ﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶ

قوله : وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ اللاَّم في " ليُعَذِّبهُمْ " قد تقدَّم أنها لامُ الجحود، والجمهورُ على كسرها، وقرأ أبُو السَّمَّال(١) : بفتحها.
قال ابن عطية عن أبي زيد :" سمعت من العرب من يقول " ليُعَذِّبهُمْ " بفتح اللاَّم، وهي لغةٌ غيرُ معروفةٍ ولا مستعملةٍ في القرآن ". يعني في المشهور منه، ولمْ يَعْتَدَّ بقراءة أبي السمال، وروى ابن مجاهد(٢)عن أبي زيد فَتْحَ كلِِّ لامٍ عن بعض العربِ إلاَّ في الحمد للَّهِ [ الفاتحة : ٢ ] وروى عبد الوارث عن أبي عمرو : فتح لام الأمر من قوله : فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ [ عبس : ٢٤ ]، وأتى بخبر " كان " الأولى على خلاف ما أتى به في الثانية فإنَّه إمَّا أن يكون محذوفاً، وهو الإرادة كما يقدِّره البصريون أي : ما كان الله مُريداً لتعذيبهم وانتفاءُ إرادة العذاب أبلغُ من نفي العذاب، وإمَّا أنه أكَّدَهُ باللاَّم على رأي الكوفيين لأنَّ كينونته فيهم أبلغُ من استغفارهم، فشتَّان بين وجودِه عليه الصَّلاة والسَّلام، وبين استغفارهم.
وقوله " وأنتَ فيهِمْ " حال، وكذلك " وهُمْ يَسْتَغفرُونَ ".
والظَّاهر أنَّ الضمائرَ كلَّها عائدةٌ على الكفار.
وقيل : الضمير في " يُعذِّبَهُمْ " و " مُعَذِّبَهُمْ " للكفَّارِ، والضمير من قوله " وهُمْ " للمؤمنين.
وقال الزمخشريُّ :" وهُمْ يَسْتَغفرُونَ " في موضع الحال، ومعناه : نفيُ الاستغفار عنهم أي : ولو كانوا ممَّن يؤمن ويستغفر من الكفر لما عذَّبهم، كقوله تعالى : وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [ هود : ١١٧ ] ولكنهم لا يستغفرون، ولا يؤمنون ولا يتوقَّع ذلك منهم. وهذا المعنى الذي ذكره منقولٌ عن قتادة، وأبي زيد، واختاره ابنُ جريرٍ.

فصل


قال أبُو العباس المقرئ : ورد لفظ " في " في القرآن بإزاء ستَّةِ أوجه :
الأول : بمعنى " مع " كهذه الآية، وقوله تعالى : وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالحين [ النمل : ١٩ ] أي : مع عبادك، ومثله : فادخلي فِي عِبَادِي [ الفجر : ٢٩ ].
الثاني : بمعنى " على ". قال تعالى وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل [ طه : ٧١ ] أي : على جذوع النخل، ومثله : أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ أي : عليه.
الثالث : بمعنى " إلى " قال تعالى أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا [ النساء : ٩٧ ] أي : إليها.
الرابع : بمعنى " عن " قال تعالى : وَمَن كَانَ فِي هذه أعمى [ الإسراء : ٧٢ ] أي : عن هذه الآيات.
الخامس : بمعنى " من " قال تعالى : وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ [ النحل : ٨٩ ] أي : مِنْ كل أمة " شَهِيداً ".
السادس : بمعنى " عند " قال تعالى كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هذا [ هود : ٦٢ ].

فصل


اختلفوا في معنى هذه الآيةِ : فقال محمدُ بنُ إسحاق : هذا حكايةٌ عن المشركين، وهذه الآية متصلة بالآية التي قبلها، وذلك أنَّهُم كانوا يقولون إنَّ الله لا يعذبنا ونحن نستغفره، ولا يعذب الله أمة ونبيها معها، فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم يُذكِّره جهالتهم وغرتهم قال : وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ [ الأنفال : ٣٢ ] الآية وقال وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [ الأنفال : ٣٣ ] ثم قال ردّاً عليهم وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله وإن كنت بين أظهرهم، وإن كانوا يستغفرون وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام .
وقال آخرون : هذا الكلام مستأنف يقول الله إخباراً عن نفسه : وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ واختلفوا في تأويلها.
فقال الضحاكُ، وجماعة : تأويلها : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم مُقيم بين أظهرهم، قالوا : نزلت هذه الآية على النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو مقيم بمكَّةَ ثمَّ خرج من بين أظهرهم وبقيت به بقيَّة من المسلمين يستغفرون الله ؛ فأنزل اللَّهُ وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ثم خرج أولئك من بينهم فعُذِّبوا وأذن اللَّهُ في فتح مكَّة، وهو العذاب الأليم الذي وعدهم اللَّهُ " (٣).
قال ابن عباس " لم يعذِّب الله قريةً حتى يخرج النبي منها، والذين آمنوا ويلحق بحيث أمرَ " (٤).
قال أبو موسى الأشعريُّ : كان فيكم أمانان : وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ فأمَّا النبي صلى الله عليه وسلم فقد مضى، والاستغفار كائن فيكم إلى يومِ القيامةِ(٥).
فإن قيل : لمَّا كان حضوره مانعاً من نزول العذاب بهم، فكيف قال : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ [ التوبة : ١٤ ] ؟
فالجوابُ : المرادُ من الأوَّلِ عذاب الاستئصال، ومن الثاني : العذاب الحاصل بالمحاربة والمقاتلة.
وقال السديُّ : وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ أي : لو استغفروا، ولكنهم لم يكونوا مستغفرين ولو أقرُّوا بالذَّنب واستغفروا لكانوا مؤمنين(٦).
وقال عكرمةُ :" وهُمْ يَستَغْفرُونَ " يسلمون، يقول : لو أسلموا لما عذبوا(٧)، وروى الوالبي عن ابن عبَّاسٍ : أي : وفيهم من سبق له من الله أنه يؤمن ويستغفر كأبي سفيان، ومصعب بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو وحكيم بن حزام، وغيرهم(٨).
وروى عبد الوهاب عن مجاهدٍ :" وهُمْ يستغْفِرُونَ " أي : وفي أصلابهم من يستغفر(٩).
١ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٥٢١، البحر المحيط ٤/٤٨٣، الدر المصون ٣/٤١٥..
٢ المصدر السابق..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢٣٦)..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/١٣٤) وذكره البغوي في "معالم التنزيل" (٢/٢٤٦) عن ابن عباس..
٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢٣٤) عن أبي موسى وذكره البغوي في "معالم التنزيل" (٢/٢٤٦).
وقد ورد هذا مرفوعا من حديث أبي موسى.
أخرجه الترمذي (٦٥/٢٥٢) كتاب التفسير حديث (٣٠٨٢) من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن عباد بن يوسف عن أبي بردة عن أبيه مرفوعا.
وقال الترمذي: هذا حديث غريب وإسماعيل بن مهاجر يضعف في الحديث. قلت: وأثر أبي موسى الموقوف له شواهد عن أبي هريرة وابن عباس. أثر أبي هريرة:
أخرجه الحاكم (١/٢٤٥) والبيهقي في "شهب الإيمان" رقم ٦٥٤ وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وقد اتفقا على أن تفسير الصحابي حديث مسند ووافقه الذهبي.
أثر ابن عباس:
أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٦٥٥)..

٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢٣٥) وذكره البغوي في "معالم التنزيل" (٢/٢٤٦)..
٧ انظر: المصدر السابق..
٨ انظر: المصدر السابق..
٩ ذكره البغوي في "معالم التنزيل" (٢/٢٤٦) من طريق عبد الوهاب عن مجاهد..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية