ثم نهى أهل الكتاب عن الغلو في عيسى، فقال :
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ
يقول الحقّ جلّ جلاله : يا أهل الكتاب أي : النصارى، لا تغلوا في دينكم وتقولوا قولاً غير الحق ؛ وهو اعتقادكم في عيسى أنه إله، أو أنه لغير رشدة، ولا تفرطوا، ولا تتبعوا أهواء قوم سلفوا قبلكم، وهم أئمتكم في الكفر، قد ضلوا من قبل أي : من قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، وأضلوا أناسًا كثيرًا ؛ حملوهم على الاعتقاد الفاسد في عيسى وأمه، فقلدوهم وضلوا معهم، وضلوا عن سواء السبيل أي : عن قصد السبيل المستقيم، وهو الإسلام بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم، وقيل : الضلال الأول إشارة إلى ضلالهم عن مقتضى العقل، والثاني إشارة إلى ضلالهم عما جاء به الشرع. قاله البيضاوي.
الإشارة : الغلو كله مذموم كما تقدم، وخير الأمور أوسطها، كما تقدم. وقد رخص في الغلو في ثلاثة أمور : أحدها : في مدح النبي صلى الله عليه وسلم فلا بأس أن يبالغ فيه ما لم يخرجه عن طور البشرية، وهذا غلو ممدوح، مقرب إلى الله تعالى، قال في بردة المديح :
| دع ما ادَّعَتهُ النَّصَارى في نَبيّهم | واحكُم بما شِئتَ مَدحًا فيهِ واحتكَم |
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي