ﮔﮕﮖﮗ

والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها أي بعد خلق السماء، ومعنى دحاها بسطها، وهذا يدلّ على أن خلق الأرض بعد خلق السماء، ولا معارضة بين هذه الآية وبين ما تقدّم في سورة فصلت من قوله : ثُمَّ استوى إِلَى السماء [ فصلت : ١١ ] بل الجمع بأنه سبحانه خلق الأرض أوّلاً غير مدحوّة ثم خلق السماء ثم دحا الأرض، وقد قدّمنا الكلام على هذا مستوفى هنالك، وقدّمنا أيضاً بحثاً في هذا في أوّل سورة البقرة عند قوله : هُوَ الذي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأرض جَمِيعاً [ البقرة : ٢٩ ] وذكر بعض أهل العلم أن بعد بمعنى مع كما في قوله : عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ [ القلم : ١٣ ]، وقيل : بعد بمعنى قبل كقوله : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور مِن بَعْدِ الذكر [ الأنبياء : ١٠٥ ] أي من قبل الذكر، والجمع الذي ذكرناه أولى، وهو قول ابن عباس وغير واحد، واختاره ابن جرير. يقال : دحوت الشيء أدحوه : إذا بسطته، ويقال : لعشّ النعامة أدحى لأنه مبسوط على الأرض، وأنشد المبرد :

دحاها فلما رآها استوت على الماء أرسى عليها الجبالا
وقال أمية بن أبي الصلت :
وبثّ الخلق فيها إذا دحاها فهم قطانها حتى التنادي
وقال زيد بن عمرو بن نفيل :
وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخراً ثقالاً
دحاها فلما استوت شدّها بأيد وأرسى عليها الجبالا
قرأ الجمهور بنصب الأَرْضَ على الاشتغال، وقرأ الحسن وعمرو بن ميمون وابن أبي عبلة وأبو حيوة وأبو السماك وعمرو بن عبيد ونصر بن عاصم بالرفع على الابتداء.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : رَفَعَ سَمْكَهَا قال : بناها وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا قال : أظلم ليلها. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه. وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا قال : وأظلم ليلها وَأَخْرَجَ ضحاها قال : أخرج نهارها. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها قال : مع ذلك. وأخرج عبد ابن حميد وابن أبي حاتم عنه أيضاً أن رجلاً قال له : آيتان في كتاب الله تخالف إحداهما الأخرى، فقال : إنما أتيت من قبل رأيك، قال : اقرأ قُلْ أَءنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذي خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ حتى بلغ ثُمَّ استوى إِلَى السماء [ فصلت : ٩ - ١١ ] وقوله : والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها قال : خلق الله الأرض قبل أن يخلق السماء، ثم خلق السماء، ثم دحى الأرض بعد ما خلق السماء، وإنما قوله : دحاها : بسطها.
وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال : دحاها أن أخرج منها الماء والمرعى وشقق فيها الأنهار وجعل فيها الجبال والرمال والسبل والآكام وما بينهما في يومين. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال : الطامة من أسماء يوم القيامة. وأخرج ابن مردويه عن عليّ بن أبي طالب «كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة فنزلت فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا ». وأخرج البزار وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن عائشة قالت :«ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة حتى أنزل الله فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا * إلى رَبّكَ منتهاها فانتهى فلم يسأل عنها». وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن طارق بن شهاب قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر ذكر الساعة حتى نزلت فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا * إلى رَبّكَ منتهاها فكفّ عنها. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس. قال السيوطي بسند ضعيف : إن مشركي مكة سألوا النبيّ فقالوا : متى الساعة استهزاءً منهم ؟ فأنزل الله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ مرساها يعني : مجيئها فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا يعني : ما أنت من علمها يا محمد إلى رَبّكَ منتهاها يعني : منتهى علمها. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت :«كانت الأعراب إذا قدموا على النبيّ صلى الله عليه وسلم سألوه عن الساعة، فينظر إلى أحدث إنسان منهم فيقول : إن يعش هذا قامت عليكم ساعتكم.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية