قوله :«وَنَبِّئْهُمْ » أي أخبرهم أَنَّ الماء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ أي بين آل ثمود وبين الناقة لها يوم ولهم يوم، كقوله تعالى : لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ فالضمير في ( بينهم ) لقوم صالح والناقة فغلّب العاقل١.
وقرأ العامة : قِسْمة بكسر القاف - ورُوِيَ عن أبي عمرو فَتْحُها٢ - وهو قياس المرة. والمعنى : أن الماءَ مقسومٌ بَيْنَهُمْ فوصف بالمصدر مبالغة، كقولك : فُلانٌ عَيْنُ الكرم.
قوله : كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ أي يحضره من هُو له، فالناقة تحضر الماء يوم وُرُودِهَا وتغيب عنهم يوم وُرُودِهِمْ. قاله مقاتل. وقال مجاهد : إن ثمود يحضرون الماء يوم غَبِّها عنهم فيشربون، ويحضرون اللبن يوم ورودها فيحتلبون٣. والشِّرْبُ - بالكسر - الحظ من الماء. وفي المثل : آخرها أقلُّها شِرْباً وأصله من سقي الإناء٤، لأن آخرها يرد وقد نَزفَ الحَوْضُ٥.
واعلم أن قسمة الماء إما لأن الناقة عظيمةُ الخَلْق ينفر منها حيواناتهم فكان يوم للناقة ويوم لهم، وإما لقلة الماء فلا يحملهم، وإما لأن الماء كان مقسوماً بينهم لكل فريق منهم فيوم وُرُودِ الناقة على هؤلاء يرجعون على الآخرين وكذلك الآخرون فيكون النُّقْصَان على الكل، ولا تختص الناقة بجميع الماء.
رُوِيَ أنهم كانوا يكتفون في يوم ورودها بلبنها، وليس في الآية إلا القسمة دون كيفيتها، وظاهر قوله تعالى : كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ يعضد الوجه الثالث، وحَضَر واحْتَضَرَ بمعنًى واحد.
٢ لم ترد عنه في المتواتر فقد قال أبو حيان في البحر ٨/١٨١: "ومعاذ عن أبي عمرو بفتحها"..
٣ وانظر القرطبي ١٧/١٤١..
٤ الصحيح: الإبل وليس الإناء..
٥ وانظر اللسان "شرب" ٢٢٢٢..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود