المعنى الجملي : بعد أن حث في الآية السابقة على الجهاد في سبيله، ونهاهم أن يكونوا مثل قوم موسى في التواكل والتخاذل، إذ قالوا له : قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون [ المائدة : ٢٤ ]، ونهاهم أيضا عن أن يكونوا مثل قوم عيسى في العصيان بعد أن أتى لهم بالأدلة الباهرة على صدق نبوته- ذكر هنا أن الإيمان بالله والجهاد بالمال والنفس في سبيله تجارة رابحة، فإن المجاهد ينال الفوز العاجل، والثواب الآجل، فيظفر بالنصرة في الدنيا والغلبة على العدو وأخذ الغنائم وكرائم الأموال، ويحظى في الآخرة بغفران الذنب، ورضوان الرب، والكرامة في جنات الخلود والإقامة، ولا فوز أعظم من هذا.
ثم ضرب لهم مثلا بقوم عيسى، فقد انقسموا فرقتين : فرقة آمنت به وهم حواريه، وفرقة كفرت به وهم البقية الباقية منهم، فأمد الله المؤمنين بروح من عنده، فتم لهم الفوز والنصر على الكافرين، وغلبوهم بإذن الله كما هي سنة الله في البشر كما قال : كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز [ المجادلة : ٢١ ] قال : إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم [ محمد : ٧ ].
ولهذه التجارة فوائد عاجلة وأخرى آجلة، وقد فصل كلا الأمرين وقدم الثانية فقال : طيبة : أي طاهرة متستلذة، جنات عدن : أي بساتين إقامة وخلود.
يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم أي إن فعلتم ذلك فآمنتم بالله وصدقتم رسوله، وجاهدتم في سبيله- ستر لكم ذنوبكم ومحاها، وأدخلكم فراديس جناته وأسكنكم مساكن تطيب لدى النفوس، وتقرّ بها العيون في دار الخلد الأبدي، وهذا منتهى ما تسمو إليه النفوس من الفوز الذي لا فوز بعده.
تفسير المراغي
المراغي