ﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶ

ثم جاء بالدليل الأعظم في قوله تعالى هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِيءُ الْمُصَوِّرُ فهو وحده المتفرد بالخلق والإيجاد، والإبداع والتصوير، وقد نص على هذا الدليل في أكثر من موضع كما في قوله تعالى بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شيء وهُوَ بِكُلِّ شيء عَلِيمٌ [ الأنعام : ١٠١ ] ثم قال : ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شيء فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيء وَكِيلٌ [ الأنعام : ١٠٢ ].
وذكر أيضاً الخلق مفصلاً والملك مجملاً في قوله تعالى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ الانْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ [ الزمر : ٦ ] ثم قال ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [ الزمر : ٦ ] وقال ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شيء [ غافر : ٦٢ ] ثم قال لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [ غافر : ٦٢ ] وجمع الملك والخلق معاً في قوله الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شيء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً [ الفرقان : ٢ ] إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى.
ومن تأمل براهين القرآن على وحدانية الله تعالى، وعلى قدرته، على البعث وهما أهم القضايا العقائدية يجد أهمها وأوضحها وأكثرها، هو هذا الدليل، أعني دليل الخلق والتصوير.
وقد جاء هذا الدليل في القرآن جملة وتفصيلاً، فمن الإجمال ما جاء في أصل المخلوقات جميعاً اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شيء [ الزمر : ٦٢ ] وقوله تعالى : تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيء قَدِيرٌ [ الملك : ١ ]، وقال : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ [ يس : ٨٢ ] ثم قال فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شيء [ يس : ٨٣ ] وقال : تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيء قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ [ الملك : ١ -٢ ] أي خالق الإيجاد والعدم، وخلق العدم يساوي في الدلالة على القدرة خلق الإيجاد، لأنه إذا لم يقدر على إعدام ما أوجد يكون الموجود مستعصياً عليه، فيكون عجزاً في الموجد له، كمن يوجد اليوم سلاحاً ولا يقدر على إعدامه، وإبطال مفعوله، فقد يكون سبباً في إهلاكه، ولا تكتمل القدرة حقاً إلا بالخلق والإعدام معاً، وقال في خلق السماوات والأرض : الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [ الأنعام : ١ ].
وقال في خلق الأفلاك وتنظيمها : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ الليل وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [ الأنبياء : ٣٣ ].
ثم في أصول الموجودات في الأرض بقوله : هُوَ الذي خَلَقَ لَكُم مَّا في الأَرْضِ جَمِيعاً [ البقرة : ٢٩ ].
وفي أصول الأجناس : الماء والنار والنبات والإنسان، قال : أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الْخَالِقُونَ [ الواقعة : ٥٨ -٥٩ ].
وذكر معه القدرة على الإعدام : نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ [ الواقعة : ٦٠ ]
وفي أصول النبات : أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَارِعُونَ [ الواقعة : ٦٣ -٦٤ ].
وفي أصول الماء : أَفَرَأَيْتُمُ الْمَآءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ [ الواقعة : ٦٨ -٦٩ ].
وفي أصول تطوير الحياة : أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ [ الواقعة : ٧١ -٧٢ ].
وفي جانب الحيوان أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [ الغاشية : ١٧ ] الآية.
ولهذا فقد تمدح تعالى بهذه الصفة، صفة الخلق وصفة آلهة المشركين بالعجز، كما قال تعالى : خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [ لقمان : ١٠ ] ثم قال : هذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ [ لقمان : ١١ ].
ومعلوم أنها لم تخلق شيئاً كما قال تعالى موبخاً لهم : أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ [ الأعراف : ١٩١ ] وبين أنهما لا يستويان في قوله : أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [ النحل : ١٧ ]، ثم بين نهاية ضعفها وعجزها في قوله تعالى : وَاتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لأنفسهم ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُوراً [ الفرقان : ٣ ] وهذا غاية العجز. كما ضرب لذلك المثل بقوله : إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [ الحج : ٧٣ ] فهم حقاً لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ولو بقدر الذبابة ؟ وهكذا ترى صفة الخلق المتصف بها سبحانه وتعالى أعظم دليل على وحدانية الله تعالى، وهي متضمنة صفة التصوير والعلم لأن لكل مخلوق صورة تخصه ؟ ولا يكون ذلك إلا عن علم بالغيب والشهادة، كما تقدم.
وهكذا أيضاً كان هذا الدليل أقوى الأدلة على البعث، كما قال تعالى : أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي الْعِظَامَ وَهِىَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [ يس : ٧٧ -٧٩ ] إلى آخر السورة.
وكذلك في قوله تعالى صريحاً في ذلك ونصاً عليه : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ في الأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [ الحج : ٥ ] ثم قال تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شيء قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ [ الحج : ٦ -٧ ].
ثم بين تعالى أن جاحد هذا الدليل إنما هو مكابر جاهل، ضال مضل، وذلك في قوله بعده مباشرة : ومِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ ذلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلعَبِيدِ [ الحج : ٨ -١٠ ].
ومن هنا كان أول نداء في المصحف يوجه إلى الناس جميعاً بعبادة الله كان لاستحقاقه عبادته وحده، لأنه متصف بصفة الخلق كما قال تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَآءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [ البقرة : ٢١ -٢٢ ]. أي لأنهم ليسوا له بأنداد فيما اتصف به سبحانه فلا تشركوهم مع الله في عبادته.
فكانت هذه الصفات لله تعالى في آخر هذه السورة حقاً أدلة على إثبات وحدانية الله تعالى في ذاته وأسمائه وصفاته، وأنه المستحق لأن يعبد وحده لا إله إلا هو.
والواجب على الخلق تنزيهه عما لا يليق بجلاله سبحانه وتعالى عما يشركون، يسبح له ما في السموات والأرض ، لأنها من مخلوقاته وهو العزيز الحكيم ، وقوله تعالى لَهُ الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى لم يبين هنا المراد من أنه سبحانه له الأسماء الحسنى، وقد بين في سورة الأعراف المراد بذلك في قوله تعالى : وَللَّهِ الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [ الأعراف : ١٨٠ ].
قال القرطبي : سمى الله سبحانه أسماءه بالحسنى، لأنها حسنة في الأسماع والقلوب، فإنها تدل على توحيده وكرمه وجوده وإفضاله، ومجيء، قوله تعالى : لَهُ الأسماء الْحُسْنَى بعد تعداد أربعة عشر اسماً من أسمائه سبحانه يدل على أن له أكثر من ذلك، ولم يأت حصرها ولا عدها في آية من كتاب الله.
وقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : " إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر ".
وسرد ابن كثير عدد المائة مع اختلاف في الروايات.
وذكر عن آية الأعراف أنها ليست محصورة في هذا العدد لحديث ابن مسعود في مسند أحمد أنه صلى الله عليه وسلم قال : " ما أصاب أحداً قط هم ولا حزن فقال : اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن الكريم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي، إلا أذهب الله حزنه وهمه " الحديث ا ه.
ومحل الشاهد منه ظاهر في أن لله أسماء أنزلها في كتبه وأسماء خص بها بعض خلقه كما خص الخضر بعلم من لدنه، وأسماء استأثر بها في علم الغيب عنده، كما يدل حديث الشفاعة : " فيلهمني ربي بمحامد لم أكن أعرفها من قبل "، والواقع أنه لا تعارض بين الحديثين.
لأن الأول : يتعلق بعدد معين، وبما يترتب عليها من الجزاء.
والحديث الثاني : يتعلق ببيان أقسام أسمائه تعالى، من حيث العلم بها وتعليمها وما أنزل منها. وقد ذكر هذا الجمع ابن حجر في الفتح في كتاب الدعوات عند باب : لله مائة اسم غير واحد. وقد حاول بعض العلماء استخراج المائة اسم من القرآن فزادوا ونقصوا ل


مسألة :
يؤخذ من كلام ابن العربي هذا ما يقوله الفقهاء في ذكر اسم الله عند الذبح أن يقتصر على قوله : بسم الله، ولا يقول الرحمن الرَّحيم، لأن اسم الرحمن الرَّحيم يقتضي الرَّحمة، وهي لا يتناسب معها الذبح ورسول الروح.
ويؤيد هذا ما ذكره ابن قدامة أنه ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا ذبح قال :" بسم الله والله أكبر " أي أكبر وأقدرك عليها، وهو أكبر منك عليك منها.
فإذا فقه الإنسان أسماء الله الحسنى على هذا النحو، كان حقاً قد أحصاها وحفظها في استعمالها في معانيها، فكان حقاً من أهل الجنة، والعلم عند الله تعالى.
ولقد استوقفني طويلاً مجيء هذه الآيات في نهاية هذه السورة تذييلاً لها وختاماً وبأسلوب الإجمال والتفصيل لقضايا التوحيد، وإقامة الدليل، وإلزام أهل الإلحاد والتعطيل، فمكثت طويلاً أتطلب ربطها بما قبلها، فلم أجد في كل ما عثرت عليه من التفسير أكثر من شرح المفردات، وإيراد بعض التنبيهات مما لا ينفذ إلى أعماق الموضوع، ولا يشفي عليلاً في مجتمعاتنا الحديثة، أو يذهب شبه المدنية المادية، فرجعت إلى السورة بكاملها أتأمل موضوعها فإذا بها تبدأ أولاً بتسبيح العوالم كلها لله العزيز الحكيم، وهذا أمر فوق مستوى الإدراك الإنساني، ثم تسوق أعظم حدث تشهده المدينة بعد الهجرة من إخراج اليهود، ولم يكن مظنوناً إخراجهم، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا فكانوا موضع العبرة والموعظة.
ثم تأتي لموقف فريقين متقابلين، فريق المؤمنين والكافرين.
يتمثل الفريق الأول في المهاجرين والأنصار وما كانوا عليه من أخوة ومودة ورحمة وعطاء وإيثار على النفس.
ويتمثل الفريق الآخر في المنافقين واليهود، وما كان بينهم من مواعدة وإغراء وتحريض، ثم تخل عنهم وخذلان لهم.
فكان في ذلك تصوير لحزبين متقابلين متناقضين حزب الرحمن، وحزب الشيطان، وهي صورة المجتمع في المدينة آنذاك.
ثم تأتي إلى مقارنة أخرى بين نتائج هذين الحزبين ومنتهاهما وعدم استوائهما، وفي ذلك تقرير المصير : لاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَآئِزُونَ [ الحشر : ٢٠ ].
وهذه أخطر قضية في كل أمة أي تقرير مصيرها، ثم بيان حقيقة تأثير القرآن وفعاليته في المخلوقات، ولو كانت جبلاً أشم أو حجراً أصم لو أنزل عليه لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله، فإذا بها قد اشتملت على موضوع الخلق والخالق والأمة والرسالة والبدء والنهاية وصراع الحق مع الباطل، والكفر والإيمان والنفوس في الشح والإحسان، وكلها مواقف عملية ومناهج واقعية وأمثلة بيانية.
وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [ الحشر : ٢١ ].
فإذا ما توجه الفكر في هذا العرض، وتنقل من موقف إلى موقف، وتأمل صنع الله وقدرته وآياته، نطق بتسبيحه، وعلم أنه سبحانه هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة، علم ما سيكون عليه العالم قبل وجوده، فأوجده على مقتضى علمه به، وسيره على النحو الذي أوجده عليه، علم خذلان المنافقين لليهود قبل أن يحرضوهم، فكان كما علم سبحانه وحذر من مشابهتهم، وعلم أنه لو أنزل القرآن على جبل ماذا يكون حاله، فحث العباد بالأخذ به، ولعلمه هذا بالغيب والشهادة، كان حقاً هو الله وحده.
ثم مرة أخرى : هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ [ الحشر : ٢٣ ]، برهان آخر في صور متعددة، وبراهين متنوعة على وحدانيته سبحانه الملك القدّوس، الملك المهيمن على ملكه القدّوس المسلم من كل نقص، المسيطر على ما في ملكه كله لا يعزب عنه مثقال ذرة. كما قال تعالى : تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيء قَدِيرٌ [ الملك : ١ ].
وهنا وقفة لتأمل اجتماع تلك الصفات معاً عالم الغيب والشهادة، والملك القدوس والسلام المهيمن، فنجدها مترابطة متلازمة لأن العالم إذا لم يملك التصرف ولم يهيمن على شيء فلا فعالية لعلمه. والملك الذي لا يعلم ولم يتقدس عن النقص لا هيمنة له على ملكه.
فإذا اجتمع كل ذلك وتلك الصفات : العلم والملك والتقديس والهيمنة، حصل الكمال والجلال، ولا يكون ذلك إلا لله وحده العزيز الجبار المتكبر، ولا يشركه أحد في شيء من ذلك سبحانه وتعالى عما يشركون، هو الله الخالق البارئُ المصور له الأسماء الحسنى .
وهنا، في نهاية هذا السياق يقف المؤمن وقفة إجلال وتعظيم لله، فالخالق هو المقدر قبل الإيجاد.
و البارئُ الموجد من العدم على مقتضى الخلق والتقدير، وليس كل من قدر شيئاً أوجده إلا الله.
و المصور المشكل لكل موجود على الصورة التي أوجده عليها، ولم يفرد كل فرد من موجوداته على صورة تختص به إلا الله سبحانه وتعالى، كما هو موجود في خلق الله للإنسان والحيوان والنبات كل في صورة تخصه.
وبالرجوع مرة أخرى إلى أول السياق، فإن الخلق والتقدير لا بد أن يكون بموجب العلم سواء كان في الحاضر المشاهد أو للمستقبل الغائب، وهذا لا يكون إلا لله وحده عالم الغيب والشهادة، فكان تقديره بموجب علمه والملك القدوس القادر على التصرف في ملكه يوجد ما يقدره.
و المهيمن : يسير ما يوجده على مقتضى ما يقدره.
والذي قدر فهدى، العزيز الذي لا يقهر الجبار الذي يقهر كل شيء لإرادته، وتقديره، ويخضعه لهيمنته.
المتكبر الذي لا يتطاول لكبريائه مخلوق، وأكبر من أن يشاركه غيره في صفاته، تكبر عن أن يماثله غيره أو يشاركه أحد فيما اختص به سبحان الله عما يشركون.
وفي نهاية السياق إقامة البرهان الملزم وانتزاع الاعتراف والتسليم، هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ [ الحشر : ٢٤ ] وهو أعظم دليل كما تقدم، وهو كما قال : دليل الإلزام، لأن الخلق لا بد لهم من خالق، وهذه قضية منطقية مسلمة، وهي أن كل موجود لا بد له من موجد، وقد ألزمهم في قوله تعالى : أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [ الطور : ٣٥ ]، وهذا بالسير، والتقسيم أن يقال : إما خلقوا من غير شيء خلقهم أي من العدم، ومعلوم أن العدم لا يخلق شيئاً لأن فاقد الشيء لا يعطيه، والعدم ليس أمراً وجودياً حتى يمكن له أن يوجد موجوداً.
أم هم الخالقون ؟ ، وهم أيضاً يعلمون من أنفسهم أنهم لم يخلقوا أنفسهم، فيبقى المخلوق لا بد له من خالق، وهو الله تعالى : الخالق الباريء.
ولو قيل من جانب المنكر : إن ما نشاهده من وجود الموجود كالإنسان والحيوان والنبات يتوقف وجوده على أسباب نشاهدها، كالأبوين للحيوان وكالحرث والسقي للنبات إلخ، قوله تعالى : الْمُصَوّرُ ، فهل الأبوان يملكان تصوير الجنين من جنس الذّكورة أو الأنوثة أو من جنس اللّون والطّول والقصر والشبه ؟
الجواب : لا وكلا، بل ذلك لله وحده، هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء، كما قال تعالى : لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ [ الشورى : ٤٩ -٥٠ ].
وكذلك في النبات، توضع الحبة وتسقى بالماء، فالتربة واحدة، والماء واحد، فمن الذي يصور شكل النبات هذا نجم على وجه الأرض، وذاك نبت على ساق، وهذا كرم على عرش، وذاك نخل باسقات، فإذا طلعت الثمرة في أول طورها فمن الذي يصورها في شكلها، من استدارتها أو استطالتها أو غير ذلك، وإذا تطورت إلى النضج فمن الذي صورها في لونها الأحمر أو الأصفر أو الأسود أو الأخضر أو الأبيض ؟ هل هي التربة أو الماء أو هما معاً، لا وكلا. إنه هو الله الخالق البارىء المصور، سبحانه له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً.

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - أضواء البيان

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير