الخرطوم : هذا التعبير خاص بالفيل، والكلمة هنا على الاستعارة لفم القائل، فيكون في النار عقابا على قوله.
سنسمه : مشتقة من وسم أي جعل علامة للشيء. وخاصة العلامة التي تعلم بالكيّ على جلود الأنعام، وهي عادة عربية بدوية لتمييز الأنعام عن بعضها وخاصة الإبل.
فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ( ٥ ) بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ١ ( ٦ ) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( ٧ ) فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ( ٨ ) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ ٢ فَيُدْهِنُونَ( ٩ ) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ( ١٠ ) هَمَّازٍ ٣ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ ٤ ( ١١ ) مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ( ١٢ ) عُتُلٍّ ٥ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيم ٦ ( ١٣ ) أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ( ١٤ ) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ٧ ( ١٥ ) سَنَسِمُهُ ٨ عَلَى الْخُرْطُومِ ٩ ( ١٦ ) ( القلم٥-١٦ ).
شرح الآيات ( ٥-١٦ ) من سورة القلم
وما انطوى فيها من صور وتنبيهات
عبارة الآيات واضحة. وفيها حكاية لبعض ما وقع بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الكفار ورد عليهم وتنديد بهم وتثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم :
١- فقد أخذ بعضهم يعيره بأنه مفتون ضال خارج عن دين آبائه وتقاليدهم. فردت الآية الأولى عليهم بأن الحق لن يلبث أن يظهر ويُعرف من هو المفتون، ثم وجه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم منطوياً على التثبيت بأن ربه هو الأعلم بمن هو ضالّ حقا ومهتد حقّاً.
٢- وقد أخذ بعضهم يقترح على النبي صلى الله عليه وسلم أن يلاين فيلاينوا بالمقابلة. والملاينة التي طلبوها على ما ذكرته الروايات١عدم تسفيه أحلامهم وسبّ ألهتهم، ومشاركتهم في تقاليدهم وعباداتهم، والملاينة التي وعده بها هي تركه وشأنه أو مجاراته في بعض ما يدعو إليه. وكان بعضهم يحلف له الأيمان على ذلك، فأمرته الآيات بعدم تصديقهم وعدم إطاعتهم لأنهم كاذبون.
٣- وقد أخذ بعضهم إذا ما تلا النبي القرآن يقولون : إنه مقتبس من صحف الأول وقصصهم، منكرين أنه من وحي الله، معتزين بمالهم وأولادهم وقوتهم، وقد حملت الآيات حملة عنيفة على هؤلاء، فهم كاذبون مهينون، عيابون شتامون، مشاؤون بين الناس بالفساد والنميمة، مناعون للخير، غلاط القلوب لؤماء أو مدخولو الأنساب، وقد توعدتهم الآية الأخيرة بكيّ أفواههم بالنار، جزاء ما يصدر منها من الكذب والتكذيب والافتراء والأيمان الكاذبة الخداعة. وهو وعيد مستمد من عاداتهم ليكون تأثيره أشد في نفوسهم.
والضمير في الآيات ( ١٠-١٦ ) مفرد، وقد ذكر المفسرون٢ اسم الأخنس ابن شريق واسم الأسود بن عبد يغوث وقالوا إنها أحدهما. والآيات تبدأ بكلمة ( كل ). والآيات السابقة لها جاءت بصيغة الجمع ضمائر وأفعالاً ؛ حيث يسوغ ذلك القول أن أسلوبها أسلوب خطابي بسبيل التعبير عن طبقة وليس عن فرد، ولو صح ما ذكره المفسرون.
وفي الوقت نفسه انطوى فيها تنبيهات عامة للنبي صلى الله عليه وسلم، منها أن الذين هم على مثل تلك الأخلاق الذميمة لا يمكن أن يصدروا عن رغبة صادقة في الاهتداء، ومنها أن الملاينة في الحق والمبادئ والتساهل فيها لا يجوز أن يكون موضع بحث وجدل، وفي هذا ما فيه كذلك من التلقين القرآني الجليل المستمر المدى في كل زمن ومكان.
وعلى اعتبار أن هذه الآيات مما نزل مبكراً فإن فيها تأييداً لما استدللنا عليه من آيات سورة العلق من أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سار في الدعوة علناً منذ بدئها كما هو المتبادر.
ومع أن الآيات كما قلنا قبل هي بسبيل وصف أخلاق الطبقة الغنية المترفة التي تصدت لمناوأة الدعوة النبوية وأهدافها، فإن فيما احتوته من تنديد بالكذب والأيمان الكاذبة، والنميمة والعيب في الناس وشتمهم ومنع الخير عنهم، والبغي عليهم وغلظ القلب وقسوة العاطفة، تنطوي على تلقينات قرآنية جليلة مستمرة المدى، بوجوب احتقار ونبذ المتصفين بهذه الصفات، واجتناب هذه الصفات والأفعال الذميمة المكروهة، وتنقية النفس من الأوضار. ولقد تكرر ذم هذه الأخلاق والصفات، ومدح أضدادها في مختلف السور المكية والمدنية معا، وبكثرة تغني عن التمثيل مما فيه دلالة على شدة اهتمام القرآن بالأخلاق وتقويمها، على اعتبار كون أفعال الناس إنما تصدر عنها وتتأثر بها.
ونكتفي هنا بهذه الكلمة لأن التنديد بالأخلاق السيئة والتنويه بالأخلاق الحسنة سوف يتكرر في تجدد المناسبات الكثيرة الآتية.
ولقد أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث عديدة ورد بعضها في كتب الأحاديث الخمسة في الأخلاق السيئة المندد بها في الآيات. من ذلك حديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن حذيفة قال :" سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يدخل الجنة قتّاتٌ وفي رواية نمّام " ١. وحديث رواه الأربعة عن أبي هريرة قال :" سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن شرّ الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه " ٢وحديث رواه الترمذي عن أبي هريرة قال :" قال النبي صلى الله عليه وسلم : إياكم وسوء ذات البين فإنها الحالقة " ٣. وحديث رواه مسلم عن عبد الله قال :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أنبئكم ما العَضْهُ ؟ هي النميمة القالةُ بين الناس " ٤. وحديث رواه أبو داود عن عمّار قال :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان له وجهان في الدنيا كان له يوم القيامة لسانان من نار " ٥. وحديث رواه أبو داود عن أبي هريرة قال :" قال النبي صلى الله عليه وسلم إن من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم بغير حق، ومن الكبائر السبتان بالسبة " ٦. وحديث رواه أبو داود والترمذي عن أبي برزة قال :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتّبعوا عوراتهم، فإنه من اتّبع عوراتهم يتّبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته " ٧. وحديث رواه الترمذي عن عبد الله قال :" قال النبي صلى الله عليه وسلم : ليس المؤمن بالطّعّان ولا اللعّان ولا الفاحش ولا البذيء " ٨. وحديث رواه أبو داود عن سفيان بن أسيد قال :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كبرَت خيانة أن تحدّث أخاك حديثا هو لك به مصدّقٌ وأنت له به كاذب " ٩. وحديث رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" أربعٌ من كنّ فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خَلة ٌمنهن كانت فيه خلةٌ من نفاق حتى يدعها، إذا حدّث كَذبَ وإذا عَاهدَ غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خَاصمَ فَجرَ " ١٠.
وحديث رواه أبو داود عن أنس قال :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما عُرجَ بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقلت من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم " ١١. وحديث رواه الشيخان والترمذي عن حارثة بن وهب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ألا أخبركم بأهل الجنة، كلّ ضعيف متضاعف لو أقسم على الله لأبرّه. ألا أخبركم بأهل النار كل عتل جَوّاظ مستكبر " ١٢. وحديث رواه الترمذي عن الزبير بن العوام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" دبّ إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين. والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا. ألا أنبّئكم بما يثبت ذاكم لكم افشُوا السلامَ بينكم " ١٣.
وهكذا يتساوق التلقين القرآني مع التلقين القرآني في التنديد بالأخلاق السيئة. وهذا ليس كل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فهناك أحاديث كثيرة من بابها وردت في كتب ومساند أئمة آخرين فاكتفينا بما أوردناه نقلا من الكتب الخمسة. وهناك أحاديث أخرى في هذه الكتب سنوردها في مناسبات أكثر ملاءمة.
تعليق على مواقف المناوأة الذي وقفه الزعماء والأغنياء
ووصف الكذاب الحلاف بذي مال وبنين، يدل على أن الذين وقفوا من النبي صلى الله عليه وسلم هذه المواقف، وطلبوا منه المداهنة ونعتوه بالضلال، هم بصراحة من ذوي اليسار. وفي الآيات صورة ثانية من صور مواقف زعماء الكفار من الدعوة النبوية منذ بدئها، كرد فعل لما كان يتلوه النبي صلى الله عليه وسلم من آيات وسور قرآنية فيها دعوة ملحة إلى التصدق على الفقراء وإطعام المساكين، ونعي على شدة حب المال والتكالب عليه على ما شرحناه في سورة العلق.
تعليق على ما في التنديد بأخلاق المتصدين لمناوأة الدعوة النبوية من تلقين مستمر المدى،
ومع أن الآيات كما قلنا قبل هي بسبيل وصف أخلاق الطبقة الغنية المترفة التي تصدت لمناوأة الدعوة النبوية وأهدافها، فإن فيما احتوته من تنديد بالكذب والأيمان الكاذبة، والنميمة والعيب في الناس وشتمهم ومنع الخير عنهم، والبغي عليهم وغلظ القلب وقسوة العاطفة، تنطوي على تلقينات قرآنية جليلة مستمرة المدى، بوجوب احتقار ونبذ المتصفين بهذه الصفات، واجتناب هذه الصفات والأفعال الذميمة المكروهة، وتنقية النفس من الأوضار. ولقد تكرر ذم هذه الأخلاق والصفات، ومدح أضدادها في مختلف السور المكية والمدنية معا، وبكثرة تغني عن التمثيل مما فيه دلالة على شدة اهتمام القرآن بالأخلاق وتقويمها، على اعتبار كون أفعال الناس إنما تصدر عنها وتتأثر بها.
ونكتفي هنا بهذه الكلمة لأن التنديد بالأخلاق السيئة والتنويه بالأخلاق الحسنة سوف يتكرر في تجدد المناسبات الكثيرة الآتية.
ولقد أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث عديدة ورد بعضها في كتب الأحاديث الخمسة في الأخلاق السيئة المندد بها في الآيات. من ذلك حديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن حذيفة قال :" سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يدخل الجنة قتّاتٌ وفي رواية نمّام " ١. وحديث رواه الأربعة عن أبي هريرة قال :" سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن شرّ الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه " ٢وحديث رواه الترمذي عن أبي هريرة قال :" قال النبي صلى الله عليه وسلم : إياكم وسوء ذات البين فإنها الحالقة " ٣. وحديث رواه مسلم عن عبد الله قال :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أنبئكم ما العَضْهُ ؟ هي النميمة القالةُ بين الناس " ٤. وحديث رواه أبو داود عن عمّار قال :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان له وجهان في الدنيا كان له يوم القيامة لسانان من نار " ٥. وحديث رواه أبو داود عن أبي هريرة قال :" قال النبي صلى الله عليه وسلم إن من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم بغير حق، ومن الكبائر السبتان بالسبة " ٦. وحديث رواه أبو داود والترمذي عن أبي برزة قال :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتّبعوا عوراتهم، فإنه من اتّبع عوراتهم يتّبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته " ٧. وحديث رواه الترمذي عن عبد الله قال :" قال النبي صلى الله عليه وسلم : ليس المؤمن بالطّعّان ولا اللعّان ولا الفاحش ولا البذيء " ٨. وحديث رواه أبو داود عن سفيان بن أسيد قال :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كبرَت خيانة أن تحدّث أخاك حديثا هو لك به مصدّقٌ وأنت له به كاذب " ٩. وحديث رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" أربعٌ من كنّ فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خَلة ٌمنهن كانت فيه خلةٌ من نفاق حتى يدعها، إذا حدّث كَذبَ وإذا عَاهدَ غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خَاصمَ فَجرَ " ١٠.
وحديث رواه أبو داود عن أنس قال :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما عُرجَ بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقلت من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم " ١١. وحديث رواه الشيخان والترمذي عن حارثة بن وهب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ألا أخبركم بأهل الجنة، كلّ ضعيف متضاعف لو أقسم على الله لأبرّه. ألا أخبركم بأهل النار كل عتل جَوّاظ مستكبر " ١٢. وحديث رواه الترمذي عن الزبير بن العوام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" دبّ إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين. والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا. ألا أنبّئكم بما يثبت ذاكم لكم افشُوا السلامَ بينكم " ١٣.
وهكذا يتساوق التلقين القرآني مع التلقين القرآني في التنديد بالأخلاق السيئة. وهذا ليس كل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فهناك أحاديث كثيرة من بابها وردت في كتب ومساند أئمة آخرين فاكتفينا بما أوردناه نقلا من الكتب الخمسة. وهناك أحاديث أخرى في هذه الكتب سنوردها في مناسبات أكثر ملاءمة.
تعليق على مواقف المناوأة الذي وقفه الزعماء والأغنياء
ووصف الكذاب الحلاف بذي مال وبنين، يدل على أن الذين وقفوا من النبي صلى الله عليه وسلم هذه المواقف، وطلبوا منه المداهنة ونعتوه بالضلال، هم بصراحة من ذوي اليسار. وفي الآيات صورة ثانية من صور مواقف زعماء الكفار من الدعوة النبوية منذ بدئها، كرد فعل لما كان يتلوه النبي صلى الله عليه وسلم من آيات وسور قرآنية فيها دعوة ملحة إلى التصدق على الفقراء وإطعام المساكين، ونعي على شدة حب المال والتكالب عليه على ما شرحناه في سورة العلق.
التفسير الحديث
دروزة