فليكسرنّ الصليب، وليقتلنّ الخنزير، وليضعنّ الجزية، ولتتركنّ القلاص «١»، فلا يسعى عليها، ولتذهبنّ الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال، فلا يقبله أحد».
التجارة الرابحة
[سورة الصف (٦١) : الآيات ١٠ الى ١٤]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (١٤)
الإعراب:
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ خبر معناه الأمر، أي آمنوا، بدليل قوله تعالى: يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ بجزم يَغْفِرْ على الجواب، وتقديره: آمنوا، إن تؤمنوا يغفر لكم، ولولا أنه في معنى الأمر، لما كان للجزم وجه.
وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ.. أُخْرى: إما في موضع جر عطفا على قوله:
تِجارَةٍ وتقديره: وعلى تجارة أخرى، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه. وإما في موضع رفع على الابتداء، أي ولكم خلة أخرى. والوجه الأول أوجه. وتُحِبُّونَها: جملة فعلية في موضع جر أو رفع، لأنها وصف بعد وصف. ونَصْرٌ مِنَ اللَّهِ: خبر مبتدأ محذوف، أي هي نصر من الله.
فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ ظاهِرِينَ: خبر (أصبح) المنصوب.
البلاغة:
هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ؟ استفهام للترغيب والتشويق.
فَآمَنَتْ طائِفَةٌ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
تِجارَةٍ التجارة هنا: العمل الصالح، وهي في الأصل: تداول البيع والشراء لأجل الكسب. تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ.. أي تدومون على الإيمان، وهو كلام مستأنف مبين لنوع التجارة وهو الجمع بين الإيمان والجهاد، والمراد به الأمر، أي آمنوا، وإنما جيء بلفظ الخبر إيذانا بأن ذلك مما لا يترك. ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ أي ما ذكر من الإيمان والجهاد. إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ إن كنتم من أهل العلم، إذ الجاهل لا يعتد بفعله.
يَغْفِرْ جواب للأمر المراد من الخبر: تُؤْمِنُونَ أو جواب الشرط المقدر أي إن تفعلوه يغفر. طَيِّبَةً طاهرة خالصة. جَنَّاتِ عَدْنٍ بساتين إقامة دائمة. ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ إشارة إلى ما ذكر من المغفرة وإدخال الجنة.
وَأُخْرى أي ولكم نعمة أخرى أو يؤتكم نعمة أخرى. تُحِبُّونَها فيه تعريض بأنهم يؤثرون العاجل على الآجل. وَفَتْحٌ قَرِيبٌ نصر عاجل، وهو فتح مكة. وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بالنصر والفتح، وهو معطوف على محذوف وهو: قل: يا أيها الذين آمنوا، أو على تُؤْمِنُونَ الذي هو في معنى الأمر، أي آمنوا وجاهدوا وبشرهم يا رسول الله بما وعدتهم عليهما عاجلا وآجلا.
كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ أي بعض أنصار الله أي الناصرين لدينه، أي قل لهم كما قال عيسى.
لِلْحَوارِيِّينَ أصفياء عيسى وخواصه، وهم أول من آمن به، وكانوا اثني عشر رجلا، والحواري:
صفي الرجل وخليله، من الحور: البياض الخالص. مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ أي من جندي متوجها إلى نصرة الله. فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ آمنت جماعة بعيسى عليه السلام، وقالوا: إنه عبد الله رفع إلى السماء. وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ بعيسى، لقولهم: إنه ابن الله رفعه إليه، فاقتتلت الطائفتان. فَأَيَّدْنَا قوّينا وساعدنا، أي بالحجة أو بالحرب، وذلك بعد رفع عيسى.
الَّذِينَ آمَنُوا من الطائفتين. عَلى عَدُوِّهِمْ الطائفة الكافرة. ظاهِرِينَ غالبين بالحجة والبينة.
سبب النزول:
نزول الآية (١٠) :
هَلْ أَدُلُّكُمْ..: أخرج ابن جرير عن أبي صالح قال: قالوا: لو كنا نعلم أي الأعمال أحب إلى الله وأفضل؟ فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ.. الآية، فكرهوا الجهاد، فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه. وأخرج عن ابن عباس، وابن جرير عن الضحاك قال: أنزلت: لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ في الرجل يقول في القتال ما لم يفعله من الضرب والطعن والقتل.
نزول الآية (١١) :
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ... : أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ قال المسلمون: لو علمنا ما هذه التجارة، لأعطينا فيها الأموال والأهلين، فنزلت: تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.
المناسبة:
بعد حث المؤمنين على الجهاد في سبيل الله، وتحذيرهم من المخالفة، حتى لا يكونوا أمثال بني إسرائيل الذين خالفوا موسى وعيسى، ذكر الله تعالى أن التجارة الرابحة التي لا تبور هي في الإيمان بالله والجهاد في سبيله بالمال والنفس.
ثم حث على مناصرة دين الله تعالى وشرعه ورسوله ﷺ كما ناصر الحواريون عيسى عليه السلام.
التفسير والبيان:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ أي يا أيها الذين صدقوا بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ألا أرشدكم إلى تجارة نافعة رابحة، تحققون بها النجاح والنجاة من العذاب الشديد المؤلم يوم القيامة؟
وهذا أسلوب فيه ترغيب وتشويق، وقد جعل العمل الصالح لنيل الثواب العظيم بمنزلة التجارة، لأنهم يربحون فيه كما يربحون فيها، وذلك بدخولهم الجنة ونجاتهم من النار، ونوع التجارة كما بيّنت الآيتان التاليتان، ومعناهما أن الإيمان والجهاد ثمنهما من الله الجنة، وذلك بيع رابح، كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة ٩/ ١١١].
ثم بين نوع التجارة بقوله:
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ أي هي أن تدوموا على الإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتخلصوا العمل لله، وتجاهدوا من أجل إعلاء كلمة الله ونشر دينه بالأنفس والأموال. وقدم تعالى الأموال، لأنها التي يبدأ بها في الإنفاق.
ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي ذلك المذكور من الإيمان والجهاد خير لكم وأفضل من أموالكم وأنفسكم، ومن تجارة الدنيا والاهتمام بها وحدها، إن كنتم من أهل العلم والوعي للمستقبل، فإن المهم هو النتائج والغايات، ولا يدرك تلك الغاية النبيلة أهل الجهل.
والجهاد نوعان: جهاد النفس: وهو منعها عن الشهوات، وترك الطمع والشفقة على الخلق ورحمتهم، وجهاد العدو: وهو مقاومة الأعداء ورد عدوانهم من أجل نشر دين الله تعالى.
ثم ذكر ثمرة الإيمان والجهاد، فقال:
يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، وَمَساكِنَ طَيِّبَةً، فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ، ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ أي إن فعلتم ما أمرتكم به ودللتكم، غفرت لكم ذنوبكم، وأدخلتكم الجنات التي تجري من تحت قصورها الأنهار، والمساكن الطيبات للنفوس، والدرجات العاليات في جنات الإقامة الدائمة التي لا تنتهي بموت ولا خروج منها، وذلك المذكور من المغفرة وإدخال الجنات هو الفوز الساحق الذي لا فوز بعده. وهذه هي الفائدة الأخروية.
ثم ذكر الله تعالى الفائدة الدنيوية بقوله:
وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ أي ولكم خصلة أو نعمة أخرى تعجبكم هي نصر مبين من الله لكم، وفتح عاجل للبلاد كمكة وغيرها من فارس والروم، أي إذا قاتلتم في سبيل الله، ونصرتم دينه، تكفل الله بنصركم، كما قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ، وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ [محمد ٤٧/ ٧] وقال سبحانه: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج ٢٢/ ٤٠].
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ أي وبشر أيها الرسول المؤمنين بالنصر العاجل في الدنيا، وبالجنة في الآخرة.
ثم أمرهم الله تعالى بنصرة دينه ورسوله ﷺ في كل وقت، فقال:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ: نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ أي يا أيها الذين صدقوا بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، دوموا على ما أنتم عليه من نصرة دين الله وتأييد شرعه ورسوله صلى الله عليه وسلم، في جميع الأحوال بالأقوال والأفعال، والأنفس والأموال،
واستجيبوا لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، كما استجاب الحواريون (أصفياء المسيح وخلصاؤه) لعيسى حين قال لهم: من الذي ينصرني ويعينني في الدعوة إلى الله عز وجل، ومن منكم يتولى نصري وإعانتي فيما يقرب إلى الله، أو من أنصاري متجها إلى نصرة الله؟
قال الحواريون: وهم أنصار المسيح وخلّص أصحابه، وأول من آمن به، وكانوا اثني عشر رجلا: نحن أنصار دين الله، ومؤيدوك ومؤازروك فيما أرسلت به، فبعثهم دعاة إلى دينه في بلاد الشام في الإسرائيليين واليونانيين.
وهكذا
كان رسول الله ﷺ ينادي في أيام الحج: «من رجل يؤويني حتى أبلّغ رسالة ربي، فإن قريشا قد منعوني أن أبلّغ رسالة ربي؟» حتى قيّض الله الأوس والخزرج من أهل المدينة، فبايعوه على نشر دينه في بلدهم.
فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ، وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ أي لما بلّغ عيسى رسالة ربه إلى قومه، وآزره الحواريون، اهتدت طائفة من بني إسرائيل إلى الإيمان الحق وآمنوا بعيسى على حقيقته أنه عبد الله ورسوله، وضلّت طائفة أخرى، وكفرت بعيسى، وجحدوا نبوته، واتهموه وأمه بالفاحشة، وتغالت جماعة أخرى من أتباعه حتى رفعوه فوق ما أعطاه الله من النبوة، فوصفوه بأنه ابن الله أو هو الله أو ثالث ثلاثة: الأب والابن وروح القدس. وصارت النصارى فرقا وأحزابا كثيرة.
فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ، فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ أي فنصرنا المؤمنين على من عاداهم من فرق النصارى، وقوّينا المحقّين منهم بالحجة والروح من عندنا على المبطلين، فأصبحوا عالين غالبين عليهم، كما قال تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا [غافر ٤٠/ ٥١].
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ قال: قد كان ذلك بحمد الله، جاءه سبعون رجلا، فبايعوه عند العقبة، وآووه ونصروه، حتى أظهر الله دينه.
وأخرج ابن إسحاق وابن سعد: قال رسول الله ﷺ للنفر الذين لقوه بالعقبة: «أخرجوا إليّ اثني عشر منكم يكونون كفلاء على قومهم، كما كفلت الحواريون لعيسى ابن مريم». ثم قال رسول الله ﷺ للنقباء: «إنكم كفلاء على قومكم، ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل قومي، قالوا: نعم».
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يلي:
١- أرشد الله إلى التجارة الرابحة المنجّية المخلّصة من العذاب المؤلم في الآخرة، وهي الإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، والجهاد في سبيله بالأموال والأنفس. قال مقاتل في آية: هَلْ أَدُلُّكُمْ..: نزلت في عثمان بن مظعون، وذلك أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أذنت لي فطلّقت خولة، وترهّبت واختصيت وحرّمت اللحم، ولا أنام بليل أبدا، ولا أفطر بنهار أبدا!
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من سنتي النكاح، ولا رهبانية في الإسلام، إنما رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله، وخصاء أمتي الصوم، ولا تحرّموا طيبات ما أحل الله لكم، ومن سنتي أن أنام وأقوم وأفطر وأصوم، فمن رغب عن سنتي، فليس مني»
فقال عثمان: والله لوددت يا نبي الله، أي التجارات أحب إلى الله، فأتّجر فيها، فنزلت.
وهذا مع ما ذكر سابقا من حالات تعدد أسباب النزول.
٢- الإيمان والجهاد خير من الأموال والأنفس في الواقع وعند تأمل الإنسان مستقبله، وتعمقه في الفكر، لذا قال تعالى: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي إن كنتم
تعلمون أنه خير لكم، كان خيرا لكم، لأن نتيجة الخير إنما تحصل بعد اعتقاد كونه خيرا.
٣- إن جدوى الإيمان والجهاد في سبيل الله في الآخرة مغفرة الذنوب ودخول الجنات، والتمتع بالمساكن الطيبة الطاهرة في جنات إقامة دائمة، وتلك هي السعادة الدائمة الشاملة.
٤- وللإيمان والجهاد فائدة أو مزية أخرى في الدنيا وهي الظفر والنصر على الأعداء، وفتح بلاد الأعداء كمكة وفارس والروم في الماضي، وبشارة المؤمنين برضا الله عنهم.
٥- أمر الله تعالى بإدامة النصرة لدين الله تعالى والثبات عليه، كنصرة الحواريين (أصفياء) عيسى عليه السلام حين قال لهم: من ينصر دين الله ويؤازرني؟ فناصروه وآزروه.
٦- اختلف بنو إسرائيل والنصارى في شأن عيسى بعد رفعه إلى السماء، فمنهم من آمن به، ومنهم من كفر به، وصاروا ثلاث فرق: فرقة قالوا: كان الله فارتفع، وفرقة قالوا: كان ابن الله فرفعه إليه، وفرقة قالوا: كان عبد الله ورسوله فرفعه إليه، وهم المسلمون، واتبع كل فرقة منهم طائفة من الناس. ثم أيد الله الذين آمنوا بعيسى على أنه عبد الله ورسوله على الذين كفروا بعيسى، فأصبحوا غالبين.
ثم تأيدت الفئة الغالبة ببعثه النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فظهرت على الكافرة.
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الجمعةمدنيّة، وهي إحدى عشرة آية.
تسميتها:
سميت سورة الجمعة لاشتمالها على الأمر بإجابة النداء لصلاة الجمعة، في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ....
مناسبتها لما قبلها:
يتضح وجه اتصال هذه السورة بما قبلها من نواح أربع هي:
١- ذكر تعالى في السورة التي قبلها حال موسى مع قومه، وإيذاءهم له، مؤنبا لهم، وذكر في هذه السورة حال الرسول ﷺ وفضل أمته، تشريفا لهم، ليظهر الفرق بين الأمتين وفضل الأمة الاسلامية.
٢- بشّر عيسى عليه السلام في السورة المتقدمة بمحمد أو أحمد صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر في هذه السورة أنه هو الذي بشّر به عيسى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ.
٣- ختم الله تعالى سورة الصف السابقة بالأمر بالجهاد وسماه تِجارَةً وختم هذه السورة بالأمر بالجمعة، وأخبر أنه خير من التجارة الدنيوية.
٤- في السورة المتقدمة أمر الله المؤمنين بأن يكونوا صفا واحدا في القتال، صفحة رقم 181
فناسب تعقيب سورة القتال بسورة صلاة الجمعة التي تستلزم الصف، لأن الجماعة شرط فيها دون سائر الصلوات «١».
ما اشتملت عليه السورة:
موضوع هذه السورة كالسور المدنية بيان أحكام التشريع، والهدف منها هنا بيان أحكام صلاة الجمعة المفروضة بدلا عن الظهر في يوم الجمعة.
بدأت السورة كسابقتها بتنزيه الله وتمجيده ووصفه بصفات الكمال. ثم أشادت بأوصاف النبي ﷺ خاتم النبيين ورحمة الله المهداة وهي عروبته وتلاوته آيات القرآن على قومه وتزكيتهم وتعليمهم الكتاب والسنة، سواء في زمنه أم للأجيال المتلاحقة، وبيان كون ذلك فضلا من الله ونعمة ورحمة.
ثم نعت على اليهود لتركهم العمل بأحكام التوراة، وتشبيههم بالحمار الذي يحمل على ظهره الكتب النافعة، ولكنه لا يفهم منها شيئا، ولا يناله إلا التعب، وذلك الشقاء بعينه.
ثم ذكرت طلب مباهلة اليهود إن كانوا أولياء الله بتمني الموت.
وختمت السورة بالحث على أداء صلاة الجمعة وإيجاب السعي لها بمجرد النداء الذي ينادى لها بالأذان والإمام على المنبر، وأباحت السعي وكسب الرزق عقب انتهاء الصلاة، وعاتبت المؤمنين الذين تركوا النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يخطب على المنبر، ومسارعتهم لرؤية قافلة التجارة.
فضلها:
روى مسلم في صحيحة عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي