ﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶ

ثم إن الله قال : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ٣٣ [ الأنفال : الآية ٣٣ ] هذه الآية الكريمة تشكل كثيرا على العلماء وعلى من يتعاطون التفسير، ونحن - إن شاء الله- سنوضح ما فيها من الإشكال حتى يفهمها طالب العلم فهما واضحا- حاصل هذا أنه أولا جعل لهم أمانين من العذاب :
أحد الأمانين : وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، وهو قوله : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم لأن الله ( جل وعلا ) لم ينزل العذاب بأمة ونبيها موجود فيها، بل إذا أراد إنزال العذاب بهم أمر نبيهم أن يخرج عنهم فينزل عليهم العذاب بعد أن فارقهم.
الأمان الثاني هو المذكور في قوله : وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون .
ومع ذكر الأمانين قال بعده : وما لهم ألا يعذبهم الله [ الأنفال : الآية ٣٤ ] أي شيء ثبت لهم يمنعهم من التعذيب وهم يصدون الناس عن المسجد الحرام ، ويفعلون ويفعلون ؟ فيقول طالب العلم : كيف يقول : إن لهم أمانين ويصرح بأنه لا شيء يمنعهم من العذاب ؟ هذا محل الإشكال الذي أشكل على كثير من المنتسبين للعلم.
أحدها : أن المعنى : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فبقي المستغفرون.
واعلموا أن هذا الاستغفار فيه أقوال معروفة عند العلماء متقاربة لا يكذب بعضها بعضا، كل واحد منها مروي عن جماعة من السلف من علماء التفسير، قال بعض العلماء : وهم يستغفرون هذا من إطلاق المجموع مرادا به بعضه، وأن المراد بالمستغفرين خصوص المؤمنين المستضعفين. الكائنين بين أظهرهم، ومن أساليب اللغة العربية : إطلاق المجموع مرادا بعضه. كما قال تعالى : فكذبوه فعقروها [ الشمس : الآية ١٤ ] والعاقر واحد، كما قال تعالى : فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر ٢٩ [ القمر : الآية ٢٩ ] ومما يوضح هذا قراءة حمزة والكسائي : فإن قتلوك فاقتلوهم [ البقرة : الآية ١٩١ ] بالفعلين من القتل بالفعل المجرد ؛ لأن المقتول لا يقتل قاتله – والمعنى : فإن قتلوكم، أسند الفعل إلى مجموعهم الصادق ببعضهم وهو المقتولين، والمراد بالقتال، الذين بقوا ولم يقتلوا منهم. وهذا أسلوب عربي معروف، ونظيره في القرآن بان الله بين في سورة الحديبية أن وجود أولئك المستضعفين كان سببا مانعا من نزول العذاب الدنيوي بالكفار، كما سيأتي إيضاحه في تفسير قوله : ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرة إلى قوله : لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذبا أليما [ الفتح : الآية ٢٥ ] لو تزيلوا أي : لو يتميز بعضهم عن بعض، فتميز المشركون عن ضعفاء المسلمين الكائنين فيهم لعذبناهم عذابا شديدا فرفع الله عنهم العذاب لوجود ضعفاء المسلمين الكائنين بين أظهرهم، والذين قالوا هذا القول قالوا : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فبقي لهم أمان، وهو استغفار المؤمنين الكائنين فيهم، منع الله به أن ينزل العذاب ؛ لأنه إذا نزل عم الصالح والطالح. فبعد ذلك خرج المؤمنون الذين كانوا يستغفرون فقال : وما لهم ألا يعذبهم الله [ الأنفال : الآية ٣٤ ] وقد زال عنهم الأمانان بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخروج المستضعفين الذين كانوا يستغفرون.
واختار كبير المفسرين أبو جعفر بن جرير ( رحمه الله ) أنه جعل لهم أمانين : أحدهما على التعليق والمعنى : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ٣٣ [ الأنفال : الآية ٣٣ ] لو استغفروا. إلا أنك أنت خرجت وهم لم يستغفروا فانتفى الأمانان فحق عليهم العذاب ؛ ولذا قال : وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام [ الأنفال : الآية ٣٤ ]. وهذا معنى معروف في كلام العرب ؛ لأن المعنى : وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون لو استغفروا، إلا أنهم لم يستغفروا فصار لا مانع من العذاب، كما قال تعالى : وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ١١٧ [ هود : الآية ١١٧ ] أي : لو كانوا مصلحين لما نزل بهم العذاب، لكنهم لم يصلحوا فنزل بهم العذاب.
وقال بعض العلماء : المستغفرون هم المشركون، وذلك أنهم كانوا إذا لبوا تلبيتهم المعرفة وقالوا :( لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك ) ابتهلوا بعد ذلك يستغفرون وقالوا :( غفرانك ربنا، غفرانك ربنا، غفرانك ربنا ) قال بعض العلماء : هذا الاستغفار الدنيوي دفع الله عنهم به العذاب. وهذا أضعفها وأبعدها.
القول الثاني : أن معنى يستغفرون : يتوبون إلى الله من كفرهم ويسلمون ؛ لأن الله علم بان في أهل مكة وقت قولهم : إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء [ الأنفال : الآية ٣٢ ] علم بعلمه الأزلي أن فيهم ناسا وطائفة سينيبون إلى الله ويستغفرونه ويؤمنون بالله كما آمنت خلائق منهم يوم الفتح وناس قبل ذلك. وعلى هذا القول : وما كان الله معذبهم وهم في علمه يستغفرون ويتوبون من الكفر إلى الإيمان، فلذلك أخر عنهم العذاب.
وعلى هذا القول : فقوله : وما لهم ألا يعذبهم الله في الذين علم في سابق علمه أنهم لا يسلمون ولا يتوبون، وهم الذين عذبهم الله وقتلهم يوم بدر، وجعل لهم عذاب الآخرة متصلا بعذاب الدنيا والعياذ بالله.

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير