قل يا أهل الكتاب أي : عامّة لا تغلوا أي : تجاوزوا الحد في دينكم وقوله تعالى : غير الحق صفة للمصدر أي : لا تغلوا في دينكم غلوّاً غير الحق أي : غلواً باطلاً ؛ لأنّ الغلو في الدين غلوان : حق وهو أن يجتهد في تحصيل حججه كما يفعل المتكلمون، وغلو باطل وهو أن يتجاوز الحق ويتخطاه بالإعراض عن الأدلة فيرفعوا عيسى عليه السلام إلى أن يدّعوا له الإلهية أو يضعوه ويرتابوا فيه، وقيل : الخطاب للنصارى خاصة.
ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل في غلوهم وهم أسلافهما الذين قد ضلّوا قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في شريعتهم وأضلوا كثيراً أي : من الناس بتماديهم في الباطل من التثليث وغيره حتى ظنّ حقاً وضلوا أي : بعد مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سواء السبيل أي : طريق الحق وهو الإسلام والسواء في الأصل الوسط والأهواء ههنا المذاهب التي تدعو إليها الشهوة دون الحجة، قال أبو عبيدة : لم يذكر الهوى إلا في موضع الشر لا يقال : فلان يهوى الخير إنما يقال : يريد الخير ويحبه وقيل : سمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه إلى النار وقال رجل لابن عباس : الحمد لله الذي جعل هواي على هواك فقال : كل هوى ضلالة.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني