ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم ( ٦٧ ) لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ( ٦٨ ) فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم ( ٦٩ .
ختم الله تعالى سياق القتال في هذه السورة بأحكام تتعلق بالأسرى لأن أمورهم يفصل فيها بعد القتال في الغالب كما وقع في غزوة بدر، وكما يقع في كل زمان. وفصله عما قبله لأنه بيان مستأنف لما شأنه أن يسأل عنه ولا سيما عارفي قصة غزوة بدر وأهلها.
لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ( ٦٨ ) .
أقول وقد استشكل بعض العلماء حديث علي كرم الله وجهه بأنه مخالف لمضمون الآية وقوله تعالى بعدها : لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم قالوا لو خيرهم بين الأمرين لما آخذهم على اختيار أحدهما. وأجيب عن ذلك بأن لله تعالى أن يمتحن عباده بما شاء، ليظهر بالعمل من أحسن ومن أساء، فيترتب على كل منهما ما يستحقه من الجزاء. قال تعالى في أول سورة العنكبوت : الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين [ العنكبوت : ١٣ ] وقال تعالى في سياق الكلام على غزوة أحد من سورة آل عمران أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين [ آل عمران : ١٤٢ ] وقال في أول سورة الكهف : إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا [ الكهف : ٨ ] وفي القرآن آيات كثيرة بهذا المعنى، وإن الذي يعنينا من هذا البحث وتحقيق الروايات فيه هو تحقيق الموضوع ومنه كون الذي رجحوا مفاداة الأسرى كثيرون وبحث اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم وشمول العتاب في الآيتين له وقد حاول بعض المفسرين أن يجعل إنكار القرآن خاصا بالمؤمنين دونه صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم إن أخذ الفداء هو أرجح الرأيين وأفضل الخطتين، ووجهه ابن القيم في الهدي بما يأتي من براعته وسعة مجال أدلته، كما يأتي قريبا مع تحقيق الحق فيه بفضل الله ومشيئته.
ومعنى الآية : لولا كتاب من الله سبق في علمه الأزلي أو في أم الكتاب أو في القرآن الكريم يقتضي أن لا يعذبهم في هذا الذنب، أو أن لا يعذبكم عذابا عاما، والرسول فيكم، وأنتم تستغفرونه من ذنوبكم، لمسكم فيما أخذتم من الفداء عذاب عظيم، أي بسببه كحديث الصحيحين « دخلت النار امرأة في هرة »(١) الخ أي بسببها إذ حبستها حتى ماتت. وورد في معنى الآية والكتاب الذي سبق روايات وآراء تدل على أنه مما أبهم لتذهب الأفهام إلى كل ما يحتمله اللفظ ويدل عليه المقام منها.
أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه من طريق نافع عن ابن عمر قال اختلف الناس في أسارى بدر فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أبار بكر وعمر فقال أبو بكر فادهم وقال عمر اقتلهم قال قائل أرادوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهدم الإسلام ويأمره أبو بكر بالفداء، وقال قائل لو كان فيهم أبو عمر أو أخوه ما أمر بقتلهم فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول أبي بكر ففاداهم فأنزل الله لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم فقال رسول صلى الله عليه وسلم :( إن كاد ليمسنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم، ولو نزل العذاب ما أفلت إلا عمر ).
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال لم يكن من المؤمنين أحد ممن نصر إلا أحب الغنائم إلا عمر بن الخطاب جعل لا يلقى أسيرا إلا ضرب عنقه وقال يا رسول الله ما لنا وللغنائم نحن قوم نجاهد في دين الله حتى يعبد الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لو عذبنا في الأمر يا عمر ما نجا غيرك قال الله لا تعودوا تستحلون قبل أن أحل لكم ) وأخرج عن ابن إسحاق لما نزلت لولا كتاب من الله سبق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لو نزل عذاب من السماء لم ينج منه إلا سعد بن معاذ لقوله : يا نبي الله كان الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال ).
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله : ما كان لنبي أن يكون له أسرى قال ذلك يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله في الأسارى فإما منا بعد وإما فداء [ محمد : ٤ ] فجعل الله النبي والمؤمنين في أمر الأسرى بالخيار : إن شاؤوا قتلوهم وإن شاؤوا استعبدوهم وإن شاؤوا فادوهم ( أقول ولم يذكر الثالثة وهي المن عليهم بإعتاقهم وإطلاق سراح أسرهم ) وفي قوله : لولا كتاب من الله سبق يعني في الكتاب الأول أن المغانم والأسارى حلال لكم لمسكم فيما أخذتم من الأسارى عذاب عظيم * فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا قال وكان الله قد كتب في أم الكتاب المغانم والأسارى حلال لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته ولم يكن أحله لأمة قبلهم، وأخذوا المغانم وأسروا الأسارى قبل أن ينزل إليهم في ذلك.
وروى ابن المنذر وأبو الشيخ عنه لولا كتاب من الله سبق قال : سبقت لهم من الله الرحمة قبل أن يعملوا بالمعصية، اه والظاهر أن المراد بذلك أهل بدر خاصة فقد ورد في الصحيحين وغيرهما ما يثبت أن الله تعالى قد غفر لأهل بدر كقوله صلى الله عليه وسلم لعمر حين استأذنه بقتل حاطب بن أبي بلتعة ( أليس من أهل بدر ؟ لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة أو فقد غفرت لكم ) (٢) وفي رواية« وما يدريك ؟ لعل الله اطلع على أهل بدر » الخ وهذا تمثيل وتصوير لمغفرة الله وليس أمرا إباحيا أمر الله رسوله أن يبلغهم إياه بل هو أشبه بأمر التكوين والتقدير منه بأمر التكليف، وقال بعض العلماء إنه للتشريف والتكريم، واتفقوا على أن البشارة المذكورة خاصة بأحكام الآخرة لا بأحكام الدنيا من إقامة الحدود ونحوها وقد ورد أن واحدا منهم شرب الخمر فحده عمر رضي الله عنه.
وروى ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله : لولا كتاب من الله سبق قال في أنه لا يعذب أحدا حتى يبين له ويتقدم إليه.
وقال ابن جرير في الآية : لولا قضاء من الله سبق لكم أهل بدر في اللوح المحفوظ بأنه محل لكم الغنيمة وأن الله قضى فيما قضى أنه لا يضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون وأنه لا يعذب أحدا شهد المشهد الذي شهدتموه ببدر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ناصرا دين الله لنالكم من الله بأخذكم الغنيمة والفداء عذاب عظيم. اه ثم ذكر رواياته في هذه الوجوه وصوب إرادتها كلها.
وهذا خلط بين الغنائم وفداء الأسرى وإشراك بين تفسير هذه الآية وتفسير الآية التي بعدها. واختار ابن كثير الجمع بينهما وفاقا لابن جرير والأظهر المختار أن مسألة الفداء غير مسألة الغنائم فإن الغنائم أحلت في أول هذه السورة وفي أول هذا الجزء منها.
وقال بعض العلماء إن الذي سبق في كتاب الله أي في حكمه أوفي علمه هو أن المجتهد إذا أخطأ لا يعاقب بل يثاب على اجتهاده وإذا كان نبيا لا يقره الله على خطئه بل يبينه له ويبين له ما كان من شأنه أن يترتب عليه من العقاب لولا الاجتهاد وحسن النية.
وقد فند الرازي جميع الروايات المأثورة في الكتاب الذي سبق بعضها بحق وبعضها بغير حق، واختار على مذهب أصحابه الأشعرية في جواز العفو عن الكبائر أن المعنى : لولا أنه تعالى حكم في الأزل بالعفو عن هذه الواقعة لمسهم عذاب عظيم ( قال ) وهذا هو المراد من قوله تعالى : كتب ربكم على نفسه الرحمة [ الأنعام : ١٢ ] ومن قوله سبقت رحمتي غضبي (٣) ( قال ) وأما على قول المعتزلة فهم لا يجوزون العفو عن الكبائر فكان معناه لولا كتاب من الله سبق في أن من احترز عن الكبائر صارت كبائره مغفورة وإلا لمسهم عذاب عظيم. وهذا الحكم وإن كان ثابتا في جميع المسلمين إلا أن طاعات أهل بدر كانت عظيمة وهو قبولهم الإسلام وانقيادهم لمحمد صلى الله عليه وسلم وإقدامهم على مقاتلة الكفار من غير سلاح وأهبة فلا يبعد أن يقال إن الثواب الذي استحقوه على هذه الطاعات كان أزيد من العقاب الذي استحقوه على هذا الذنب فلا جرم صار هذا الذنب مغفورا ولو قدرنا صدور هذا الذنب من سائر المسلمين لما صار مغفورا فبسبب هذا القدر من التفاوت حصل لأهل بدر هذا الاختصاص اه.
وأقول : إن هذا الذي ذكره الرازي على طريقة المعتزلة تعليل حسن لمغفرة الله تعالى لأهل بدر ما يحتمل أن يقع منهم من الذنوب، وهو موافق لمذهب أهل السنة ونصوص القرآن في تغليب الحسنات على السيئات، ولكنه لا يتجه في تفسير الآية، وما ذكره على مذهب الأشعرية مثله في هذا، فما اعتمده أضعف مما رده وأبطله.
وقد أشرنا آنفا إلى احتمال تفسير الكتاب الذي سبق بقوله تعالى في هذه السورة وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون [ الأنفال : ٣٣ ] وقد تقدم تفسيره وهو وإن كان قد نزل في المشركين أولى أن يكون للمؤمنين أو هم أحق به وأولى، وهل يصح أن يمتنع نزول العذاب بالمشركين وفيهم نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم وهم يؤذونه ويصدون عنه، ولا يمتنع نزوله بالمؤمنين به الناصرين له وهو فيهم وهم يستغفرونه تعالى حق الاستغفار لتوحيدهم إياه وعدم إشراكهم أحدا ولا شيئا في عبادته ؟ ولا أذكر أنني رأيته لأحد على شدة ظهوره، وتألق نوره، ولكنه خاص بعذاب الاستئصال، ومن البعيد جدا أن يكون هو المراد أو يشمل كل عذاب عام كما يشير إليه روايات استثناء عمر وسعد رضي الله عنها، ويصح تسمية هذا كتابا بمعنى كونه قضاء سبق وكتب في أم الكتاب، أو بمعنى أنه تعالى كتبه على نفسه كما قال كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم [ الأنعام : ٥٤ ]. وقد فسر بعضهم الكتاب الذي سبق بهذه الرحمة بناء على أنهم يتوبون مما ذكر بعد إنكاره عليهم، ويلحون عملهم بما يذهب بتأثيره من أنفسهم، وكذلك كان.
ويجوز أن يكون المراد بالكتاب الذي سبق ما قضاه الله تعالى وقدره من أعمال هؤلاء الأسرى وإيمان أكثرهم. والمختار عندنا وفاقا لما ذهب إليه ابن جرير هو جواز إرادة كل ما يحتمله اللفظ من المعاني التي ذكر بعضها في رواياته وأن هذا سبب تنكيره وإبهامه.
فإن قيل : تبين بعد نزول هذه الآيات أن ما حصل من أخذ الفداء لم يكن مضعفا للمؤمنين، ولا مزيدا في شوكة المشركين، بل كان خيرا ترتب عليه فوائد كثيرة بينها المحقق ابن القيم من بضعة وجوه ـ وسيأتي سردها.
قلنا : ما يدرينا ما كان يكون لو عمل المسلمون بما دلت الآية الأولى من قتل أولئك الأسرى أو من عدم أخذ الأسرى يومئذ ؟ على أنه هو الذي تقتضيه الحكمة، وسنة أنبياء الرحمة، أليس من المعقول أن يكون ذلك مرهبا للمشركين، وصادا لهم عن الزحف بعد سنة على المؤمنين، وأخذ الثأر منهم في أحد ثم اعتداؤهم في غيرها من الغزوات ؟
فإن قيل : وما رحمة الله تعالى في ترجيح رسوله لرأي الجمهور المرجوح بحسب القاعدة أو السنة الإلهية التي كان عليها الأنبياء قبله وهو أرجحهم ميزانا، وأقواهم برهانا، ثم إنكاره تعالى ذلك عليهم ؟ قلت : إن لله تعالى في ذلك لحكما أذكر ما ظهر لي منها :
الحكمة الأولى : عمل الرسول صلى الله عليه وسلم برأي الجمهور الأعظم فيما لا نص فيه من الله تعالى وهو ركن من أركان الإصلاح السياسي والمدني الذي عليه أكثر أمم البشر في دولها القوية في هذا العصر، كما عمل صلى الله عليه وسلم برأيهم الذي صرح به الحباب بن المنذر في منزل المسلمين يوم بدر وتقدم ( في ج ٩ ) وقد كان هذا من فضائله صلى الله عليه وسلم ثم فرضه الله عليه في غزوة أحد بقوله : وشاورهم في الأمر [ آل عمران : ١٥٩ ] ( ج ٤ ).
الحكمة الثانية : بيان أن الجمهور قد يخطئون ولا سيما في الأمر الذي لهم فيه هوى ومنفعة. ومنه يعلم أن ما شرعه تعالى في العمل برأي الأكثرين فسببه أنه هو الأمثل في الأمور العامة لا أنهم معصومون فيها.
الحكمة الثالثة : أن النبي نفسه قد يخطئ في اجتهاده ولكن الله تعالى يبين له ذلك ولا يقره عليه كما صرح به العلماء، فهو معصوم من الخطأ في التبليغ عن الله تعالى لا في الرأي والاجتهاد. ومنه ما سبق من اجتهاده صلوات الله وسلامه عليه بمكة في الإعراض عن الأعمى الفقير الضعيف عبد الله ابن أم مكتوم رضي الله عنه حين جاءه يسأله وهو يدعو كبراء أغنياء المشركين المتكبرين إلى الإسلام لئلا يعرضوا عن سماع دعوته فعاتبه الله تعالى على ذلك بقوله : عبس وتولى أن جاءه الأعمى [ عبس : ١، ٢ ] إلى قوله تعالى : كلا [ عبس : ١٠ ].
الحكمة الرابعة : أن الله تعالى يعاتب رسوله على الخطأ في الاجتهاد مع حسن نيته فيه ويعده ذنبا له ويمنّ عليه بعفوه عنه ومغفرته له، على كون الخطأ في الاجتهاد معفوا عنه في شريعته، لأنه في علو مقامه وسعة عرفانه يعد عليه من مخالفة الأولى والأفضل والأكمل ما لا يعد على من دونه من المؤمنين، على قاعدة : حسنات الأبرار سيئات المقربين(١). ومثال ذلك قوله تعالى له لما أذن بالتخلف عن غزوة تبوك لبعض المنافقين عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين [ التوبة : ٤٣ ] فهذه أمثلة ذنوبه صلى الله عليه وسلم تسليما، المغفورة بنص قوله تعالى : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما [ الفتح : ٢ ] والذنب ما له عاقبة ضارة أو مخالفة للمصلحة تكون وراءه كذنب الدابة وإن لم يكن معصية.
الحكمة الخامسة : بيان مؤاخذة الله تعالى الناس على الأعمال النفسية وإرادة السوء بعد تنفيذها بالعمل بقوله تعالى : تريدون عرض الدنيا وإنما كانت إرادة هذا ذنبا لأنه باستشراف أشد من استشرافهم أولا لإيثار عير أبي سفيان على الجهاد، ولذلك لم يسألوا عن حكمه كما سألوا من قبل عن الأنفال، ولم يبالوا في سبيله بأن يقتل المشركون منهم بعد عام مثل عدد من قتلوا هم ببدر كما ورد في بعض الروايات، وما قاله بعض المفسرين من أن سبب هذا حبهم للشهادة فلا دليل عليه من نص ولا قرينة حال ويرده أنه ليس للمؤمنين أن يحبوا أو يختاروا قتل المشركين لكثير منهم ولا قليل، ويكفي من حب الشهادة الإقدام على القتال وعدم الفرار من الزحف خوفا من القتل.
الحكمة السادسة : الإيذان بأنهم استحقوا العذاب على أخذ الفداء ولم يذكر معه مخالفة المصلحة المذكورة لأنها لم تكن قد بينت لهم، وإنما كان من شأن النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلم هذه المصلحة ويعمل بمقتضاها والظاهر أنه علمها ولكنه رجح عليها العمل بالمشاورة والأخذ برأي الجمهور الذي فرضه الله تعالى عليه فرضا في غزوة أحد، بعد أن ألهمه إياه إلهاما في غزوة بدر، ولهذا لم يمن عليه هنا بالعفو عنه خاصة كما منَّ عليه بعد ذلك في الإذن للمنافقين بالتخلف عن غزوة تبوك الذي هو مخالف للمصلحة أيضا.
الحكمة السابعة : بيان منَّة الله تعالى على أهل بدر أنه لم يعذبهم فيما أخذوا بسوء الإرادة أو بغير حق وتقدم وجهه، وفي هذه المنة بعد الإنذار الشديد خير تربية لأمثالهم من الكاملين تربأ بأنفسهم عن مثل ذلك الاستشراف، لا أنها تجرئهم عليه كما توهم بعض الناس.
الحكمة الثامنة : علمه تعالى بأن أولئك الأسرى ممن كتب لهم طول العمر وتوفيق أكثرهم للإيمان.
الحكمة التاسعة : أن يكون من قواعد التشريع أن ما نفذه الإمام من الأعمال السياسية والحربية بعد الشورى لا ينقض وإن ظهر أنه خطأ. ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما شرع في تنفيذ رأي الجمهور في الخروج إلى أحد على خلاف رأيه ثم راجعوه فيه وفوضوا إليه الأمر في الرجوع فلم يرجع وقال في ذلك كلمته العظيمة التي تعمل بها دول السياسة الكبرى إلى هذا العصر لحسنها لا لاتباعه صلى الله عليه وسلم فتراجع في ( ص ٩٦-٩٨، ج ٤ ).
هذا ما فتح الله تعالى به وهو مخالف لما ذهب إليه العلامة ابن القيم في الهدي، وأشار إليه الحافظ في الفتح، وتارة معزوا إليه وتارة بغير عزو، وإننا ننقله بنصه، ونقفي عليه بما نراه ناقضا له، مع الاعتراف لأستاذنا ابن القيم بالإمامة والتحقيق ( لا العصمة ) في أكثر ما وجه إلى تحقيقه فكره الوقاد. ذلك أنه عقد في كتابه ( زاد المعاد ) فصلا لهديه صلى الله عليه وسلم في الأسارى ذكر فيه حديث الاستشارة في أسرى بدر ورأي الشيخين رضي الله عنهما والترجيح بينهما ما قال فيه ما نصه ـ والعنوان لنا ـ :
الترجيح بين رأيي الصديق والفاروق في أسرى بدر
وقد تكلم الناس في أي الرأيين كان أصوب فرجحت طائفة قول عمر لهذا الحديث ورجحت طائفة قول أبي بكر لاستقرار الأمر عليه ـ وموافقته الكتاب الذي سبق من الله وإحلال ذلك لهم ـ ولموافقته الرحمة التي غلبت الغضب ـ ولتشبيه النبي صلى الله عليه وسلم له في ذلك بإبراهيم وعيسى وتشبيهه لعمر بنوح وموسى ـ ولحصول الخير العظيم الذي حصل بإسلام أكثر أولئك الأسرى ـ ولخروج من خرج من أصلابهم من المسلمين ـ ولحصول القوة التي حصلت للمسلمين بالفداء ـ ولموافقة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر أولا ـ ولموافقة الله له آخرا حيث استقر الأمر على رأيه ولكمال نظر الصديق فإنه رأى ما يستقر عليه حكم الله آخرا وغلبة جانب الرحمة على جانب العقوبة.
قالوا : وأما بكاء النبي صلى الله عليه وسلم فإنما كان رحمة لنزول العذاب لمن أراد بذلك عرض الدنيا، ولم يرد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر وإن أراده بعض الصحابة، فالفتنة كانت تعم ولا تصيب من أراد ذلك خاصة كما هزم العسكر يوم حنين بقول أحدهم : لن نغلب اليوم من قلة، وبإعجاب كثرتهم لمن أعجبته منهم. فهزم الجيش بذلك فتنة ومحنة ثم استقر الأمر على النصر والظفر والله أعلم»اهـ.
أقول : إن في هذا الكلام على حسنه وكثرة فوائده مغالطات غير مقصودة وبعدا عن معنى الآيتين يجب بيانه لتحرير الموضوع وإظهار علو أحكام القرآن وحكمه وكونها فوق اجتهاد جميع المجتهدين، لأنها كلام رب العالمين. وما صرف المحقق ابن القيم فقهها وبيان علوها وفوقيتها إلا توجيه ذكائه ومعارفه إلى تفضيل اجتهاد أبي بكر على اجتهاد عمر لإجماع أهل السنة على كونه أفضل منه وإن كانوا لم يختلفوا في أنه يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل أو الأفضل فكيف وقد اختاره الرسول بعد العلم بموافقة جمهور الصحابة له ماعدا عمر وكذا عبد الله بن رواحة وسعد بن أبي وقاص في بعض الروايات. وهذا الجمهور هو الذي كان يريد من الفداء عرض الدنيا لفقرهم وحاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصديقه الأكبر من إرادة ذلك لذاته، ولا يقدح في مقامهما إرادتهما لمواساة الجمهور وتعويض شيء مما فاتهم من عير أبي سفيان، بعد ما كان من بلائهم في القتال على جوعهم وعدم استعدادهم له، وليس الذنب من الفتن التي يعم بها العذاب كما أشار إليه ابن القيم وهو مما لا يمكن وقوعه مع وجوده صلى الله عليه وسلم.
والتحقيق في المسألة الذي تدل عليه الآيتان دلالة واضحة تؤيدها الروايات الواردة في موضوعها وكذا آية سورة محمد عليه الصلاة والسلام أن رأي عمر هو الصواب الذي كان ينبغي العمل به في مثل الحال التي كان عليها المسلمون مع أعدائهم في وقت غزوة بدر. وأما رأي الصديق فهو الذي تقتضي الحكمة والرحمة العمل به بعد الإثخان في الأرض بالغلب والسلطان، ولكن كان من قدر الله تعالى أن نفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأي أبي بكر لأنه رأى أن جمهور المسلمين يوافقه فيه وإن كان للكثيرين منهم قصد دون قصده الذي بنى عليه رأيه، وهو إرادتهم للمال لحاجتهم الدنيوية إليه كما صرحت به الآية الكريمة، وفي الحديث الذي تقدم أنه صلى الله عليه وسلم هوي رأي أبي بكر ولم يهو رأي عمر، وعندي أن أسباب هواه لرأي أبي بكر :
١ ـ حرصه صلى الله عليه وسلم على إرضاء الجمهور لعذرهم الذي بيناه آنفا في إرادتهم لعرض الدنيا.
٢ ـ تغليبه صلى الله عليه وسلم للرحمة على العقوبة إذا لم يكن في الرحمة إضاعة لحد من حدود الله ولا مخالفة لأمره تعالى.
٣ ـ رجاء إيمانهم كلهم أو بعضهم، وكان من حكمة الله تعالى ورحمته في هذا القدر أن بين لرسوله وللمؤمنين سنته تعالى في التغالب بين الأمم وما ينبغي لأنبيائه وأتباعهم في حالتي الضعف والإثخان في الأرض وسائر ما دلت عليه الآيات من الأحكام الحربية والسياسية والتشريعية.
بيان ما في كلام ابن القيم
من الأغلاط التي تشبه المغالطات الجدلية
١ـ ذكر أن المرجح الأول لرأي أبي بكر : استقرار الأمر عليه، فإذا كان يريد به ترجيحه والعمل به في تلك الحال فهو غلط ظاهر فإن العمل به هو الذي أنكره القرآن فكيف يكون دليلا على أنه الأصوب أو أنه صواب ؟ وأما
٢ ـ روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه البخاري في المغازي باب ٩، ٤٦، وتفسير سورة ٦٠، باب ١، والأدب باب ٧٤، والاستتابة باب ٩، والجهاد باب ١٤١، ومسلم في فضائل الصحابة حديث ١٦١، وأبو داود في الجهاد باب٩٨، والسنة باب ٨، والترمذي في تفسير سورة ٦٠، باب ١، والدارمي في الرقاق باب ٤٨، وأحمد في المسند ١/ ٨٠، ١٠٥، ٣٣١، ٢/ ١٠٩، ٢٢٥، ٣/ ٣٥٠..
٣ ـ وروي أيضا الحديث بلفظ: « غلبت رحمت غضبي »، أخرجه البخاري في التوحيد باب ١٥، ٢٢، ٢٨، ٥٥، وبدء الخلق باب١، ومسلم في التوبة حديث ١٤ ـ ١٦، وابن ماجة في الزهد باب ٣٥، وأحمد في المسند ٢/ ٢٤٢، ٢٥٨، ٢٦٠، ٣١٣، ٣٥٨، ٣٨١، ٣٩٧، ٤٣٣، ٤٦٦..
تفسير المنار
رشيد رضا