أخرج أبو الشيخ عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال :( إن الله بعثني برسالته فضقت بها ذرعا وعرفت أن الناس مكذبي فوعدني لأبلغن أو ليعذبني ) فنزلت :
يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك يعني كل شيء أنزل إليك لا يفوت منه شيء غير منتظر مضرتك ولا خائف من أحد مكروها، روى عن مسروق قال : قالت عائشة : من حدثك أن محمدا كتم شيئا مما أنزل الله فقد كذب وهو يقول يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك (١) وقيل : بلغ ما أنزل من الرجم والقصاص نزلت في قصة يهود، وقيل : نزلت في أمر زينب بنت جحش ونكاحها، وقيل : نزلت في الجهاد وذلك أن المنافقين كرهوه كما قال : الله تعالى فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت (٢)و كرهه بعض المؤمنين قال : الله تعالى ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم (٣)الآية وكان الرسول الله صلى الله عليه وسلم يمسك من الحث على الجهاد لما علم من كراهية بعضهم فأنزل الله هذه الآية، وأخرج ابن أبي حاتم عن المجاهد، قال : لما نزلت ( يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك )قال : يا رب كيف أصنع وأنا وحدي يجتمعون على فنزلت وإن لم تفعل فما بلغت رسالته الآية قرأ نافع وابن عامر وأبو بكر ويعقوب رسالاته على الجمع والباقون رسالته على التوحيد يعني إن لم تفعل تبليغ كل شيء وتركت بعضه فكأنما ما بلغت شيئا من رسالاته لأن كتمان بعضها يضيع ما أدى منها كترك بعض أركان الصلاة، وذلك لأن ترك تبليغ البعض يستلزم كفر الناس بذلك البعض وإنكارهم كونه من الله تعالى والإيمان ببعض الكتاب مع الكفر بالبعض لا يعد إيمانا كقول اليهود نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض أو لأن كتمان البعض يستجلب العقاب مثل كتمان الكل نظيره قوله تعالى فكأنما قتل الناس جميعا (٤) والله يعصمك من الناس فلا تخفهم في التبليغ وإن كنت وحدك ولا يستطيعون قتلك فلا يرد أن يقال أنه صلى الله عليه وسلم قد شجر رأسه وكسرت رباعيته وأوذي بضروب من الأذى، وقيل : نزلت هذه الآية بعدما شج رأسه، لأن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا، وأخرج الترمذي والحاكم عن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه الآية والله يعصمك من الناس فأخرج رأسه من القبة فقال :( يأيها الناس انصرفوا فقد عصمنا الله في هذا )(٥) الحديث أنها ليلية فراشية، وروى البخاري عن عائشة تقول :( كان النبي صلى الله عليه وسلم فلما قدم المدينة، قال : ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة إذ سمعنا صوت سلاح فقال : من هذا ؟قال : أنا سعيد بن أبي وقاص جئت لأحرسك ونام النبي صلى الله عليه وسلم )(٦) وأخرج الطبراني عن أبي سعيد الخدري قال : كان العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن يحرسه فلما نزلت والله يعصمك من الناس ترك الحرس، وأخرج أيضا عن عصمة بن مالك الحطمي قال : كنا نحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل حتى نزلت و الله يعصمك من الناس فترك الحرس، وأخرج ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة، قال : كنا إذا أصحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر تركنا أعظم شجر وأظلها فينزل تحتها فنزل ذات يوم تحت شجرة وعلق سيفه فيها فجاء رجل فأخذه فقال : يا محمد من يمنعك مني ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( الله يمنعني منك ضع السيف ) فوضعه فنزلت و الله يعصمك من الناس قال : البغوي : وروى محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة نحوه وفيه فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف من يده وجعل يضرب برأسه الشجرة حتى انتشر دماغه فأنزل الله عز وجل هذه الآية،
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبد الله، قال : لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أنمار نزل ذات الرقيع بأعلى نخل فبينما هو جالس على رأس بئر قد دلي رجليه فقال : الوارث من بني النجار لأقتلن محمدا فقال : له أصحابه كيف تقتله ؟ قال : أقول له أعطني سيفك فإذا أعطنيه قتلته، فأتاه فقال : يا محمد أعطني سيفك أشمه فأعطاه إياه فرعدت يده، فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم حال بيني وبينك ما تريد فأنزل الله يأيها الرسول بلغ الآية، وروى البخاري نحو هذه القصة وليس فيها ذكر نزول الآية ومن غريب ما ورد في سبب نزولها ما أخرجه ابن مردويه والطبراني عن ابن عباس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس وكان يرسل معه أبو طالب كل يوم رجلا من بني هاشم يحرسونه حتى نزلت هذه الآية فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسه فقال : يا عم إن الله عصمني من الجن والإنس، وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله نحوه وهذا يقتضي أن الآية مكية والظاهر خلافه إن الله لا يهدي القوم الكافرين أي لا يمكنهم ما يريدون من قتلك ومحو دين الإسلام، قال البغوي : دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود إلى الإسلام فقالوا : أسلمنا قبلك وجعلوا *** يستهزءون به فيقولون تريد أن نتخذك كما اتخذ النصارى عيسى حنانا فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك سكت فنزلت يأيها الرسول بلغ الآية
٢ سورة الأحزاب، الآية: ٢٠..
٣ سورة النساء، الآية: ٧٧..
٤ سورة المائدة، الآية: ٣٢..
٥ أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة المائدة(٣٠٤٦)..
٦ أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد والسير، باب: الحراسة في الغزو في سبيل الله (٢٨٨٥)..
التفسير المظهري
المظهري