قوله : هُوَ الله الخالق البارئُ .
«الخَالقُ » هنا المقدر، و«البَارِئُ » المنشئ المخترع، وقدم ذكر الخالق على البارئ ؛ لأن الإرادة مقدمة على تأثير القدرة١.
قوله :«المُصَوِّرُ ».
العامة : على كسر الواو ورفع الراء، إما صفة وإما خبر.
وقرأ أمير المؤمنين٢ علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - والحسن بن السميفع، وحاطب بن أبي بلتعة : بفتح الواو ونصب الراء. وتخريجها على أن يكون منصوباً ب «البَارِئُ ».
و«المصوَّر » هو الإنسان إما آدم، وإما هو وبنوه.
وعلى هذه القراءة يحرم الوقفُ على المصور، بل يجب الوصل ليظهر النَّصب في الراء، وإلا فقد يتوهم منه في الوقف ما لا يجوز٣.
وروي عن أمير المؤمنين أيضاً : فتح الواو وجرّ الراء، وهي كالأولى في المعنى إلا أنه أضاف اسم الفاعل لمعموله مخففاً نحو :«الضارب الرجل ».
والوقف على «المصوّر » في هذه القراءة أيضاً حرام، وقد نبَّه عليه بعضهم.
وقال مكي٤ :«ويجوز نصبه في الكلام، ولا بد من فتح الواو فتنصبه ب «البارئ »، أي : هو الله الخالق المصور، يعني : آدم - عليه الصلاة والسلام - وبنيه ». انتهى. وكأنه لم يطلع على هذه القراءة.
وقال أيضاً :«ولا يجوز نصبه مع كسر الواو، ويروى عن علي رضي الله عنه ».
يعني أنه إذا كسرت الواو، وكان من صفات الله تعالى، وحينئذ لا يستقيم نصبه عنده ؛ لأن نصبه باسم الفاعل قبله.
وقوله :«ويروى » أي : كسر الواو ونصب الراء، وإذا صح هذا عن أمير المؤمنين، فيتخرج على أنه من القطع، كأنه قال : أمدح المصور، كقولهم :«الحَمْدُ للَّه أهل الحمد » بنصب أهل ؛ وقراءة من قرأ : اللَّهَ رَبَّ العَالَمِينَ بنصب «رب »٥.
قال مكي٦ : و«المصور » «مُفَعِّل » من «صَوّر يُصَوّر »، ولا يحسن أن يكون من «صار يصير »، لأنه يلزم منه أن يقال : المصير، بالياء ».
وقيل : هذا من الواضحات ولا يقبله المعنى أيضاً.
وقدم «البارئ » على «المصور » لأن إيجاد الذوات مقدّم على إيجاد الصفات٧، فالتصوير مرتب على الخلق والبراية وتابع لهما، ومعنى التصوير٨ : التخطيط والتشكيل، وخلق الله الإنسان في بطن أمه ثلاثَ خلق، جعله علقة ثم مضغة ثم جعله صورة، وهو التشكيل الذي يكون به ذا صورة يعرف بها ويتميز عن غيره، فتبارك الله أحسنُ الخالقين.
قوله : لَهُ الأسماء الحسنى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم تقدم نظيره.
روى أبو هريرة - رضي الله عنه - : قال : سألت خليلي أبا القاسم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اسم الله الأعظم، فقال :«عليْكَ بأواخر سُورةِ الحَشْرِ، فأكثر قراءتهَا » فأعَدْتُ عليْهِ فأعَادَ عليَّ٩. وقال جابر بن زيدٍ : إنَّ اسم الله الأعظم هو الله لمكان هذه الآية١٠.
٢ ينظر: المحور الوجيز ٥/٢٩٢، والبحر المحيط ٨/٢٤٩، والدر المصون ٦/٣٠٠، والقرطبي ١٨/٣٢..
٣ ينظر: الدر المصون ٦/٣٠٠..
٤ ينظر: المشكل ٢/٧٢٧..
٥ ينظر: الدر المصون ٦/٣٠٠..
٦ ينظر: المشكل ٢/٧٢٧..
٧ ينظر: الفخر الرازي ٢٩/٢٥٦..
٨ ينظر: القرطبي ١٨/٣٢..
٩ ذكره الحافظ ابن حجر في "تخريج الكشاف" (٤/٥١٠)، وقال: أخرجه الثعلبي من رواية علي بن رزيق عن هشام بن سعد عن يزيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة.
وفي الواحدي من حديث ابن عباس رفعه بلفظ: اسم الله الأعظم في ست آيات من آخر سورة الحشر..
١٠ ذكره القرطبي في تفسيره" (١٨/٣٣)..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود