رواه ابن ماجه: المقدمة- إتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم(١١)..

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو زهرة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير