العقوبة عليهم؛ وذلك أن الذنوب سبب البلاء فلا يبعد أن يكون الاستغفار سبب دفعه؛ ولهذا قال ابن عباس: كان فيهم أمانات: نبي الله والاستغفار (١)، وقال أبو موسى: إنه كان فيكم (٢) أمانات: النبي (٣) والاستغفار، فأما النبي - ﷺ - فقد مضى، وأما الاستغفار فهو فيكم إلى يوم القيامة (٤).
٣٤ - وقوله تعالى: وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ الآية، معنى (ما) هاهنا: إيجاب (٥) العذاب عليهم، ومخرجها مخرج الاستفهام، وهو أبلغ في معنى الإيجاب، أي: لا جواب لمن سأل عن مثل هذا يصح في نفي العذاب عنهم، والمعنى: لم لا يعذبهم الله وهذا فعلهم (٦)؟ وموضع (أن) في قوله: (ألا) نصب على معنى: أي شيء في ألاّ يعذبهم الله، إلا أنه لما حذف الجار عمل معنى الفعل.
(٢) في (س): (فيهم).
(٣) في (م): (نبي الله).
(٤) رواه ابن جرير ٩/ ٢٣٦ مع زيادة: دائر، ولفظه: فهو دائر فيكم، والثعلبي ٦/ ٥٨/ ب، والبغوي ٣/ ٣٥٣ مع زيادة: كائن، ولفظهما: فهو كائن فيكم، وقد روى الأثر مرفوعًا الترمذي (٣٢٧٧) "سننه"، و" أبواب تفسير القرآن" (٣٢٧٧)، وقال: هذا حديث غريب، وإسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر يضعف في الحديث.
(٥) في (ح): (لإيجاب).
(٦) قال أبو حيان في "البحر المحيط" ٤/ ٤٩٠: الظاهر أن (ما) استفهامية، أي: أي شيء لهم في انتفاء العذاب، وهو استفهام معناه التقرير، أي: كيف لا يعذبهم وهم يتصفون بهذه الحالة، وقيل (ما) للنفي، فيكون إخبارًا، أي: وليس لهم أن لا يعذبهم الله، أي ليس ينتفي العذاب عنهم مع تلبسهم بهذه الحال.
قال ابن عباس في رواية عطاء في قوله: وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ يريد المقيمين على الشرك حتى ماتوا أو قتلوا ببدر (١)، وكذلك قال عطية (٢)، والضحاك (٣)، والكلبي (٤)، وغيرهم (٥) قالوا: قوله: وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ يعني: المشركين خاصة بعد خروج من عنى بقوله: (وهم يستغفرون) من بينهم.
واختلفوا في هذا العذاب، فقيل: لحقهم هذا العذاب المتوعد به يوم بدر (٦)، وقال ابن أبزى (٧): هذا العذاب لحقهم يوم فتح مكة (٨)، وقال ابن عباس: هذا عذاب الآخرة، والذي في الآية الأولى: عذاب الدنيا (٩)
وقوله تعالى: وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [قال أبو إسحاق: مفعول الصد محذوف، المعنى: وهم يصدون عن المسجد الحرام
(٢) رواه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" ٣/ ٣٢٨.
(٣) رواه ابن جرير ٩/ ٢٣٤ - ٢٣٥، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" ٢/ ٣٨٣.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) انظر: "تفسير ابن جرير" ٩/ ٢٣٤ - ٢٣٥
(٦) رواه ابن جرير ٩/ ٢٣٧، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٩٣، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" ٢/ ٣٨١، عن ابن عباس.
(٧) هو: سعيد بن عبد الرحمن. تقدمت ترجمته.
(٨) رواه ابن جرير ٩/ ٢٣٤، وابن أبى حاتم ٥/ ١٦٩٣.
(٩) رواه ابن جرير ٩/ ٢٣٥.
أولياءه (١)] (٢)، وقال الكلبي: صدوا النبي - ﷺ - وأصحابه أن يطوفوا، قال ابن إسحاق: أي: إياك ومن آمن بك (٣).
وقوله تعالى: وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ قال الحسن: إن المشركين قالوا: نحن أولياء المسجد الحرام؛ فرد الله عليهم (٤)، وقال الكلبي: وما كانت قريش أولياء المسجد الحرام، إن أولياء المسجد إلا (٥) المتقون الكفر والشرك والفواحش (٦)، وأوجز أبو علي القول في معنى الآيتين فقال في قوله: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ: أي: عذاب الاستئصال؛ لأن أمم الأنبياء إذا أُهلكوا (٧) لم يكن أنبياؤهم فيهم، وعلى هذا قال: وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ [الدخان: ٢١]، وقال: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ [هود: ٨١]، الآية، وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ أي: ومؤمنوهم يستغفرون ويصلون، وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ أي: بالسيف في (٨) صدهم
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (س).
(٣) "السيرة النبوية" ٢/ ٣٦٦، ونص قول ابن إسحاق: أي من آمن بالله وعبده، أي أنت ومن اتبعك.
(٤) رواه البغوي ٣/ ٣٥٤، وانظر: "زاد المسير" ٣/ ٣٥٢، و"الوسيط" ٢/ ٤٥٨.
(٥) ساقط من (م).
(٦) رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص ١٨١، عن الكلبي، عن ابن عباس، وهو في "تفسير السمرقندي" ٢/ ١٦ مختصرًا.
(٧) في (م) و (س): (هلكوا). وما أثبته موافق لما في "الحجة".
(٨) ساقط من (ح).
عن المسجد الحرام المسلمين من غير أن يكون لهم عليه (١) ولاية (٢)، وهذا معنى قوله: وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ وهذا العذاب غير الأول، وإنما هو عذاب بالسيف، وليس بانتقام عام شامل كالأول.
وقال عطاء عن ابن عباس: وما كانوا للنبي بأولياء (٣)، إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ يريد: المهاجرين والأنصار، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ يريد: غيب علمي، وما سبق في قضائي وقدرتي (٤).
(٢) اهـ. كلام أبي علي، انظر: "الحجة للقراء السبعة" ٤/ ٣٤٨.
(٣) سبق بيان وهاء هذه الرواية، وهذا القول لا يدل عليه السياق إذ ليس للنبي - ﷺ - ذكر في هذه الآيات بضمير الغائب، وللمفسرين في عود هاء الكناية في هذه الكلمة قولان:
١ - أنها ترجع إلى المسجد، وهو الراجح لأنه أقرب مذكور، وقد نسب ابن الجوزي ٣/ ٣٥٢ هذا القول إلى الجمهور، واختاره الثعلبي ٦/ ٥٨/ ب، والبغوي ٣/ ٣٥٤، والزمخشري ٢/ ١٥٦، وابن كثير ٢/ ٣٣٩. والمعنى: وما كان المشركون أولياء المسجد الحرام وأهله، وإنما أولياؤه المتقون وهم النبي - ﷺ - ومن آمن به.
٢ - أنها ترجع إلى الله تعالى، وهذا اختيار ابن جرير ٩/ ٢٣٩. والمعنى: وما كان المشركون أولياء الله.
(٤) لم أجد أحدًا ذهب إلى هذا المعنى، ولا دلالة في الآية عليه، والذي عليه المفسرون أن المعنى: ولكن أكثرهم لا يعلمون أن أولياء الله المتقون، أو لا يعلمون أن أولياء المسجد هم المتقون، انظر: " تفسير ابن جرير" ٩/ ٢٣٩، وابن الجوزي ٣/ ٣٥٢، وأبي السعود ٤/ ٢٠، وذهب السمرقندي ٢/ ١٦ إلى أن المعنى: لا يعلمون توحيد الله.
وقول من قال: إن هذه الآية ناسخة للآية التي قبلها، ليس بشيء، وهذا يروى عن الحسن وعكرمة (١)، وقال أهل العلم وأصحاب المعاني: هذا غلط؛ لأن الخبر لا ينسخ (٢).
وذكر أبو إسحاق الزجاج معنى آخر لهذه الآية هو أليق بما قبلها وهو أنه قال في قوله: وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ: المعنى: وأي شيء لهم في ترك العذاب، أي في دفعه عنهم وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (٣).
ومعنى هذا الكلام: وأي شيء لهم في ترك عذابهم، أي: إنا وإن تركنا عذابهم يكفيهم من الخسارة في حالتهم أنهم يصدون عن المسجد الحرام، وأنهم حرموا موالاة محمد - ﷺ - ولو أراد الله بهم خيرًا ما فعلوا ذلك (٤).
(٢) انظر: "تفسير ابن جرير" ٩/ ٢٣٨، و"الناسخ والمنسوخ" للنحاس ٢/ ٣٨١، و"المحرر الوجيز" ٦/ ٢٨٦.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٤١٢.
(٤) هذا فهم الواحدي لعبارة الزجاج، والذي أراه أن الزجاج لم يقصد هذا المعنى، وإنما مراده: وأي شيء يدفع عنهم العذاب وهم يصدون عن المسجد الحرام. ويدل على هذا المعنى كلامه اللاحق، فقد قال بعد تفسير الآية: فأعلم الله النبي - ﷺ - أنه لم يكن ليعذبهم بالعذاب الذي وقع بهم من القتل والسبي وهو بين أظهرهم، ولا ليوقع ذل العذاب بمن يؤول أمره إلى الإسلام منهم، وأعلمه أنه يدفع العذاب من جملتهم الذي أوقعه بهم. "معانى القرآن وإعرابه" ٢/ ٤١٢، فالجملة الأخيرة تفسير لقوله السابق الذي ذكره الواحدي.
وشرح صاحب النظم المذهبين في قوله: وَمَا لَهُمْ شرحًا شافيًا فقال: قوله (١): وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ أصحاب العربية اختلفوا في معنى هذه الكلمة وفي قولهم: ما لزيد قائمًا؟ فزعم بعضهم أن قولك: مالك وما لزيد؟ استفهام عن حال أنكرتها، فإذا قلت: ما لزيد قائمًا؟ فكأنك قلت: ما له في القيام؟ أي: أي شيء [له فيه من نفع أو غيره؟ وهذا وجه قول الزجاج (٢)، قال: وقال بعضهم: إن قولك: (مالك)، مثل قولك: (لم)، وأصل (لم): (لما)، أي: لأي شيء] (٣) كان هذا؟ إلا أنهم إذا جعلوا (ما) مع حرف الصفة في موضع الاستفهام حذفوا ألف (ما) مثل قوله عز وجل: عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ [النبأ: ١]، و فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا [النازعات: ٤٣]، و لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف: ٢].
ثم إنهم قدموا (ما) وأخروا اللام، واللام (٤) لا تقوم بنفسها إلا مضافة إلى شيء، فلما تأخرت هاهنا أضافوها إلى (٥) الاسم المستفهم عنه، فقالوا: مالك قائمًا؟ بمعنى: لم قمت؟ أو لم أنت قائم؟ واحتجوا بقوله تعالى: وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا [ص: ٦٢] بمعنى: لم لا نرى رجالًا؟ فإذا أضفت اللام إلى المستفهم عنه لم يحتج إلى فعل لدلالة النعت بانتصابه على الفعل مثل قولك: مالك قائمًا؟ وإذا أضفت اللام إلى نفسك وأنت مستفهم فلابد من إظهار فعل يدل على الاستفهام مثل قولك: مالي أراك قائمًا؟، كما قال
(٢) يعني قول الزجاج في تفسير الآية: المعنى: أي شيء لهم في ترك العذاب، و"معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٤١٢.
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ح)
(٤) ساقط من (س).
(٥) ساقط من (ح).
تعالى: مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ [النمل: ٢٠]، ولا يجوز: مالي قائمًا؟ وأنت تريد أن تستفهم عن غيرك، فإن أنت (١) عنيت نفسك جاز، مثل قولك: مالي ضعيف؟ أي: لِمَ أنا ضعيف؟ فقوله عز وجل: وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ [الأنفال: ٣٤] يكون معناه على ما رتبنا: لم لا يعذبهم الله؟ إلا أن اللام منقولة عن موضعها إلى غيره (٢)، و (أن) في قوله: أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ زيادة مقحمة (٣)، ألا ترى أنه قال في موضع آخر: فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [الانشقاق: ٢٠] بلا (أن)، وقال: وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ [الصافات: ١٠٤]، فزاد (أن)، ومنه قول الشاعر (٤):
| مالك لا تذكر أم عمرو | إلا لعينيك غروب تجري |
(٢) سبق قول أبي علي الجرجاني: ثم إنهم قدموا (ما) وأخروا اللام واللام لا تقوم بنفسها إلا مضافة إلى شيء اهـ، وهو يعني هنا: أن اللام في قوله تعالى: مَا لَهُمْ نقلت عن موضعها وأخرت عن (ما) إذا الأصل: لِمَ، ثم أضيفت اللام إلى الاسم المستفهم عنه فصارت الكلمة: مالهم، ثم زيدت (أنَ)، فإذا أعدنا الكلمة إلى أصلها، وحذفنا الزيادة، صارت الجملة: لم لا يعذبهم.
(٣) ذهب الأخفش في "معاني القرآن" ١/ ٣٤٩ أيضًا إلى القول بزيادة (أن) وقد رد عليه النحاس في "إعراب القرآن" ١/ ٦٧٥ بقوله: لو كان كما قال لرفع (يعذبهم) و (أن) في موضع نصب، والمعنى: وما يمنعهم من أن يعذبوا، فدخلت (أن) لهذا المعنى اهـ. والجدير بالتنبيه أن قول بعض النحاة عن شيء في كتاب الله: زيادة مقحمة، مما ينافي الأدب مع القرآن إذ العبارة توحي بأن هذا اللفظ مما لا فائدة له، والحق أنه ما من لفظ في كتاب الله إلا جيء به لمعنى، كالتوكيد أو الإشارة إلى معنى خفى.
(٤) لم يتبين لي من هو، والرجز بلا نسبة في "تهذيب اللغة" (غرب) ٣/ ٣٦٤٣. و"لسان العرب" (غرب) ٦/ ٣٢٢٨.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي