وقال الآخرون هذا كلام مستأنف، روى البخاري عن انس قال : قال : أبو جهل بن هشام : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو أئتنا بعذاب أليم فنزلت وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم (١) إخبار عن نفسه فاختلفوا في تأويلها فقال الضحاك وجماعة وكذا أخرج ابن جرير عن ابن أبزي تأويلها وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم مقيم بين أظهرهم بيان لموجب إهمالهم والتوقف لإجابته دعائهم وللام لتأكيد النفي والدلالة على أن تعذيبهم عذاب استئصال والنبي بين أظهرهم خارج عن عادة الله تعالى غير مستقيم في قضائه خصوصا حال كونك فيهم وقد بعثت رحمة للعالمين وفيه إشعار بانهم يرصدون بالغذاب إذا هاجرت من بينهم، قالوا : نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم وهو مقيم بمكة ثم خرج من بين أظهرهم وبقيت بها بقية من المسلمين يستغفرون الله فأنزل الله وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون يعني فيهم من يستغفرون وهم المسلمون ثم خرج أولئك من بينهم فعذبوا وأذن الله في فتح مكة، وهو العذاب الأليم الذي وعدهم، ويدل على أن كون المؤمنين بينهم واستغفارهم منعهم من العذاب قوله تعالى ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم إلى قوله : لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما . (٢) قال ابن عباس : لم يعذب الله قرية حتى يخرج النبي منها والذين آمنوا ويلحق بحيث يؤمر فقال : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله ليعذبهم وهم يستغفرون ٣٣ يعني المسلمين فلما خرجوا قال : الله تعالى مالهم أن لا يعذبهم الله أي مالهم مما يمنع إذا زال ذلك وكيف لا يعذبون وهم يصدون الناس عن المسجد الحرام وحالهم ذلك، ومن صدهم إلجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الهجرة فعذبهم الله يوم بدر، قال : أبو موسى الأشعري كان فيكم أمانان وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون فأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد مضى والاستغفار كائن فيكم إلى القيادة، وأخرج الترمذي وضعفه عن أبي موسى قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أنزل الله علي أمانين لأمتي وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون فإذا مضيت فيهم تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة " (٣)وقال بعضهم هذا الاستغفار راجع إلى المشركين. أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : كان المشركون يطفون بالبيت ويقولون غفرانك فأنزل الله تعالى وما كان الله ليعذبهم الآية، وأخرج ابن جرير عن يزيد بن رومان قالت قريش بعضها لبعض : محمد أكرم الله من بيننا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء فلما أمسوا ندموا على ما قالوا : فقالوا غفرانك اللهم فقال : الله سبحانه وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون إلى قوله لا يعلمون .
قال قتادة والسدي : معنى ما كان الله معذبهم وهم يستغفرون أن لو استغفروا لم يعذبهم الله لكنهم لم يستغفروا ولو أقروا بالذنب واستغفروا لكانوا مؤمنين نظيره قوله تعالى وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون (٤)وقيل معنى الآية أن الله تعالى يدعوهم إلى الإسلام ومصاحبة الرسول والاستغفار بهذا الكلام كالرجل يقول لغيره لا أعاتبك وأنت تطيعني أي أطعني حتى لا أعاتبك، وقال مجاهد وعكرمة وهم يستغفرون أي يسلمون يقول لو أسلموا ما عذبوا.
وروى الوالبي عن ابن عباس أن معناه وفيهم من سبق له من الله أنه يؤمن ويستغفر وذلك مثل أبي سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو وحكيم بن حزام وغيرهم.
٢ سورة الفتح، الآية ٢٥..
٣ أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأنفال (٣٠٨٢)..
٤ سورة هود، الآية: ١١٧..
التفسير المظهري
المظهري