ﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖ

ويقول الحق : قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل ( ٧٧ ) .
عندما يوجد شيء مشترك بين النصارى واليهود يحدثهم الله بقوله : يا أهل الكتاب أما الشيء الخاص فهو يتحدث به لكل فئة بمفردها. والغلو هو أن يتطرف إنسان في حكم ما إيجابا أو سلبا. وهو إما الإفراط في المنزلة العالية وإما التفريط في المنزلة الدنيا. ولذلك نجد المتناقضات دائما في الغلو. ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لسيدنا علي – كرم الله وجهه - :( يا علي، يهلك فيك رجلان… محب غال ومبغض غال ) ويقول :( يا علي لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق )١.
ويقول :( يا علي ستقاتلك الفئة الباغية )٢.
إن هناك من أحب سيدنا عليا إلى درجة أنهم اعتبروه نبيا وقالوا : إن الوحي أخطأ عليا وجاء إلى رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو اعتبروا عليا إلها ! ! وكل ذلك غلو، فقد أحبوه إلى منزلة فيها غلو وإفراط.
أما الخوارج فقد قالوا عن سيدنا علي : إنه كافر. جاء الغلو – إذن – من ناحية المحبين فجعلوه نبيا أو فوق ذك مما يدخلهم في الشرك، أم من المبغضين القائلين بتكفيره وإخراجه من دائرة الدين، ولذلك يجب ألا نغلو في الدين فلا نحب إنسانا ونرفعه فوق مستوى البشر، ولا نبغض إنسانا وننزل به إلى الحضيض. بل يجب أن نعطي كل واحد قدره ومقداره والذي وضعه الله فيه ؛ لأن وضع الله له هو تكريمه :
قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل ( ٧٧ ) ( سورة المائدة ).
وجاء مثل هذا القول في آية أخرى : يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ( من الآية ١٧١ سورة النساء ).
وحتى نفهم أن مسألة الغلو إنما جاءت في ادعاءات ألوهية البشر ؛ قال الحق بعد ذلك :
إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ( من الآية ١٧١ سورة النساء ).
فلا داعي للغلو بنسب الألوهية له أو أنه ثالث ثلاثة. فإن كنتم متشككين ووصلتم إلى هذا الشك بسبب عدم عنصر الذكورة في مجيء عيسى، فافهموا أن كل الأشياء جاءت ب ( كن ) ؛ لأنه وإن وجدت مقدمات للإنسان، فرق هذه المسألة إلى واحد لم يأت من إنسال، وستصل إلى آدم وآدم من تراب ؛ إذن كل الكون كلمة. وإن وجدت أسبابا فما طمره الله في الكلمة الأولى، فحين يجيء إنسان أنشئ بكلمة فلا تقولن : إن هذا شيء عجيب ؛ لأن الكون كله إنما نشأ بكلمة :
إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ( ٨٢ ) ( سورة يس ).
وإن كانت الفتنة قد نشأت في ظاهر الأم من أن المسيح ليس له أب في عالم الإنسال وقانون التناسل، فما كان يجب أن تكون الشبهة في هذا ؛ لأنه مخلوق من أم، وآدم مخلوق بلا أب ولا أم. وكان يجب أن تكون الفتنة في آدم أكبر. والكلمة من الله تنشئ حياة. والحياة إدخال روح في مادة لتهبها الحركة والحس ومقومات الحياة. إذن فالكلمة تقال من الله فتأتي الروح لتدخل في المادة : كلمته وألقاها إلى مريم وروح منه . ( وروح منه ) مثلها مثلما قال في آدم : فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ( ٢٩ ) ( سورة الحجر ).
إذن فآدم كلمة، وآدم روح منه، وكذلك المسيح، فلا شبهة هنا ولا شبهة هناك. ويطلب الحق من المنسوبين إلى السماء : انتهوا خيرا لكم . فإذا كنتم منسوبين إلى السماء فلا تذبذبوا أفكار الناس بمثل هذه المسائل، وكان يجب أن تقفوا بعيسى عندما أراد الله له من تكريم ؛ لن التكريم هو أن يكون أسوة حسنة، ولو كان من جنس آخر غير البشر لامتنعت الأسوة ؛ لأن الأسوة إنما تكون من جنس من يتبعها، فلو رآه الناس خاشعا متعبدا لما استطاعوا أن يفعلوا مثله لو كان من مادة أخرى غير مادة البشر.
وقلت مرة : لو أن إنسانا رأى أسدا يفترس في الغابة ويصول ويحول على الحيوانات، أيفكر واحد من الرائين أن يجعل نفسه ؟. لا. لكن لو رأى فارسا مثله شجاعا في حرب يصول ويحول في الأعداء فهو يقلده ويحاول أن يكون مثله. إذن فالأسوة لا تكون إلا مع وحدة الجنس، فلو أنه لم يكن من جنس البشر لما صلح أن يكون رسولا.
قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولقد جاء الحق هنا بالحديث شاملا لكل أهل الكتاب ؛ لأن كلا منهما جاء بطرفي الأمور.... فاليهود اتهموا سيدتنا البتول المصطفاة مريم بما ليس فيها، وأولئك جاءوا بالمغالاة في الجهة الأخرى ؛ لذلك يأمرهما الحق بعدم المغالاة ؛ لأن الحق لا يتعاند ؛ فهو شيء ثابت لا يتغير أبدا ولا يتعارض. والإنسان إن رأى حدثا من الأحداث بعينيه ثم طلب منه أن يحكيه فهو يحكيه الآن ويحكيه غدا ويحكيه بعد عام وتظل روايته واقعا لأنه شهده وهذا هو الواقع المشهود يفرض نفسه عليه، لكن الكاذب لا يذكر ذلك، وقد يقول قضية ويكون فيها كاذبا فلا بد أن يغير من الحقيقة عندما يحكيها لمرة ثانية. ولذلك يقال ( إن كنت كذوبا فكن ذكورا ).
إن الذي يحكم الحق هو واقعة ؛ لأن المتكلم به يستقرئ واقعا. لكن الكاذب لا يستقرئ واقعا فلا يعلم ماذا كذب في المرة الأولى. ونذكر الكاذب الذي جلس يقول : مرة كنا سائرين وخرجنا من القرية ذاهبين إلى المدينة لنأتي بحاجات عيد الفطر. وكانت الدنيا قمرا كالظهر وقوله :( قمرا كالظهر ) هي التي تكشف كذبه، فكيف يكون في ليلة العيد قمر، وأول ليلة عيد الفطر هي أول ليلة في شوال وليس فيها أي قمر، الهلال يكاد يكون مخفيا.
إذن فالذي يستوحي واقعا لا يتغير كلامه لأنه الحق. والذي يستوحي غير الواقع لا يذكر ماذا قال فيخلط. لذلك لا يقولن إنسان غير الحق لأن قول سيتضارب. وإذا تضارب هذا القول في مسألة الألوهية فإن الناس قد تشك في منهج السماء الذي يتبعونه. وإذا شك الناس في منهج السماء فسيكون عليكم وزرا إضلال الناس ؛ لأن الذي يتعرض لهذه القضية يجب ألا يجرب الناس عليه أي شيء من مخالفة. ولذلك قال سيدنا إبراهيم عليه السلام : ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ( من الآية ٥ سورة الممتحنة ).
لماذا قال سيدنا إبراهيم هذا الدعاء ؟ ؛ لأنه عن قال شيئا ثم عمل يناقضه فقد يتصور من يراه أنه – والعياذ بالله – كذاب.
قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل ويا ليتهم ضلوا فقط في ذواتهم بل هم يحاولون إضلال غيرهم. لذلك قال سبحانه : ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم ( من الآية ١٠٩ سورة البقرة ).
وسبحانه يوضح لهم : لا تفعلوا ذلك حتى لا تضلوا ؛ لأن وزرك أن تعمل، وهناك وزر آخر هو أن تضلل غيرك. ولذلك يقول الحق.
ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ( من الآية ٢٥ سورة النحل )
قال الحق ذلك مع أنه قال : ولا تزر وازرة وزر أخرى . وحتى نفهم الأمر علينا أن نعرف أن الوزر الأول هو وزر الضلال ؛ والثاني هو وزر الإضلال.
ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا أي لا تقلدوا أناسا اتبعوا الهوى. والهوى هو لطف موقع الشيء وقربه إلى النفس فيصنعه الإنسان على طريقة لا تنبغي. ولذلك كل كلمة ( هوى ) في القرآن جاءت في مجال الخسران والضلال. وعندما نقرأ قوله الحق : ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله .
وهو القائل سبحانه : واتبع هواه فتردى .
وقد جاء الهوى في قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم :( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به )٣.
أي أن المطلوب أن يطوع الإنسان هواه لمطلوب الله. ومادام قد طوع هواه لمطلوب الله، فهذا يعني أن هواه الشخصي قد امتنع. ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل . إن هذا هو النهي عن اتباع الهوى الذي يضل ويكون سببا في الإضلال عن سواء السبيل.

١ رواه الطبراني في الأوسط..
٢ رواه المتقي الهندي في كنز العمال، والخوارزمي في جامع المسانيد..
٣ رواه البغوي في شرح السنة، والتبريزي في مشكاة المصابيح، والمتقى الهندي في كنز العمال..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير