ﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅ

قوله تعالى : والذين تَبَوَّءُوا الدار والإيمان مِن قَبْلِهِمْ .
يجوز في قوله : والذين تبوّءوا الدار وجهان١ :
أحدهما : أنه عطف على «الفقراء » فيكون مجروراً، ويكون من عطف المفردات، ويكون «يحبون » حالاً.
والثاني : أن يكون مبتدأ، خبره «يُحبُّون » ويكون حينئذ من عطف الجمل.
وفي قوله :«والإيمان ». ستة أوجه :
أحدها : أنه ضمن «تَبَوَّءوا » معنى لزموا، فيصح عطف الإيمان عليه، إذ الإيمان لا يتبوأ.
الثاني : أنه منصوب بمقدر، أي : واعتقدوا، أو وألفوا، أو وأحبوا، أو وأخلصوا، كقوله :[ الرجز ]

عَلَفْتُهَا تِبْناً ومَاءً بَارِداً . . . . . . . . . . . . . . . . . ٢
وقوله :[ مجزوء الكامل ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحَا٣
الثالث : أنه يتجوّز في الإيمان، فيجعل اختلاطه بهم وثباتهم عليه كالمكان المحيط بهم، فكأنهم نزلوه، وعلى هذا فيكون جمع بين الحقيقة والمجاز في كلمة واحدة. وفيه خلاف مشهور.
الرابع : أن يكون الأصل : دار الهجرة، ودار الإيمان، فأقام «لام » التعريف في «الدار » مقام المضاف إليه، وحذف المضاف من دار الإيمان، ووضع المضاف إليه مقامه.
الخامس : أن يكون سمى «المدينة » ؛ لأنها دار الهجرة، ومكان ظهور الإيمان.
قال بهذين الوجهين الزمخشري٤.
وليس فيه إلاَّ قيام «ال » مقام المضاف إليه، وهو محل نظر، وإنما يعرف الخلاف، هل يقوم «ال » مقام الضمير المضاف إليه ؟.
فالكوفيون يُجِيزُونه، كقوله : فَإِنَّ الجنة هِيَ المأوى [ النازعات : ٤١ ] أي : مأواه.
[ والبصريون : يمنعونه، ويقولون : الضمير محذوف، أي : المأوى له ] ٥.
وقد تقدم تحرير هذا وأما كونها عوضاً من المضاف إليه فلا نعرف فيه خلافاً.
السادس : أنه منصوب على المفعول معه أي : مع الإيمان معاً. قاله ابن عطية.
وقال٦ : وبهذا الاقتران يصح معنى قوله «من قبلهم » فتأمله.
قال شهاب الدين٧ :«وقد شرطوا في المفعول معه أن يجوز عطفه على ما قبله حتى جعلوا قوله تعالى : فأجمعوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ [ يونس : ٧١ ] من باب إضمار الفعل ؛ لأنه لا يقال : أجمعت شركائي، إنما يقال : جمعت ».

فصل في المراد بهذا التبوء٨


«التَّبَوُّء » : التمكن والاستقرار، وليس يريد أن الأنصار آمنوا قبل المهاجرين، بل أراد آمنوا قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، ولا خلاف أن الذين تبوَّءُوا الدار هم الأنصار الذين استوطنوا «المدينة » قبل المهاجرين إليها، والمراد بالدَّار :«المدينة ».
والتقدير : والذين تبوَّءُوا الدار من قبلهم.

فصل


قيل هذه الآية معطوفة على قوله :«للفقراء المهاجرين » وأن الآيات في «الحَشْر » كلها معطوفة بعضها على بعض.
قال القرطبي٩ : ولو تأملوا ذلك، وأنصفوا لوجدوه على خلاف ما ذهبوا إليه ؛ لأن الله - تعالى - يقول : هُوَ الذي أَخْرَجَ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب مِن دِيَارِهِمْ - إلى قوله - «الفاسقين » فأخبر عن بني النضير وبني قينقاع، ثم قال تعالى : وَمَا أَفَاءَ الله على رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ ولكن الله يُسَلِّطُ رُسُلَهُ على مَن يَشَاءُ فأخبر أن ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم لأنه لم يوجف عليه حين خلَّوه، وما تقدم فيهم من القتالِ، وقطع شجرهم فقد كانوا رجعوا عنه وانقطع ذلك الأمر، ثم قال تعالى : مَّا أَفَاءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ، وهذا كلام غير معطوف على الأول، وكذا والذين تبوّءوا الدار والإيمان ابتداء كلام في مدحِ الأنصار والثناء عليهم، فإنهم سلموا ذلك الفيء للمهاجرين، وكأنه قال : الفَيْء للفقراء المهاجرين، والأنصار يحبون لهم لم يحسدوهم على ما صفا لهم من الفيء، وكذا والذين جَاءُو مِن بَعْدِهِمْ ابتداء كلام، والخبر يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفر لَنَا .
وقال إسماعيل بن إسحاق : إن قوله تعالى : والذين تَبَوَّءُوا الدار ، والذين جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ معطوف على ما قبله، وأنهم شركاء في هذا الفيء، أي : هذا المال للمهاجرين، والذين تبوَّءوا الدار والإيمان.
وقال مالك بن أوس : قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَاءِ والمساكين [ التوبة : ٦٠ ].
ثم قال : هذه لهؤلاء، ثم قرأ : واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ [ الأنفال : ٤١ ]، فقال : هذه لهؤلاء، ثم قرأ : وَمَا أَفَاءَ الله على رَسُولِهِ حتى بلغ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ ، والذين تَبَوَّءُوا الدار والإيمان ، والذين جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ ثم قال : لئن عشت ليأتين الراعي ب «سَرْو حمير » نصيبه منها لم يعرق جبينه.
وقيل : إنه دعا للمهاجرين والأنصار واستبشارهم بما فتح الله عليه من ذلك، وقال لهم : تبينوا الأمر وتدبروه ثم اغدوا عليَّ ففكر في ليلته، فتبين له أن هذه الآيات في ذلك أنزلت فلما غدوا عليه، قال : قد مررت البارحة بالآيات التي في سورة «الحشر » وتلا : مَا أَفَاءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى إلى قوله تعالى : لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ فلما بلغ قوله : أولئك هُمُ الصادقون قال : ما هي لهؤلاء فقط، وتلا قوله : والذين جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ إلى قوله رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ثم قال : ما بقي أحد من أهل الإسلام إلا وقد دخل في ذلك.

فصل


روى مالك بن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر - رضي الله عنه - قال : لولا من يأتي من آخر النَّاس ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر١٠.
وصح عن عمر أنه أبقى سواد «العراق » و«مصر » وما ظهر عليه من الغنائم ليكون في أعطيات المقاتلة، وأرزاق الجيش والذَّراري، وأن الزبير وبلالاً وغير واحد من الصحابة أرادوه على قسم ما فتح عليهم، فكره ذلك منهم١١.
واختلف فيما فعل من ذلك : فقيل : إنه استطاب أنفس أهل الجيش فمن رضي له بترك حظه بغير ثمن ليبقيه للمسلمين فله، ومن أبى أعطاه ثمن حظه فمن قال : إنما أبقى الأرض بعد استطابة أنفس القوم جعل فعله كفعل النبي صلى الله عليه وسلم لأنه قسم «خيبر »، لأنّ اشتراءه إياها وترك من ترك عن طيب نفسه بمنزلة قسمها.
وقيل : إنه أبقاها بغير شيء أعطاه أهل الجيوش.
وقيل : إنه تأول في ذلك قول الله تعالى : لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ إلى قوله : رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ على ما تقدم أيضاً.
فصل في اختلاف الفقهاء في قسمة العقار١٢
اختلفوا في قسمة العقار، فقال مالك - رضي الله عنه - للإمام أن يوقفها لمصالح المسلمين.
وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : الإمام مخير بين قسمتها، أو وقفها لمصالح المسلمين.
وقال الشافعي - رضي الله عنه - ليس للإمام حبسها عنهم بغير رضاهم، بل يقسمها عليهم كسائر الأموال، فمن طاب نفساً عن حقه للإمام أن يجعلها وقفاً عليهم فله، ومن لم تطب نفسه فهو أحق بماله.
وعمر - رضي الله عنه - استطاب نفوس القائمين واشتراها منهم، وعلى هذا يكون قوله تعالى : والذين جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ مقطوعاً مما قبله، وأنهم ندبوا بالدعاء للأولين والثناء عليهم.

فصل في فضل المدينة


قال القرطبي١٣ :«روى ابن وهب قال : سمعت مالكاً يذكر فضل «المدينة » على غيرها من الآفاق، فقال : إن «المدينة » تُبُوئتْ بالإيمان والهجرة، وإن غيرها من القرى افتتحت بالسيف، ثم قرأ : والذين تَبَوَّءُوا الدار والإيمان مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ الآية ».
قوله تعالى : وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُواْ . فيه وجهان١٤ :
أحدهما : أن الحاجة هنا على بابها من الاحتياج إلا أنها واقعة موقع المحتاج إليه، والمعنى : لا يجدون طلب محتاج إليه مما أوتي المهاجرون من الفيءِ وغيره، والمحتاج إليه يسمى حاجة تقول : خذ منه حاجتك، وأعطاه من ماله حاجته. قاله الزمخشري١٥.
فعلى هذا يكون الضمير الأول للجائين بعد المهاجرين، وفي «أوتُوا » للمهاجرين.
والثاني : أن الحاجة هنا من الحسد.
قال الحسنُ : حسداً وحزازة مما أوتوا المهاجرين دونهم، وأطلق لفظ الحاجة على الحسد والغيظ والحزازة ؛ لأن هذه الأشياء لا تنفك عن الحاجة فأطلق اسم اللازم على الملزوم على سبيل الكناية.
والضميران على ما تقدم قبل.
وقال أبو البقاء١٦ :«الحاجة مس حاجة ». أي : أنه حذف المضاف للعلم به، وعلى هذا، فالضميران ل الذين تبوّءوا الدار والإيمان .
وقال القرطبي١٧ :«يعني لا يحسدون المهاجرين على ما خُصُّوا به من مال الفيءِ وغيره، كذلك قال الناس. وفيه تقدير حذف مضافين، والمعنى : مس حاجة من فقد ما أوتوا، وكل ما يجد الإنسان في صدره مما يحتاج إلى إزالته فهو حاجة ».

فصل في سبب نزول الآية


قال القرطبي١٨ : كان المهاجرون في دور الأنصار، فلما غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم أموال بني النضير، دعا الأنصار وشكرهم فيما صنعوا مع المهاجرين في إنزالهم إياهم في منازلهم وإشراكهم في الأموال، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إنْ أحْبَبْتُمْ قَسَمْتُ مَا أفَاءَ اللَّه عَلَيَّ مِن بَنِي النَّضيرِ بَيْنكُمْ وبَيْنَهُمْ، وكَان المُهَاجرُونَ على مَا هُمْ عليْهِ مِنَ السُّكْنَى في مَسَاكنكُمْ وأمْوالكُمْ، وإنْ أحَبَبْتُمْ أعْطَيتُهم وخَرَجُوا من دِيَارِكُمْ »، فقال سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ وسَعْدُ بْنُ معاذٍ - رضي الله عنهما - بَلْ نَقْسِمهُ بَيْنَ المهاجرينَ، ويُكونُونَ في دُورنا كَمَا كَانُوا، ونادت الأنصار : رَضيْنَا وسلَّمْنَا يا رسُولَ الله، فقال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم :«اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأنصَارَ وأبْنَاءَ الأنْصَارِ » وأعطى رسول الله للمهاجرين، ولم يعط الأنصار إلا الثلاثة الذين ذكرناهم١٩.
ويحتمل أن يريد به وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُواْ إذا كانوا قليلاً يقنعون به، ويرضون عنه، وقد كانوا على هذه الحال حين حياة النبي صلى الله عليه وسلم دنيا، ثم كانوا عليه بعد موته صلى الله عليه بحكم الدنيا، وقد أنذرهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال :«سَتَرَونَ بَعْدِي أثَرَةً فاصْبرُوا حَتَّى تلْقَونِي على الحَوْضِ »٢٠.
قوله : وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ .
قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم بني النضير :«إن شِئْتُم قَسمْتُمْ للمُهَاجرينَ من أمْوالكُمْ ودِيَاركُمْ وشَارَكتُمُوهُم في هذه الغنيمةِ، وإن شِئْتُم كَانَتْ لكُم ديَارُكمْ وأموالكُمْ ولَمْ نَقْسِمْ لَكُمْ مِنَ الغَنِيمَةِ شَيْئاً ». فقالت الأنصار : بل نقسم لإخواننا من ديارنا وأموالنا ونؤثرهم بالغنيمة، فنزل : وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ الآية٢١.
قال ابن الخطيب٢٢ :«وذكر المفسرون أنواعاً من إيثار الأنصار للضيف بالطعام، وتعللهم ع
١ ينظر: الدر المصون ٦/٢٩٥..
٢ تقدم..
٣ تقدم..
٤ ينظر: الكشاف ٤/٥٠٤، ٥٠٥..
٥ سقط من أ..
٦ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٢٨٧..
٧ ينظر: الدر المصون ٦/٢٩٦..
٨ ينظر: القرطبي ١٨/١٥..
٩ السابق: ١٨/١٥، ١٦..
١٠ أخرجه البخاري ٧/٥٦٠ في المغازي، باب غزوة خيبر (٤٢٣٦)..
١١ ينظر: تفسير القرطبي (١٨/١٦)..
١٢ ينظر القرطبي ١٨/١٧..
١٣ السابق..
١٤ ينظر: الدر المصون ٦/٢٩٦..
١٥ ينظر: الكشاف ٤/٥٠٥..
١٦ ينظر: الإملاء ٢/١٢١٦..
١٧ الجامع لأحكام القرآن ١٨/١٧..
١٨ السابق..
١٩ أخرجه البخاري ١٣/٢٧٨، كتاب الاعتصام، باب: ما يكره من كثرة السؤال (٧٢٨٩)، ومسلم ٤/١٨٣١، كتاب الفضائل، باب: توقيره صلى الله عليه وسلم (١٣٢/٢٣٥٨)..
٢٠ أخرجه البخاري ٧/٦٤٤، كتاب المغازي، باب: غزوة الطائف (٤٣٣٠)، وطريقه في (٧٢٤٥)، ومسلم في المصدر السابق (١٣٩ - ١٠٦١)..
٢١ ينظر: تفسير القرطبي (١٨/١٨)..
٢٢ ينظر: الفخر الرازي ٢٩/٢٥٠..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية