يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ( المائدة : ٦٧-٦٩ ).
الإيضاح : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك أي يا أيها الرسول بلغ إلى الخلق جميع ما أنزل إليك من ربك مالك أمرك ومبلغك إلى كمالك ولا تخش في ذلك أحدا ولا تخف أن ينالك من ذلك مكروه.
ثم أكد ما سلف يقوله :
وإن لم تفعل فما بلغت رسالته أي وإن لم تفعل ما أمرت به من التبليغ لما أنزل إليك بأن كتمتة ولو إلى حين خوفا من الأذى بالقول أو بالفعل –فحسبك جرما أنك ما بلغت الرسالة ولا قمت بما بعثت لأجله وهو تبليغ الناس ما أنول إليهم من ربهم كما قال تعالى : إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ( الشورى : ٤٨ ).
و الحكمة في التصريح بالأمر بالتبليغ وتأكيده بجعل كتمان بعضه ككتمان كله مع العلم بأن الرسل صلوات الله عليهم معصومون من كتمان شيء مما أمرهم الله بتبليغه وإلا بطلت حكمة الرسالة بعدم ثقة الناس بالتبليغ – الحكمة في ذلك بالنظر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم إعلامه بأن التبليغ حتم لا يجوز كتمانه على أي حال بتأخير شيء عن وقته على سبيل الاجتهاد ولولا هذا النص لكان للرسول أن يجتهد بتأخير بعض الوحي إلى أن يقوي استعداد الناس لقبوله ولا يحملهم سماعه على رده وإيذاء الرسول لأجله.
والحكمة بالنسبة إلى الناس أن يعرفوا هذه الحقيقة بالنص فلا يعذروا إذا اختلفوا فيها باختلاف الرأي والفهم.
ومن هنا تعلم أن ما نقل من الأقوال والآراء من جواز كتمان بعض الوحي غير القرآن عن كل الناس أو عن جمهورهم لا يتفق مع الدين في شيء ولا يعول على رووه من الأخبار الضعيفة والأحاديث الموضوعة في هذا الباب.
و الحق الذي لا شبهة فيه أن الرسول بلغ جميع ما أنزل إليه من القرآن وبينه ولم يخص أحدا بشيء من علم الدين وأنه لا امتياز لأحد عن أحد في علم الدين إلا بفهم القرآن فهما يتوسل إليه بعلم السنة وآثار علماء الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار في الصدر الأول وبمعرفة مفردات اللغة العربية وأساليبها ومعرفة علوم الكون وشؤون البشر وسنن الله في الخلق.
روى ابن مردويه عن ابن عباس قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي آية من السماء أنزلت أشد عليك فقال :'' كنت بمنى أيام موسم واجتمع مشركو العرب وأفناء الناس في الوسم فنزل على جبريل فقال : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته - الآية قال :'' فقمت عند العقبة فقلت : أيها الناس من ينصرني على أن أبلغ رسالات ربي ولكم الجنة ؟ أيها الناس قولوا لا إله إلا الله وأنا رسول إليكم تفلحوا وتنجحوا ولكم الجنة'' قال صلى الله عليه وسلم :'' فما بقي رجلا ولا أمة ولا صبي إلا يرمون على بالتراب والحجارة ويقولون : كذاب صابئ فعرض علي عارض فقال : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون وانصرني عليهم أن يجيبوني إلى طاعتك فجاء العباس عمه فأنقذه منهم وطردهم عنه''.
والله يعصمك من الناس أي يمنعك من فتكهم مأخوذ من عصام القربة : وهو ما توكأ به أي يربط به فمها من سير جلد أو خيط والناس هم الكفار الذين يتضمن تبليغ الوحي بيان كفرهم وضلالهم وفساد عقائدهم وأعمالهم والنعي عليهم وعلى سلفهم وكان ذلك يغيظهم ويحملهم على إيذائه صلى الله عليه وسلم بالقول أو بالفعل وائتمروا به بعد موت أبي طالب وقرروا قتله في دار الندوة ولكن الله تعالى عصمه منهم وكذلك فعل اليهود بعد الهجرة.
روى الترمذي وأبو الشيخ والحاكم وأبو نعيم والبيهقي عن بضعة رجال من الصحابة : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرس في مكة قبل نزول هذه الآية وكان العباس ممن يحرسه فلما نزلت ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرس وروى : أن أبا طالب كان يبعث مع رسول الله من يحرسه إذا خرج حتى نزل والله يعصمك من الناس فذهب ليبعث معه فقال :'' يا عم إن الله حفظني لا حاجة لي إلى من تبعث''.
و قد وضعت هذه الآية وهي مكية في سياق تبليغ أهل الكتاب وهو مدني لتدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عرضة لإيذائهم أيضا وأن الله تعالى عصمه من كيدهم ولتذكر بما كان من إيذاء مشركي قومه من قبلهم.
ثم ذكر ما هو كالسبب في العصمة فقال :
إن الله لا يهدي القوم الكافرين أي إنه تعالى لا يهدي أولئك القوم الكافرين الذين هم بصدد إيذائك على التبليغ إلى ما يريدون بل يكونوا خائبين وتتم كلمات الله تعالى حتى يكمل بها الدين.
تفسير المراغي
المراغي