تمهيد :
لوّن القرآن في أساليب دعوته، ونوّع فيها، وصرّف في ألوان القول، وعدا بالجنة أو تخويفا من النار.
وهنا يعرض سلعة رابحة هي الجنة، في أسلوب من التشويق، فيبين أن مدة الدنيا محدودة، ومن يبيع ماله لله، ويقدّم نفسه للجهاد في سبيل الله، فإنه يقدّم رأس المال لصفقة متميزة.
يدفع العبد ماله ويقدم فسه للجهاد في سبيل الله ويشتري مغفرة من الله، وجنة متميزة بكلّ المتع وفوق ذلك يجد نصرا من الله وفتحا قريبا، وبشارة بالعزة والسيادة.
المفردات :
طيبة : طاهرة مستلذة.
جنات عدن : بساتين إقامة وخلود.
التفسير :
١٢- يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ .
تأتي هذه الآية في موقع الجزاء لما سبقها، أي : إن تؤمنوا وتجاهدوا كان جزاؤكم عند الله تعالى أن : يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ . أي : يمحو عنكم سيئاتكم، ويسترها عليكم، ولا يحاسبكم عليها.
وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ...
والفعل : يُدخلكم. مجزوم لأنه واقع في جزاء الشرط، أي : إن تؤمنوا وتجاهدوا : يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ...
فنعم الجزاء مغفرة الذنوب، وستر العيوب، ومحو السيئات، ودخول جنات وبساتين مخضرة مثمرة ناضرة، تجري المياه من تحتها، ثم يصف سبحانه مساكن المؤمنين المجاهدين والمؤمنات المجاهدات حيث يقول : وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ .
وهنا نجد الجزاء رابحا مفيدا مضاعفا، فعم الجزاء الجنة، ونعم الجزاء مساكن المجاهدين الذين ضحّوا بمساكهم في الدنيا ابتغاء أن يعوضهم الله في الآخرة مساكن طيبة الريح، عظيمة النفع، في جنات عَدْنٍ. أي : إقامة خالدة لا يخرجون منها، ذلك هو الفوز العظيم، والربح الباهر، فقد باعوا دنياهم واشتروا آخرتهم، باعوا أنفسهم لله في الدنيا واشتروا خلودا أبديا سرمديا.
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة