ﮡﮢﮣﮤﮥﮦ

قوله : لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً .
أتى هنا بجواب «لو » مقروناً ب «اللام »، وهو الأكثر ؛ لأنه مثبت، وحذف في قوله : جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً ؛ لأن المنّة بالمأكول أعظم منها بالمشروب. قاله الزمخشري١.
وهذا منقوض٢ بقوله : وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا [ يس : ٦٦ ] و وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ [ يس : ٦٧ ]، وذلك أن أمر الطَّمس أهون من أمر المسخ، وأدخل فيهما «اللام ».
وأجاب الزمخشري٣ بجواب آخر فقال : ولو نشاء لجعلناه حطاماً كان أقرب الذكر، فاستغنى باللام فيه عن ذكرها ثانياً.
قال ابن الخطيب٤ : وهذا ضعيف ؛ لأن قوله تعالى : وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ [ يس : ٦٦ ] مع قوله : وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ [ يس : ٦٧ ] أقرب من قوله : لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً ، و جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً اللَّهُم إلاَّ أن تقول هناك : أحدهما قريب من الآخر ذكراً لا معنى ؛ لأن الطَّمْس لا يلزمه المَسْخ ولا بالعكس، وأما المأكول يكون معه المشرُوب في الدهر فالأمران متقاربان لفظاً ومعنى.

فصل في الكلام على هذه الآية


قال الماوردي٥ : هذه الآية تتضمن أمرين :
أحدهما : الامتنان عليهم بأن أنبت زرعهم حتى عاشوا به ليشكروه على نعمته عليهم.
الثاني : البرهان الموجب للاعتبار ؛ لأنه لما أنبت زرعهم بعد تلاشي بذره، وانتقاله إلى استواء حاله من العفنِ والتَّتريب حتى صار زرعاً أخضر، ثم قوي مشتدًّا أضعاف ما كان عليه، فهو بإعادة من أمات أحق عليه وأقدر، وفي هذا البرهان مقنع لذوي الفطر السَّليمة، ثم قال : لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً أي : متكسِّراً، يعني : الزَّرع والحُطَام الهشيم الهالك الذي لا ينتفع به في مطعم ولا غذاء، فنبَّه بذلك على أمرين :
أحدهما : ما أولاهم به من النعم في زرعهم إذ لم يجعله حطاماً ليشكروه.
الثاني : ليعتبروا بذلك في أنفسهم كما أنه يجعل الزَّرع حُطاماً إذا شاء، وكذلك يهلكهم إذا شاء ليتَّعظوا فينزجروا٦.
قوله : فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ .
قرأ العامة : بفتح الظَّاء، بلام واحدة وقد تقدم الكلام عليها مستوفى في «طه »٧.
وأبو حيوة وأبو بكر٨ في رواية : بكسر الظاء.
وعبد الله الجحدري٩ :«فظَلِلتُمْ » على الأصل بلامين، أولاهما مكسورة.
وروي عن الجحدري : فتحها، وهي لغة أيضاً.
والعامة :«تَفَكَّهُونَ » بالهاء.
ومعناه : تَنْدَمُون، وحقيقته : تلقون الفكاهة من أنفسكم، ( ولا تلقى ) ١٠ الفكاهة إلاَّ من الحزن، فهو من باب «تحَرَّج وتأثّم وتحوب »١١.
وقيل :«تفكّهون ». تتعجبون بذهابها ما نزل بكم في زرعكم. قاله عطاء والكلبي ومقاتل.
وقيل : تتندمون مما حلّ بكم. قاله الحسن وقتادة وغيرهما.
وقيل : تلاومُون.
وقيل : تتفجَّعون، وهذا تفسير باللازم.
وقرأ أبو حزام١٢ العكلي :«تَفَكَّنُونَ » بالنون، أي : تندَّمون.
قال ابن خالويه :«تَفَكَّه » تعجَّب، و«تَفَكَّن » تندَّم.
وفي الحديث :«مثلُ العالم كمثل الحمَّة، يأتيها البُعدَاءُ ويترُكُهَا القُربَاءُ، فَبَيْنَا هُم إذ غَارَ ماؤهَا فانتفع به قومٌ، وبَقِي قومٌ يتفكَّنُون »، أي : يتندَّمُون١٣.
قال الفرَّاء١٤ : والنون، لغة عكل.
وفي الصحاح١٥ :«التَّفَكُّن » التندُّم على ما فات.
وقيل : التفكُّه : التكلُّم فيما لا يعنيك.
ومنه قيل للمزاح : فُكاهة بالضَّم.
فأما الفَكَاهة - بالفتح - فمصدر «فَكِهَ الرَّجل » بالكسر، فهو فَكِهٌ إذا كان طيّب النفس مزَّاحاً١٦.
١ ينظر الكشاف ٤/٤٦٦..
٢ ينظر: الفخر الرازي ٢٩/١٥٨..
٣ الكشاف ٤/٤٦٦..
٤ التفسير الكبير ٢٩/١٥٨..
٥ ينظر: النكت والعيون ٥/٤٦٠..
٦ ينظر: القرطبي ١٧/١٤٢..
٧ آية ٩٧..
٨ وقرأ بها عبد الله كما في المحرر الوجيز، ٥/٢٤٩، والبحر المحيط ٨/٢١١، والدر المصون ٦/٢٦٤..
٩ السابق..
١٠ سقط من ب..
١١ ينظر: الدر المصون ٦/٢٦٤..
١٢ ينظر: البحر المحيط ٨/٢١١، والدر المصون ٦/٢٦٤..
١٣ ينظر: الكشاف ٤/٤٦٦، والدر المصون ٦/٢٦٤..
١٤ ذكر القرطبي ١٧/٢١٩..
١٥ ينظر المعجم الوسيط ٢/٦٩٩..
١٦ ينظر: القرطبي ١٧/١٤٢..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية