المحفوظ مع علمه وأنه لا يفوته شيء هو أنه عز وجل كتب هذه الأشياء وأحصاها قبل أن تكون (١) لتقف (٢) الملائكة على نفاذ علمه، وأنه لا يغيب عنه مما في السماوات والأرض شيء، فيكون في ذلك عبرة للملائكة الموكلين باللوح؛ لأنهم يقابلون به ما يحدث من الأمور فيجدونه موافقًا له، قال أبو بكر: ويجوز أن يقال: إن الله تبارك وتعالى ذكر ما ذكر من الورقة والحبة تعظيمًا على خلقِه أمر الحساب، وإعلامًا أنه لا يفوته من جميع ما يصنعون في الدنيا شيء؛ لأن الذي يثبت ويكتب مما لا ثواب فيه ولا عقاب كان مما فيه الثواب والعقاب أولى بالكتب.
فذكر ما ذكر تبارك وتعالى: [من هذا (٣)] معظمًا ومخوفًا ودالًا على أنه لا يغيب عنه من أعمال العباد شيء) (٤)، وهذا معنى قول الحسن: (يكتبه الله رطبًا، ويكتبه يابسًا، لتعلم يا ابن آدم أن عملك أولى بالإحصاء) (٥).
٦٠ - قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ قال ابن عباس: (يقبض أرواحكم في منامكم) (٦). قال أبو إسحاق: (معنى: يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ أي: ينيمكم فيتوفى نفوسكم التي بها تميزون (٧) كما قال جل وعز: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا [الزمر:
(٢) في (ش): (ليقف).
(٣) لفظ: (من هذا) ساقط من (أ).
(٤) ذكره ابن الجوزي ٣/ ٥٤ - ٥٥.
(٥) لم أقف عليه.
(٦) "تنوير المقباس" ٢/ ٢٦، وذكره الواحدي في "الوسيط" ١/ ٥٤، وابن الجوزي ٣/ ٥٥.
(٧) في (ش): (يميزون).
٤٢]) (١)، فالله جل وعز يقبض الأرواح عن التصرف بالنوم كما يقبضها بالموت.
وقوله تعالى: وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ قال ابن عباس: (يريد: ما كسبتم من العمل بالنهار) (٢)، ومضى الكلام في معنى الجرح عند ذكر الجوارح (٣).
وقوله تعالى: ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ قال ابن عباس: (يرد عليكم أرواحكم في النهار) (٤)، وقال قتادة: (البعث هاهنا: اليقظة) (٥)، وقال الزجاج: (أي: ينبهكم في نومكم في النهار) (٦).
وقوله تعالى: لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى أي: أعماركم المكتوبة، وهو قوله: وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ [الأنعام: ٢].
قال السدي: يعني: أجل الحياة إلى الموت) (٧)، وهو قول المفسرين (٨) قال الزجاج: (أي: يبعثكم من نومكم إلى أن تبلغوا
(٢) "تنوير المقباس" ٢/ ٢٦، وذكره الواحدي في "الوسيط" ١/ ٥٤، وأخرج الطبري في "تفسيره" ٧/ ٢١٤، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٠٥ بسند جيد عن ابن عباس قال: (ما اكتسبتم من الإثم)، وذكره السيوطي في "الدر" ٣/ ٣٠.
(٣) انظر: "البسيط" نسخة جامعة الإمام ٣/ ١١ ب.
(٤) "تنوير المقباس" ٢/ ٢٦، وذكره الواحدي في "الوسيط" ١/ ٥٤.
(٥) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" ٢/ ١/ ٢٠٨، والطبري ٧/ ٢١٥، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٠٦ بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" ٣/ ٣٠.
(٦) "معاني القرآن" ٢/ ٢٥٨.
(٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٧/ ٢١٥ بسند جيد.
(٨) انظر: "تفسير الطبري" ٧/ ٢١٥، و"معاني النحاس" ٢/ ٤٣٨، و"تفسير السمرقندي" ١/ ٤٩٠.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي