أخرج ابن المنذر عن يزيد ابن الأصم أن الأنصار قالوا يا رسول الله أقسم بيننا وبين إخواننا المهاجرين الأرض يعني الأرض المملوكة للأنصار نصفين قال لا ولكن تكفونهم المؤنة وتقاسمونهم الثمرة والأرض أرضكم قالوا رضينا فأنزل الله تعالى يعني أنزل فيهم قوله والذين تبوءو الدار والإيمان الآية وروى البخاري عن أبي هريرة بلفظ قالت الأنصار اقسم بيننا وبين إخواننا النخل قال لا تكفونا المؤن ونشرككم في الثمر قالوا سمعنا وأطعنا وليس ذكر نزول الآية صحيح والمعنى تبوءوا دار الهجرة وتمكنوا في الإيمان وهم أنصار الإيمان بالمقر لدوام إثباتهم عليه وأثبت التبوء على الاستعادة التخييلية وجاز أن يكون الإيمان منصوبا بالفعل المقدر يعني وأخلصوا الإيمان من قبيل علفتها تبنا وماء باردا، وقيل المعنى تبوؤوا دار الهجرة ودار الإيمان وهي المدينة فحذف المضاف من الثاني والمضاف إليه من الأول وعوض عنه اللام سمى المدينة دار الإيمان لأنها مظهره عن جابر ابن سمرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( إن الله تعالى سمى المدينة طابة ) ١ رواه مسلم وعن جابر ابن عبد الله في حديث قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها )٢ متفق عليه وروى مسلم عن أبي هريرة بمعناه من قبلهم أي من قبل هجرة المهاجرين وقيل تقدير الكلام والذين تبوء الدار من قبلهم والإيمان، يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم في أنفسهم حاجة قيل المحتاج إليه يسمى حاجة والمعنى طلب حاجة وقيل المراد ما يحمل عليه الحاجة من الطلب والحسد والغيظ مما أوتوا أي من أجل ما أعطى المهاجرون دونهم من الفيء ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني النضير بين المهاجرين ولم يعط أحدا من الأنصار إلا ثلاثة منهم فطابت أنفس الأنصار بذلك، قال محمد ابن يوسف الصالحي في سبيل الرشاد إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تحول من بني عوف ابن عمر إلى المدينة تحول المهاجرين فتنافست فيهم الأنصار أن ينزلوا عليهم، اقترعوا فيهم بالسهمان فما نزل أحد من المهاجرين على أحد من الأنصار إلا بقرعة بينهم فكان المهاجرون في دور الأنصار وأموالهم فلما غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير دعا ثابت ابن قيس ابن شماس فقال ادع لي قومك قال ثابت الخزرج يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :( الأنصار كلها فدعى الأوس والخزرج فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله تعالى وأثنى عليه بما هو أهله ثم ذكر الأنصار وما صنعوا بالمهاجرين وإنزالهم إياهم في منازلهم وأموالهم وإيثارهم على أنفسهم ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين ما أفاء الله تعالى علي من بني النضير ) وكان المهاجرون على مالهم من السكنى ومساكنكم وأموالكم وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم فتكلم سعد ابن عبادة وسعد ابن معاذ رضي الله عنه وخيراهما خيرا فقالا يا رسول الله بل تقسمه بين المهاجرين ويكونوا في دورنا كما كانوا ونادت الأنصار وجزاهم الله خيرا رضينا وسلمنا يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( اللهم ارحم الأنصار ) فقسم رسول الله صلى الله عليهم وسلم ما أفاء الله عليه وأعطى المهاجرين ولم يعط أحدا من الأنصار من ذلك الفيء شيئا إلا رجلين كانا محتاجين سهل بني حنيف وأبا دجانة وأعطى سعد ابن معاذ رضي الله عنه عنهم سيف ابن أبي الحقيق وكان سيفا له ذكر عندهم وذكر البلاذري في فتوح البلدان له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للأنصار ليس إخوانكم من المهاجرين أموال فإن شئتم قسمت هذه وأموالكم بينكم وبينهم جميعا وإن شئتم أمسكتم أموالكم وقسم هذه فيهم خاصة قالوا بل أقسم هذه فيهم وأقسم لهم من أموالنا ما شئت فنزلت : ويؤثرون أي يقدمون المهاجرين بأموالهم ومنازلهم على أنفسهم وحتى أن من كان عنده امرأتان نزل عن واحدة وزوجها من أحدهم ولو كان بهم خصاصة فاقة وحاجة إلى ما يؤثر قال البغوي روي عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يوم النضير للأنصار فذكر نحو ما ذكر البلاذري، وروى البخاري عن أبي هريرة قال : أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أصابني الجهد فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئا فقال :( ألا رجل يضفيه هذه الليلة يرحمه الله { فقام رجل من الأنصار فقال أنا يا رسول الله فذهب إلى أهله فقال لامرأته هذا ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تدخريه شيئا، قالت والله ما عندي إلا قوت الصبية قال فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالي فأطفئني السراج ونطوي بطوننا الليلة ففعلت وفي رواية فهيأت طعامها ونومت صبيانها ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأ فجعلا يريانه أنهما يأكلان فباتا طاويين ثم غدا الرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :( لقد أعجب الله وأضحك من فلان وفلانة فأنزل :{ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ٣ وأخرج مسدد في مسنده وابن المنذر عن أبي المتوكل الناجي أن رجلا من المسلمين فذكر نحوه وفيه أن الرج الذي أضاف ثابت ابن شماس فنزلت فيه هذه الآية، وأخرج الواحدي من طريق ابن دثار عن ابن عمر قال : أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة فقال إن أخي فلان وعياله أحوج إلى هذا منا فبعث به إليهم فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها سبعة أبيات حتى رجعت إلى أولئك فنزلت ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة وروى البخاري عن أنس ابن مالك قال دعى النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار إلى أن يقطع لهم البحرين فقالوا لا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلنا قال : فاصبروا حتى تلقوني فإنه سيصيبكم أثره بعدي ٤ وذكر البلاذري في فتوح البلدان أنه قال أبو بكر جزاكم الله يا معشر الأنصار فوالله ما مثلنا ومثلكم إلا كما قال الغنوي :
جزى الله عنا جعفرا حين أرتعت بنا تعلنا في الوطنين فنزلت
أبوا أن يحلون ولو أنا آمنا به تلقى الذي يلقون منا طلت.
وروى الآجري في كتاب الشريعة عن قيس ابن أبي حازم نحوه، ومن يوق شح نفسه حتى يخالفها فيما يغلب عليها من حب المال وبغض الإنفاق فأولئك هم المفلحون الشح البخل والحرص كذا في القاموس وفي الصحاح بخل مع حرص قال البغوي فرق العلماء بين الشح والبخل، روي أن رجلا قال لعبد الله ابن مسعود إني أخاف أن أكون قد هلكت قال وما ذاك قال : أسمع الله يقول :{ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يدي شيء قال عبد الله : ليس ذاك بالشح الذي ذكره الله عز وجل ولكن الشح أن تأكل مال أخيك ظلما ولكن ذاك البخل وبئس الشيء البخل وقال عمر ليس الشح أن يمنع الرجل ماله إنما الشح أن تطمع عين الرجل إلى ما ليس له، وقال سعيد ابن جبير الشح هو أخذ الحرام ومنع الزكاة وقيل الشح الحرص الشديد الذي يحمله على ارتكاب المحارم وقال ابن زيد من لم يأخذ شيئا نهاه الله عنه ولم يدعه الشح إلى أن يمنع شيئا من شيء أمره الله به فقد وقى شح نفسه، عن جابر ابن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم ٥.
رواه مسلم وأحمد وعن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان في جوف عبد أبدا ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا ) ٦ رواه البغوي وكذا روى النسائي
اختلف الأئمة أن المال الذي يحصل بلا قتال كجزية وعشر تجارة وما جلوا عنه خوفا، وما صولحوا عليه ومال مرتد قتل أو مات ومال ذمي مات بلا وارث وزكاة بني تغلب وما أهداه أهل الحرب إلى الإمام وكذا أخراج الأرض هل يخمس أم لا ؟، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد في أظهر قوليه لا يخمس بل جميعه لمصالح لما صلح المسلمين كسد الثغور وبناء القناطير والجسور ويعطي قضاة المسلمين والمحتسبين وعمالهم وعلمائهم منه ما يكفيهم، ويدنو منه أرزاق المقاتلة وذراريهم كذا في الهداية، وفي التجنس يعطي المعلمين والمتعلمين ويدخل فيه طلبة العلم أيضا، وقال الشافعي في القديم لا يخمس إلا ما تركوه فزعا وهربوا وفي الجديد أنه يخمس جميع ذلك ثم يجعل الخمس خمسة أسهم سهم منها لبني هاشم وبني المطلب يشرك فيه الغني والفقير وسهم لابن السبيل ويعم الأصناف الأربعة المذكورة وقيل يخص بالحاصل في كل ناحية من فيها منهم سهم لمصالح المسلمين كسد الثغور والقضاة والعلماء ويقدم الأهم، وأما الأخماس الأربعة فالأظهر أنها للمرتزقة وهم أجناد المرصدون للجهاد فيضع الإمام ديوانا فيعطي كل واحد منهم كفاية ويقدم في الإعطاء قريشا ومنهم بني هاشم والمطلب ثم عبد الشمس ثم نوفل ثم عبد العزى ثم سائر البطون الأقرب فالأقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الأنصار ثم سائر العرب ثم العجم ولا يثبت في الديوان أعمى ولا زمنا ولا من لا يصلح للقتال فإن فضلت الأخماس الأربعة عن حاجات المرتزقة وزع عليهم على قدر مؤنتهم والأصلح فإنه يجوز أن يقسم غلته كذلك في المنهاج، ويؤيد مذهب الجمهور في عدم التخميس ما ذكره محمد ابن يوسف الصالحي في سبيل الرشاد في أموال بني النضير أنه قال عمر ابن الخطاب يا رسول الله ألا تخمس ما أصبته ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أجعل شيئا جعله الله تعالى دون المؤمنين بقوله تعالى : ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى الآية كهيئته ما وقع فيه السهمان، قال ابن همام ذكروا أن قول الشافعي في تخميس الجزية مخالف للإجماع قال الكرخي ما قال به أحد قبله ولا بعده ولا في عصره ووجه قوله القياس على الغنيمة قال ابن همام إنه صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر ونصارى نجران وفرض الجزية على أهل اليمن ولم ينقل منه التخميس ولو كان لنقل وروى أبو داوود بسند فيه ضعف أن عمر ابن عبد العزيز كتب إلى عماله أن ما حكم عمر ابن الخطاب فرآه المؤمنين عدلا موافقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم والله تعالى أعلم.
٢ أخرجه البخاري في كتاب: فضائل المدينة باب: المدينة تنفي الخبث ١٨٨٣ وأخرجه مسلم في كتاب: الحج باب: المدينة تنفي شرارها ١٣٨٣.
٣ أخرجه البخاري في كتاب: التفسير ويؤثرون على أنفسهم ٤٨٨٩}.
٤ أخرجه البخاري في كتاب: المغازي باب: غزوة الطائف ٤٣٣٠}.
٥ أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب باب: تحريم الظلم ٢٥٧٨}.
٦ أخرجه النسائي في كتاب: الجهاد باب: فضل من عمل في سبيل الله على قدمه ٣١٠١}.
التفسير المظهري
المظهري