ويقول الحق بعد ذلك :
وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين( ٧٥ ) .
أي كما اهتدى إبراهيم إلى أن عبادة الأصنام ضلال مبين فسيريه الله ملكوت السماوات والأرض ما دام قد اهتدى إلى أن هناك إلها حقا، فالإله الحق يبين له أسرار الكون :
والملكوت صيغة المبالغة في الملك، مثلها مثل ( رحموت ). وهي صيغة مبالغة من الرحمة، والملكوت تعطينا فهم الحقائق غير المشهودة، فالذي يمشي وراء الأسباب المشهودة له يأخذ الملك ؛ لأن ما يشهده ويحسه هو أمامه، والملكوت هو ما يغيب عنه، إذن ففيه ( ملك )، وفيه ( ملكوت )، الملك هو ما تشاهده أمامك، والملكوت هو ما وراء هذا الملك.
والمثال هو ما قاله سيدنا إبراهيم حينما تكلم على الشركاء لله قال سبحانه : فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ( ٧٧ ) الذي خلقني فهو يهدين ( ٧٨ ) والذي هو يطعمني ويسقين ( ٧٩ ) وإذا مرضت فهو يشفين ( ٨٠ ) والذي يميتني ثم يحيين ( ٨١ ) ( سورة الشعراء )
ولنلحظ هنا أن الأساليب مختلفة، فهو يقول : الذي خلقني ولم يقل :( الذي هو خلقني )، ثم قال فهو يهدين لأن أحدا لم يدع أبدا خلق الإنسان، وهي قضية مسلمة لله ولا تحتاج إلى تأكيد، أما هداية الناس فهناك من يدعي أنه يهدي الناس. وما يدعى من البشر يؤكد ب ( هو ). وما لا يدعى من البشر كالخلق والإماتة والإحياء لا يؤتى فيه بكلمة هو.
ويتابع سيدنا إبراهيم : والذي هو يطعمني ويسقين وهنا قفز سيدنا إبراهيم من كل الأسباب والحلقات الظاهرية إلى الحقيقة، وعرف الغيب وإذا مرضت فهو يشفين وهو بذلك يميز بين الوسيلة للشفاء وهم الأطباء المعالجون والشافي الأعظم وهو الله – تبارك وتعالى – لأن الناس قد تفتن بالأسباب وتقول : إن الطبيب هو من يشفي، ولذلك ينتقل سيدنا إبراهيم من ظواهر الأسباب إلى بواطن الأمور، وينتقل من ظواهر الملك إلى باطن الملكوت حتى نعرف أن الطبيب يعالج ولكنه لا يشفي، بدليل أننا كثيرا ما رأينا من يذهب للطبيب ويعطيه الطبيب حقنة فيموت المريض، وبذلك يصير الطبيب في مثل هذا الموقف من وسائل الموت.
سبحان من يرث الطبيب وطبه يرى المريض مصارع الآسين إذن، فهو يشفين أي أن الشفاء من الله والعلاج من الطبيب.
وبذلك جاء سيدنا إبراهيم بالأشياء التي يمكن أن يفتن الإنسان في أسبابها وأكدها ب ( هو ).
وحين ننظر إلى إبراهيم عليه السلام في قصة العقيدة نجده قد أخذ سلطانا كبيرا يعترف به جميع الأنبياء ؛ لأن ربنا قال فيه : وإبراهيم الذي وفى
وكذلك قال سبحانه : وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما
( من الآية ١٢٤ سورة البقرة ).
أي إنك يا إبراهيم مأمون أن تكون إماما للناس، وببشرية إبراهيم وبظاهر الملك. سأل الله أن تكون الإمامة في ذريته، قال : ومن ذريتي أي اجعل من ذريتي أئمة، فيقول الحق :
لا ينال عهدي الظالمين ( من الآية ١٢٤ من سورة البقرة ).
لأن مسألة الإمامة ليست وراثة دم، ولا يأخذها إلا من يستحقها. وقلنا : إن سيدنا إبراهيم جاء بهاجر وابنه إسماعيل منها وأسكنهما بواد غير ذي زرع عند البيت المحرم، ويقول القرآن على لسانه :
ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ( ٣٧ ) ( سورة إبراهيم )
أي أن سيدنا إبراهيم عليه السلام وعي مسألة تعليم الحق له لأسرار الملكوت، وظل في ذهن سيدنا إبراهيم، أن الحق سبحانه – لا يعطي الإمامة من ظلم ثم أوضح له أنه يجب أن تفرق بين خلافة النبوة، وعطاء الربوبية في الطعام. ويتمثل ذلك في دعاء سيدنا إبراهيم :
وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر ( من الآية ١٢٦ من سورة البقرة )
فكأن إبراهيم حين طلب الرزق من الثمرات لمن آمن بالله واليوم الآخر لم يفرق في دعائه بين عهد النبوة والإمامة، ومطلوبات الحياة، فيقول له الحق : ومن كفر......... .
