ﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ

ويقول الحق من بعد ذلك : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين ( ٦٧ ) .
تبدأ الآية بخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ومن عظمة رسولنا المصطفى عليه الصلاة والسلام وعلو مكانته عند من اصطفاه خاتما لرسالاته في الأرض أن الله ذكر الرسل في خطابه لهم بنداء أسمائهم فقط كقوله الحق : يا آدم أنبئهم بأسمائهم ( من الآية ٣٣ سورة البقرة )
أو قوله الحق : يا موسى إني أنا الله ( من الآية ٣٠ سورة القصص )
أو قوله الحق : يا عيسى ابن مريم أنت قلت للناس ( من الآية ١١٦ سورة المائدة )
أو قوله الحق : يا نوح اهبط بسلام ( من الآية ٤٨ سورة هود ).
فسبحانه ينادي كل رسول له بالاسم المشخص للذات بصرف النظر عن أي صفة، لكن رسول الله لم يناد باسمه أبدا بل ناداه الحق بالمشخص للوصف : يا أيها الرسول . أو قوله الحق : يا أيها النبي .
فكأنك يا رسول الله قد اجتمعت فيك كل مسائل الرسالة لأنك صاحب الدين الذي سينتهي العالم عنده ولا يكون بعد ذلك لله في الأرض رسالة إلا فهم يؤتيه الله لأحد في كتاب الله.
ومن عظمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن الله أقسم بحياته، على الرغم من أن الحق لا يقسم بحياة أحد من البشر إلا رسوله، فقد أقسم بحياته. وهو سبحانه يقسم بما يشاء على ما يشاء، أقسم بالريح والضحى والليل والملائكة، لكنه ما حلف بحياة بشر أبدا إلا حياة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ( ٧٢ ) ( سورة الحجر ).
أي وحياتك يا محمد هم في سكرتهم يعمهون أي يترددون حيارى. ويقول الحق هنا مخاطبا الرسول : يا أيها الرسول . وما دام محمد هو الرسول الخاتم الذي جاء مصدقا لما بين أيديهم من الكتب، فمعنى هذا أن كل خير في أي كتاب سبق القرآن موجود في القرآن وفيه أيضا زيادة مما تتطلبه مصالح الحياة المستجدة. وما دام الخطاب للرسول فهذا يعني أنه رسول مرسل من قبل الله بمنهج لخلقه ليبلغه لهم : بلغ ما أنزل إليك من ربك . وكيف يقول الحق لرسوله :( بلغ ) وهو يعلم أن مهمة الرسول هي البلاغ ؟
لقد أراد سبحانه بذلك إخبار الناس أنه إن أبلغهم بما يكره بعضهم فهو يبلغ التزاما بأمر الله، فهو لا يقول من عنده، ذلك أن الرسول عليه البلاغ، فإن أبلغ أحدا ما يكدره فليس له مصلحة في ذلك. ويورد سبحانه ذلك حتى إذا بلغ الرسول حكما من الأحكام فعليهم أن يستقبلوا الحكم على أساس أنه قادم من الله وسبحانه يعلم أن رسوله لا يكتم البلاغ ولكن ليجعل لرسوله العذر عند البشر، فهو سبحانه حين يخاطبهم بشيء قد يكرهونه، فهو بلاغ من الله : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته . أي أنه إن لم يفعل ولو في جزئية يسيرة من المنهج فهذا معناه أن البلاغ ناقص والله يريد أن يكون البلاغ كاملا بالدين المتكامل.
إن التركيبة الإيمانية تقتضى أن يأتي القول بهذه الطريقة حتى ينسجم البلاغ بشكل كامل، فقد نزل المنهج بكليته، ويجب أن يطبق بكليته من أجل أن ينصلح الكون وحتى لا تفسد حركة الإنسان في الكون، فقد أنزل سبحانه المنهج بكليته، ويجب أن يطبق بكليته من أجل أن ينصح الكون وحتى لا تفسد حركة الإنسان في الكون، فقد أنزل سبحانه المنهج وأحكمه ليسير العالم على حسب تصميمه له دون أن يختل. ولذلك يقول الحق : إن لم تفعل فما بلغت رسالته . وبذلك يعطي رسوله المناعة الكاملة. فلم يأت برسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا لخير الناس.
لقد سبق أن خلق الله آدم وأعطاه المنهج. وكان على آدم أن يبلغ المنهج إلى الذرية وقد فعل، لكن بعضا من أجيال بني آدم غفلت عن المنهج ؛ فيبعث الحق الرسل لتذكر بالمنهج. ولا يأتي رسول إلا بعد أن يكون الفساد قد فشا وانتشر بين الناس. وقد جعل الله في النفس الإنسانية نفسا لوامة، ونفسا تأمر بالسوء، ونفسا مطمئنة.
إن مهمة النفس اللوامة هي أن ترد على كل ما توسوس به النفس الأمارة بالسوء. لكن إن لم تلم النفس اللوامة، فالنفس الآمرة بالسوء تتمادى ولا يردعها رادع. أما النفس المطمئنة فهي النفس التي تطمئن إلى منهج الله. ومثال ذلك الإنسان الذي تلح عليه شهوته لارتكاب معصية ما فيرتكبها، ومن بعد ذلك يندم ويلوم نفسه، ويتوب عن المعصية، هذا الإنسان يردع نفسه ذاتيا. لكن إن سيطرت النفس الأمارة بالسوء فلا رادع.
وماذا إذا ساد الفساد بين عموم الناس ؟ وماذا لو لم يتناهوا عن المنكر الذي يفعلونه ؟ هنا لا بد أن يرسل الحق رسولا بمعجزة جديدة ليأخذ العالم إلى منطق الرشاد ومنهج الحق.
ولا يختار الحق الرسول إلا إذا علم الرسول أنه مبلغ عن الله. وسبحانه في الآية التي نحن بصددها يعطي رسوله المعذرة إن بلغ قومه شيئا يسوؤهم، فما على الرسول إلا البلاغ في قوله : إن لم تفعل فما بلغت رسالته . ونعرف أن الرسالة تقتضي : المرسل وهو الله، والمرسل إليهم وهم الخلق، ومرسلا وهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمرسل به وهو ما نزل على الرسول ليبلغه. وفي كل أمر مثل هذا نجد أن كلمة ( أرسل ) تتعدى إلى مفعولين ؛ المرسل : مثال ذلك أرسلت فلانا إلى فلان، والمرسل إليه : هو فلان. إذن فهنا مفعولان اثنان، أولهما تعدى الفعل إليه بذاته والآخر تعدى إليه الفعل بحرف الجر.
وحرف الجر هنا هو :( إلى ). وبطبيعة الحال يعرف الرسول أنه مرسل إلى الناس من الله رعاية لمصالحهم ؛ فليس في أمر الرسالة شيء لصالح الله. وإن رأيت تعديا ب ( إلى ) فهو لتحديد الغاية المرسل إليها، مثل قوله الحق : ورسولا إلى بني إسرائيل ( من الآية ٤٩ سورة آل عمران ).
وهذا يوضح أن عيسى – عليه السلام- جاء مبعوثا بمنهج إلى بني إسرائيل لصالح بني إسرائيل. ومثلها يقول الحق : وأرسلنا للناس رسولا . أي لصالح الناس. و( اللام ) هنا تفيد المعنيين ؛ النفعية والغاية.
بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته أي أنه صلى الله عليه وآله وسلم إن لم يبلغ الرسالة كاملة فمعنى ذلك أن البلاغ يكون ناقصا. معاذ الله أن يكون بلاغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أنقص شيئا، فمنهج الله كل متكامل.
وقد يقول قائل : ولكن الناس قد تؤدي فروض الله في مواعيدها، والمثال على ذلك هو الصلاة. ونقول : إن هذا عجز في إدارة الناس لحياتهم حسب منهج الله. ومن واجب المجتمعات أن تنظم حركة الناس اليومية من بعد صلا ة الفجر إلى الظهر. وفي ذلك قدر هائل من الحيوية والنشاط، وينتهي العمل عند الظهر، فلا تتصادم حركة الناس مع منهج الله، ولا توجد عرقلة ولا نشاز في حركتهم.
ثم يقول الحق : والله يعصمك من الناس . وكان لا بد أن يأتي هذا القول الحكيم ؛ لأننا نعرف أن الرسول لا يجيء إلا بعد أن يعم الشر ويسود الفساد، ذلك أنه لو لم يسد الفساد، ولم يعم الشر لاكتفى الله بالمجتمع ليردع بعضه بعضا، أو يكتفي الحق بأن تردع النفس اللوامة النفس الأمارة بالسوء لتستوي النفس المطمئنة على عرش السلوك البشري.
لكن عندما يعم الفساد الكون، فالسماء ترسل الرسول بمنهج يصلح حال البشرية. وبطبيعة الحال لن يترك المجتمع الشرير الرسول لحاله بل يقاومه ؛ لأن مثل هذا المجتمع يريد أن تكون كفة الكون غير متوازنة ؛ لأن هناك منتفعين بالفساد والشر، وهم المدافعون عن الفساد، فإن جاء من ينصف الضعفاء والمظلومين فلا بد أن يتعرض للمتاعب التي تأتيه من قبل الأقوياء المفسدين.
إن هذه المتاعب تبدأ أول ما تبدأ في النفس ؛ ولأن الرسول مخاطب من الله فيمكنه أن يتحملها لأن الحق قد أعده لهذه المهمة، ومثل تلك المتاعب تأتي أيضا للأتباع، لذلك يمدهم الله بالمدد الذي يجعلهم يتحملونها. والحق يحفظ للرسول ذاته على الرغم من كل ما يحدث : والله يعصمك من الناس .
فكأن الحق يقول لرسوله : اطمئن يا محمد ؛ لأن من أرسلك هداية للناس لن يخلي بينك وبين الناس. ولن يجرؤ أحد أن ينهي حياتك. ولكني سأمكنك من الحياة إلى أن تكمل رسالتك. وإياك أن يدخل في روعك أن الناس يقدرون عليك، صحيح أنك قد تتألم، وقد تعان من أعراض التعب في أثناء الدعوة، ولكن هناك حماية إلهية لك. ونحن نعلم قدر المتاعب التي تعرض لها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. ألم تكسر رباعيته١ صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة أحد ؟ ألم يشج وجهه ؟ ألم تدم أصبعه فيقول :( إن أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت )٢.
لكن قول الحق سبحانه لرسوله : والله يعصمك من الناس لم يكن المقصود هو منع الجهاد في سبيل الله والمعاناة في سبيل نشر الدعوة. ولكن الحق يبين لرسوله : إن أحدا غير قادر على أن يأخذ حياتك.
ولم يمنع سبحانه المتاعب عن رسوله الكريم حتى لا يكون هناك أحد الداعين إلى الله لا يتحمل من الآلام أكثر مما تحمل رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولننظر ونستمع جيدا إلى ما ترويه عائشة أم المؤمنين – رضي الله عنها – حول هذه الآية إنها قالت :
( سهر رسول الله ذات ليلة وأنا إلى جنبه، فقلت : يا رسول الله ما شأنك ؟ قال :( ليت رجلا من أصحابي يحرسني الليلة )، قال : وبينما نحن في ذلك إذ سمعت صوت سلاح فقال صلى الله عليه وآله وسلم : من هذا ؟ فقالوا : سعد وحذيفة جئنا نحرسك. فنام صلى الله عليه وآله وسلم حتى سمعت غطيطه ونزلت هذه الآية فأخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قبه أدم وقال :( انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله )٣.
وهناك باحثة بلجيكية عكفت على دراسة سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى وصلت على هذه النقطة، فتوقفت عندها لتقول : لو كان هذا الرجل يخدع الناس جميعا ما خدع نفسه في حياته، ولو لم يكن واثقا من أن الله يحرسه لما فعل ذلك كتجربة واقعية تدل على ثقته في خالقه. وأضافت الباحثة البلجيكية : ولذلك أنا أقول بملء اليقين :( أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ). لقد أسلمت المرأة لمجرد وقوفها عند لمحة واحدة من لمحات حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ويقول الحق من بعد ذلك : إن الله لا يهدي القوم الكافرين . ونعرف أن الهداية تعني الدلالة الموصلة إلى الغاية، وهي أيضا المعونة التي توصل طالب الهداية إلى الغاية. وكان الكفار الذين يبيتون للرسول وينهكون أنفسهم في المكر والتفكير والتبييت، فيقطع الحق سبحانه وتعالى عليهم كل سبيل، وينصره عليهم، ويأتي التطبيق العملي لنصر الله للمؤمنين في بدر :
كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ( من الآية ٢٤٩ سورة البقرة ).
لقد بيتوا، ولكن عند المواجهة لم يقدروا على محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصحبه ولم يستطيعوا إيذاءه، برغم المكر والتبييت ؛ لأن الحق قطع عليهم كل سبيل لإيذاء محمد، ولن توجد وسيلة من وسائل اللؤم والخبث قادرة على قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقد تمثل ذلك يوم خرج رسول الله مهاجرا وغطى الله أبصار فتيان القبائل الذين حملوا سيوفهم ليقتلوا محمدا وليفرق دمه بين القبائل فلم يبصروه لأن الله جعل على أبصارهم غشاوة.
إذن فكلما فكروا في طريقة سد الله عليهم منافذ تنفيذ فكرتهم. وكأنه يقول لهم : لن تستطيعوا مصادمة محمد في منهجه لا بالعلن ولا بالد

١ الرباعية: السن بين الثنية والناب..
٢ رواه البيهقي في دلائل النبوة..
٣ رواه القرطبي، وروى مسلم قال: - أي عائشة – فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح (أي صوته) فقال: ما هذا؟ قال سعد بن أبي وقاص فقال له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: ما جاء بك؟ فقال وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجئت أحرسه فدعا له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم نام..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير