المعنى الجملي : بعد أن بين مصارف الفيء فيما سلف، وذكر أنه لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين- ذكر هنا أنه أراد بهم فقراء المهاجرين الذين لهم هذه الصفات السامية، والمناقب الرفيعة، ثم مدح الأنصار ساكني المدينة وبالغ في مدحهم، فذكر لهم هذه الفضائل :
( ١ ) إنهم يحبون المهاجرين.
( ٢ ) إنهم ليس في قلوبهم حقد ولا حسد لهم.
( ٣ ) إنهم يفضلونهم على أنفسهم ويعطونهم ما هم في أشد الحاجة إليه، وما ذاك إلا لأن الله عصمهم من الشح المردي والبخل المهلك، الذي يدسي النفوس ويمنعها من اكتساب الخير وعمل البر.
ثم ذكر أن التابعين لهم بإحسان، وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة، يدعون لأنفسهم ومن سبقهم من المؤمنين بالمغفرة، ويطلبون من الله ألا يجعل في قلوبهم حقدا وحسدا لهم.
شرح المفردات : التبوأ : النزول في المكان، ومنه المباءة للمنزل، والمراد من الدار المدينة، والمراد بالحاجة الحسد والغيظ، وأوتوا : أي أعطى المهاجرون دون الأنصار، ويؤثرون : أي يقدمون ويفضلون، والخصاصة : الحاجة من خصاص البيت ؛ وهو ما يبقى بين عيدانه من الفرج وكذا كل خرق في منخل أو باب أو سحاب أو برقع، والشح : اللؤم ؛ وهو أن تكون النفس كزّة حريصة على المنع، قال شاعرهم :
| يمارس نفسا بين جنبيه كزّة | إذا همَّ بالمعروف قالت له مهلا |
ثم مدح سبحانه الأنصار وأثنى عليهم حين طابت نفوسهم عن الفيء إذ جعل للمهاجرين دونهم فقال :
والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة أي والذين سكنوا المدينة، وأشربت قلوبهم حب الإيمان من قبل هجرة أولئك المهاجرين، لهم صفات كريمة، وشيم جليلة تدل على كرم النفس، ونبل الطباع، فهم :
( ١ ) يحبون المهاجرين ويتمنون لهم من الخير ما يتمنون لأنفسهم، وقد آخى رسول الله بينهم وبينهم، وأسكن المهاجرين في دور الأنصار معهم، ونزل بعض الأنصار عن بعض نسائهم للمهاجرين، طيبة بذلك نفوسهم، قريرة به أعينهم.
روى أحمد عن أنس قال : قال المهاجرون : يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم حسن مواساة في قليل، ولا حسن بذل في كثير، لقد كفونا المؤونة، وأشركونا في المهيأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله، قال( لا، ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم ).
وقال عمر : وأوصى الخليفة بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم كرامتهم. وأوصى بالأنصار خيرا، الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبل، أن يقبل من محسنهم، وأن يعفو عن مسيئهم.
( ٢ ) لا يطمحون إلى شيء مما أعطيه أولئك المهاجرون من الفيء وغيره.
روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للأنصار :( إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم )، فقالوا أموالنا بيننا قطائع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أو غير ذلك ؟ ) قالوا : وما ذاك يا رسول الله ؟ فقال :( هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم التمر )، فقالوا : نعم يا رسول الله ".
( ٣ ) يقدمون ذوي الحاجة على أنفسهم، ويبدؤون بسواهم قبلهم، حتى إن من كان عنده امرأتان ينزل عن إحداهما ويزوجها واحدا من المهاجرين.
أخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة قال : أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أصابني الجَهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئا، فقال عليه الصلاة والسلام :( ألا رجل يضيف هذا الرجل الليلة رحمه الله ؟ ) فقال أبو طلحة أنا يا رسول الله، فذهب إلى أهله ؛ فقال لامرأته أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت والله ما عندي إلا قوت الصبية، قال إذا أراد الصبية العشاء فنوميهم، وتعالي فأطفئي السراج ونطوي الليلة لضيف رسول الله ففعلت، ثم غدا الرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقال عليه الصلاة والسلام :( لقد عجب الله الليلة من فلان وفلانة وأنزل فيهما : ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة .
ثم بين سوء عاقبة الشح فقال : ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون أي ومن يحفظوا أنفسهم من الحرص على المال والبخل به فأولئك هم الفائزون بكل مطلوب، الناجحون من كل مكروه.
أخرج الترمذي وأبو يعلى وابن مردويه عن أنس مرفوعا :( لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان نار جهنم في جوف عبد أبدا، ولا يجتمع الإيمان والشح في قلب عبد أبدا ).
وأخرج أحمد والبخاري في الأدب ومسلم والبيهقي عن جابر عن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح قد أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم ).
وروى الأموي عن ابن مسعود أن رجلا أتاه فقال : إني أخاف أن أكون قد هلكت، قال وما ذاك ؟ قال : سمعت الله يقول : ومن يوق شح نفسه وأنا رجل شحيح لا أكاد أخرج من يدي شيئا ؛ فقال ابن مسعود : ليس ذاك الذي ذكر الله تعالى، إنما الشح أن تأكل مال أخيك ظلما، ولكن ذلك البخل، وبئس الشيء البخل- ففرق بين الشح والبخل.
وليس المراد من تقوى الشح الجود بكل ما يملك ؛ فقد روى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( برئ من الشح من أدى الزكاة، وقرى الضيف، وأعطى في النائبة ).
تفسير المراغي
المراغي