أي أنه سبحانه سيرزق بالطعام من آمن ومن كفر ؛ لأن الطعام ومقومات الحياة من عطاءات الربوبية، أما المناهج فهي من عطاءات الألوهية، والله سبحانه وتعالى رب لجميع الناس ؛ لأنه هو الذي استدعاهم جميعا : المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، وما دام هو الذي استدعاهم إلى الوجود فهو لا يمنعهم الرزق.
وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين( ٧٥ ) ( سورة الأنعام )
وكل من يسير على قدم إبراهيم عليه السلام يرتبط ويتعلق بذات الحق سبحانه وتعالى، وفيه فرق بين الارتباط والتعلق بالذات، والارتباط والتعلق بالصفات ؛ والذي يعبد الله لأنه رزاق، ولأنه مغن هو من يرتبط بالصفات. أما من يرتبط بالله لأنه إله فقط وإن أفقره فهو من يرتبط بالذات، وحين صفى سيدنا إبراهيم نفسه من كل العقائد السابقة أوضح له الحق : أنت مأمون على أسرار كوني، وأعطاه الحق الكثير كما يعطي لكل من يخلص في الارتباط بخالقه يعطيه ربنا عطاءات من أسرار كونه.
ويضرب الحق سبحانه لنا كثيرا من المثل في القرآن فيقول :
واتقوا الله ويعلمكم الله ( من الآية ٢٨٢ من سورة البقرة )
أي أنك ما دمت مأمونا على ما عرفت من أحكام الحق لحركة حياتك وتنفذه فإن الحق يعتبرك أمينا على أسراره، ويعطيك المزيد من الزيادة.
ومعنى ( تتقي ) أي أن تلتحم بمنهج الحق، وإذا التحمت بالمنهج الحق كنت في الفيوضات الدائمة التي لا تنقضي من الحق ؛ لأن الذي في معيته لا بد أن يخلع الحق عليه من واردات وعطاءات صفاته ما يجلي صلته بربه ويطمئنه عليه، ومثال ذلك ما حدث في ( قصة الهجرة )، تجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وسيدنا أبا بكر في الغار، ويقول أبو بكر لرسول الله : لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا، وهذه قضية كونية مؤكدة، ويرد عليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بما ينقله من القضية الكونية الظاهرة الواضحة إلى عالم الملكوت الخالص، ويقول :( يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثها )١.
أي أنه يقول له : اطمئن، لن يرانا أحد ؛ لأننا في معية الله، وسبحانه لا تدركه الأبصار. وحين يكون الضعيف في معية القوي فقانون القوي هو الذي يتغلب، فلا يصبح الضعيف ضعيفا، فحين يكون هناك ولد بين الأطفال الذين في مثل سنه يضطهدونه ويؤلمونه ويؤذونه. ثم يرونه في يد أبيه لا يجرؤ أحد منهم أن يأتي إلى ناحيته، والناس لا يقدر بعضهم على بعض إلا إذا انفلتوا من معية الله، ومن في معية الله لا يجترئ عليه أحد أبدا. ولذلك يرسل لنا ربنا قضايا الملك وقضايا الملكوت، ويمثلها في رسول من أولي العزم من الرسل مع عبد صالح آتاه الله شيئا من علمه وفيضه لأنه اتقاه.
يقول الحق سبحانه :
فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما ( ٦٥ ) ( سورة الكهف )
إن هذا العبد قد أخذ منهج الرسول الذي جاء به واتبعه، فأداه حق الأداء فاتصل بالحق من لدنه علما. وحين ننظر في هذه القضية نتعجب لأننا نجد سيدنا موسى – ينظر في عالم الملك بينما ينظر من آتاه الله من لدنه رحمة ومن عنده علما ينظر من عالم الملكوت، وموسى معذور لأنه ينظر في دائرة الأسباب، والعبد الصالح معذور هو الآخر لأنه ينظر في دائرة ثانية ؛ ولذلك سيقول العبد الصالح : وما فعلته عن أمري أي أن المسألة ليست من ذاته، بل هو مأمور بها. وحين ننظر إلى تقدير موقف كل منهما للآخر نجد العبد الصالح يقول : إنك لن تستطيع معي صبرا . أي أن العبد الصالح يعذر موسى، ويضيف :
وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا ( ٦٨ ) ( سورة الكهف )
فيقول القرآن على لسان موسى :
قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا ( ٦٩ ) ( سورة الكهف )
فها هو ذا الرسول الذي جاء ليبلغ المنهج يطيع عبدا صالحا طبق المنهج من رسول سابق ونفذه كما يحب الله، والتحم بالمنهج، وجاء لنا ربنا بهذه القصة مع رسول من أولي العزم. ويتلقى موسى عليه السلام الأمر من العبد الصالح :
قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا ( ٧٠ ) ( سورة الكهف )
لماذا ؟ لأن العبد الصالح يعلم أن موسى سيتكلم عن عالم الملك، وهو يتكلم من عالم الملكوت.
وحين ركبا السفينة، وخرقها العبد الصالح، والخرق إفساد ظاهري في عالم الملك. يوضح سيدنا موسى للعبد الصالح أن هذا الفعل إخلال بالقانون، وكيف يعتدي على السفينة بالإفساد ؟ فيرد العبد الصالح : ألم أقول إنك لن تستطيع معي صبرا، وليست لك طاقة على مثل هذه المسائل، فيتذكر موسى، ثم تأتي حكاية الغلام، وحكاية الجدار.
وحين ندقق النظر في هذه الأمور نجد علم الملكوت يصحح الأمور الشاذة في عالم الملك ؛ فخرق السفينة إفساد ظاهري لكن إذا علم موسى أن هناك ملكا يأخذ السفن السليمة الصالحة ويستولي عليها غضبا وهذه السفينة لمساكين يعملون في البحر، ويريد العبد الصالح أن يحافظ لهم على السفينة فيخرقها حتى لا يأخذها المغتصب ؛ وحين يقارن الملك المغتصب بين سفينة سليمة وسفينة مخروقة. فلن يأخذ السفينة غير السليمة، ويمكن لأصحابها إصلاحها.
إذن لو علم موسى بهذه المسألة، ألا يجوز أن يكون موسى هو الذي كان يقوم بخرق السفينة ؟ إنه كان سيخرقها، إذن لو علم صاحب نظرية الملك ما في نظرية الملكوت من أسرار، لفعل هو الفعل نفسه. وحين نأتي لقتل الغلام، لا بد من التساؤل : وما ذنب الغلام ؟ فيفسر العبد الصالح الأمر :
وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا( ٨٠ ) ( سورة الكهف ).
والأبوان قد يدللان هذا الابن، ويطعمانه من مال حرام، ويكون فتنة لهما، فقتل الغلام ليظلا على الإيمان، وعجل ربنا بالولد إلى الجنة مباشرة.
وفي مسألة الجدار تجد الخلاف بين رؤية عالم الملك، ورؤية عالم الملكوت. ففي ظاهر الأمر أنهما حين أتيا أهل القرية طلبا للطعام، وطلب الطعام شهادة صدق على ضرورة، لأنه ليس طلبا للنقود، فقد يطلب أحد النقود ليدخرها، لكن من يقول :( أعطني رغيفا لآكل ) فهذه آية صدق الضرورة في طلب الطعام. ولكن أهل القرية أبوا أن يضيفوهما، إذن هم لئام لا كرام. ويرى العبد الصالح جدارا يريد أن ينقض، آيلا للسقوط فأقامه، وغضب سيدنا موسى، سبب غضبه أنه والعبد الصالح استطعما هؤلاء فلم يطعموهما، فكيف تبني جدارا لهم ؟ ! وكان يصح أن تأخذ عليه أجرا، وغضب سيدنا موسى سببه ظاهر، لكن العبد الصالح يشرح المسألة :
لقد أقام الجدار لأن أهل القرية لئام ولم يعطونا طعاما، ولو وقع الجدار وظهر الكنز تحته أمام لئام بهذا الشكل لسرقوه من أصحابه، وهم أطفال، وقد بناه العبد الصالح بهندسة إيمانية ألهمه الله بها بحيث إذا بلغ الولدان الرشد يقع الجدار. أي أنه بناء موقوت، مثلما نضبط المنبه على وقت محدد، كذلك الجدار بحيث إذا بلغ الولدان الرشد يقع الجدار ويأخذان الكنز.
وهذا يوضح لنا الخلاف بين عالم الملك، وبين عالم الملكوت ؛ فعالم الملكوت هو الذي يغيب عنا وراء الأسباب. وكثير من الناس يقف عند الأسباب، ولا ينتقل من الأسباب إلى السبب المباشر، إلى أن ينتهي إلى مسبب ليس بعده سبب.
وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ( ٧٥ ) ( سورة الأنعام )فهل تيقن أ
تفسير الشعراوي
الشعراوي