ﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖ

الأعمال، ويعلم الإسرار والإعلان.
٧٧ - قوله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ، ذُكر معنى الغلو في النساء (١)، وهو نقيض التقصير، ومعناه الخروج عن الحد (٢)، قال ذو الرمة.

وما زال (٣) يغلو حب مية عندنا ويزداد حتى لم نجد ما يزيدها (٤)
قال الحسن: ودين الله بين الغلو والتقصير (٥)، واختلفوا في المعني بأهل الكتاب ههنا: فقال عطاء عن ابن عباس: يريد اليهود والنصارى (٦)، وغلو اليهود في عيسى: تكذيبهم إياه، ونسبته إلى أنه لغير رشدة، وغلو النصارى: ادعاؤهم الإلهية له (٧)، وقال آخرون: الخطاب للنصارى دون اليهود (٨)، وانتصاب (غيرَ الحق) من وجهين: أحدهما (٩) على الحال والقطع من الدين، كأنه قيل: لا تغلوا في دينكم مخالفًا للحق؛ لأنهم خالفوا الحق في دينهم، ثم غلوا فيه بالإصرار عليه، والثاني أن يكون منصوبًا على الاستثناء، بمعنى: لا تغلوا في دينكم إلا الحق، فيكون الحق مستثنى من المنهي عن الغلو فيه بأن يجوز الغلو فيما هو حق، على معنى اتباعه والثبات
(١) عند تفسير قوله تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ (١٧١) النساء.
(٢) انظر: "تفسير الطبري" ٦/ ٣١٦.
(٣) في (ج): (وما زاد)، وفي ديوان ذي الرمة: فما زال.
(٤) "ديوانه" ص ١٦٤.
(٥) لم أقف عليه.
(٦) لم أقف عليه.
(٧) انظر: "تفسير الطبري" ٦/ ٣١٦.
(٨) انظر: "تفسير مقاتل" ١/ ٤٩٦، "تفسير الطبري" ٦/ ٣١٦، "زاد المسير" ٢/ ٤٠٥.
(٩) في (ج): (أحدها) بالإفراد.

صفحة رقم 487

عليه، قال مقاتل: لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ أي في عيسى.
وقوله تعالى: وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ الأهواء جمع هوى، وهوى فَعَلٌ، وجمعه أفعال (١)، ومعنى الأهواء هنا: المذاهب التي تدعو إليها الشهوة دون الحجة، وقد يشق على الإنسان النظر ويميل طبعه إلى بعض المذاهب فيعتقده فيكون ذلك هوى (٢)، قال الشعبي: ما ذكر الله تعالى هوى في القرآن إلا ذمَّهُ (٣) كقوله تعالى: وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ [ص: ٢٦] وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى [طه: ١٦] وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى [النجم: ٣]، ومثله كثير (٤).
قال أبو عبيد: لم نجد الهوى يوضع إلا في موضع الشر، لا يقال: فلان يهوى الخير، إنما يقال في الخير: يريد ويحب، وقال بعضهم: الهوى إله يعبد من دون الله، قال الله تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الجاثية: ٢٣]، وقيل: سمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار، وأنشدوا في ذم الهوى:

إن الهوان هو الهوى حرم اسمه فإذا هويت فقد لقيت هوانا
ومثل ذلك أيضًا:
نون الهوان من الهوى مسروقة وأسير كل هوى أسير هوان
وقال رجل لابن عباس: الحمد لله الذي هواي على هواك. فقال ابن عباس: كل هوى ضلالة (٥)، ويعني بالقوم الذين ضلوا من قبل رؤساء
(١) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ١٩٧.
(٢) انظر: "تفسير الوسيط" ٢/ ٢١٤، ٣/ ٨٣.
(٣) في (ج): (ذمة) بالتاء.
(٤) لم أقف عليه عن الشعبي، معناه في "معاني القرآن" للنحاس ٢/ ٣٤٦.
(٥) لم أقف عليه.

صفحة رقم 488

الضلالة من فريقي اليهود والنصارى.
والآية خطاب للذين كانوا في عصر النبي - ﷺ -، نهوا أن يتبعوا أسلافهم فيما ابتدعوه بأهوائهم، وأن يقلدوهم فيما هووا (١)، وقال الحسن ومجاهد: (الذين ضلوا من قبل) هم اليهود (٢)، وعلى هذا (الخطاب) (٣) للنصارى فقط، يقول: لا تؤثروا الشهوات على البيان كما فعلت اليهود حين كذبوا الرسل ونقضوا العهد، والمراد بالنهي عن اتباع اهوائهم: النهي عن اتباع (أهواء) (٤) مثل أهوائهم في التكذيب والمخالفة على الرسل، ففي القول الأول وقع النهي على اتباع غير ما هووا، وفي هذا الثاني وقع النهي على اتباع مثل أهوائهم، والتقدير في اللفظ: لا تتبعوا مثل أهواء قوم، أي أهواء مثل أهوائهم، ثم حذف الأهواء الأول وأقيم الثاني مقامه؛ لأنه هوى مثله. والأول أظهر.
وقوله تعالى: وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [المائدة: ٧٧]، إن قيل: أي فائدة لهذا بعد قوله قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ؟، قيل: معناه: ضلوا عن سواء السبيل بإضلالهم الكثير، فالمعنى: أنهم ضلوا بإضلال غيرهم، فيكون معنى هذا الثاني (٥)، " (٦) غير معنى الأول، وهذا معنى قول الزجاج (٧)، ويجوز أن يكون معنى: وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ تفسيرًا

(١) انظر: "تفسير الوسيط" ٢/ ٢١٤، "تفسير البغوي" ٣/ ٨٣، "زاد التفسير" ٢/ ٤٠٥.
(٢) أخرجه عن مجاهد الطبري ٦/ ٣١٦، انظر: "زاد المسير" ٢/ ٤٠٥.
(٣) سقطت هذه الكلمة من (ج).
(٤) في (ج): (هوا).
(٥) بعد هذه الكلمة وجد سقط في نسخة (ج) بمقدار لوحتين تقريبًا.
(٦) بداية السقط.
(٧) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١٩٨.

صفحة رقم 489

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية