ﯾﯿﰀ

قوله :«سَنَسِمُهُ ». أي : نجعل له سمة، أي : علامة يعرف بها.
قال جرير :[ الكامل ]
٤٨١٨- لمَّا وضَعْتُ عَلى الفَرَزْدَقِ مِيسَمِي*** وعَلَى البَعيثِ جَدَعْتُ أنْفَ الأخْطَلِ١
والخرطوم : الأنف، وهو هنا عبارة عن الوجه كله من التعبير عن الكل بالجزء ؛ لأنه أظهر ما فيه وأعلاه، والخرطوم أيضاً : الخمر، وكأنه استعاره لها لأن الشنتمري قال : هي الخمر أول ما يخرج من الدَّن ؛ فجعلت كالأنف، لأنه أول ما يبدو من الوجه، فليست الخرطومُ الوجه مطلقاً، ومن مجيء الخرطوم بمعنى الخمر، قول علقمة بن عبدة :[ البسيط ]
٤٨١٩ - قَدْ أشْهَدَ الشَّرْبَ فِيهِمْ مِزْهَرٌ رَنِمٌ*** والقَوْمُ تَصْرعُهُمْ صَهْبَاءُ خرْطُومُ٢
وأنشد نضر بن شميل :[ البسيط ]
٤٨٢٠ - تَظَلُّ يَومَكَ في لَهْوٍ وفِي طَرَبٍ***وأنْتَ باللَّيْلِ شَرَّابُ الخَراطِيمِ٣

فصل في تفسير «سنسمه »


قال ابن عباس :«سَنَسِمُهُ » سنحطمه بالسَّيفِ، قال : وقد حطم الذي نزلت فيه يوم بدرِ بالسيف، فلم يزل محطوماً إلى أن مات٤.
وقال قتادةُ : سنسمهُ يوم القيامة على أنفه سِمَةً يعرفُ بها٥، يقال : وسمه وسماً وسمة إذا أثرت فيه بسمة وكيّ.
قال الضحاك : سنكويه على وجهه٦، وقد قال الله تعالى : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [ آل عمران : ١٠٦ ] فهي علامة ظاهرة، وقال تعالى : وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ زُرْقاً [ طه : ١٠٢ ] وهذه علامة أخرى ظاهرة. وأفادت هذه الآية علامة ثالثة، وهي الوسم على الأنف بالنار، وهذا كقوله : يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ [ الرحمن : ٤١ ].
قاله الكلبي وغيره وقال أبو العالية ومجاهدٌ : سَنَسِمُهُ عَلَى الخرطوم أي على أنفه، ويسودُّ وجهه في الآخرة، فعرف بسواد وجهه٧.
قال القرطبيُّ٨ :«والخرطوم : الأنف من الإنسان، ومن السباع موضع الشفة، وخراطيم القوم : سادتهم ».
قال الفراء : وإن كان الخرطومُ قد خُصَّ بالسِّمة فإنَّهُ في الوجه، لأن بعض الشيء يعبر به عن الكل.
وقال الطبريُّ : نبين أمره تبياناً واضحاً، فلا يخفى عليهم، كما لا تخفى السِّمةُ على الخراطيم.
وقال : المعنى : سنلحق به عاراً وسبة حتى يكون كمن وسم على أنفه.
قال القتيبي : تقول العرب للرجل يُسَبُّ سبة سوءٍ قبيحة باقية، قد وسم ميسم سوء، أي : ألصق به عار لا يفارقه، كما أن السمة لا يمحى أثرها.
وهذا كلهُ نزل في الوليد بن المغيرة، ولا شك أنَّ المبالغة العظيمة في ذمه، بقيت على وجه الأرض الدهر، ولا يعلم أن اللَّه تعالى بلغ من ذكر عيوب أحد ما بلغ منه، فألحق به عاراً لا يفارقه في الدنيا والآخرة، كالوسم على الخرطوم.
وقيل : ما ابتلاه اللَّهُ به في الدنيا في نفسه ؛ وأهله وماله من سوء، وذل وصغار، قاله ابن بحر.
وقال النضر بن شميل : المعنى سنحده على شرب الخمر، والخرطوم : الخمر، وجمعه : خراطيم، وأنشد البيت المتقدم.
قال ابن الخطيب٩ :«وهذا تعسفٌ ».
١ ينظر ديوانه ٣٣٥، والقرطبي ١٨/١٥٥ وروح المعاني ٢٩/٣٥، والدر المصون ٦/٣٥٤..
٢ ينظر ديوانه (١١٣)، والبحر ٨/٣٠٠، والدر المصون ٦/٣٥٤..
٣ البيت للأعرج، ينظر القرطبي ١٨/١٥٥، والبحر ٨/٣٠٠ والدر المصون ٦/٣٥٤، وروح المعاني ٢٩/٢٦..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/١٨٨) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٣٩٤) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه..
٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/١٨٨) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٣٩٤) وعزاه إلى عبد بن حميد وعبد الرزاق..
٦ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/١٥٥)..
٧ ينظر المصدر السابق..
٨ ينظر السابق..
٩ ينظر الفخر الرازي ٣٠/٧٧..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية