قوله : لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ اختلف المفسرون في هذا الكتاب الذي سبق ما هو ؟ على أقوال : الأوّل ما سبق في علم الله من أنه سيحلّ لهذه الأمة الغنائم بعد أن كانت محرّمة على سائر الأمم. والثاني : أنه مغفرة الله لأهل بدر ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر، كما في الحديث الصحيح :" إن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " القول الثالث هو : أنه لا يعذبهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم كما قال سبحانه : وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ . القول الرابع : أنه لا يعذب أحداً بذنب فعله جاهلاً لكونه ذنباً. القول الخامس : أنه ما قضاه الله من محو الصغائر باجتناب الكبائر. القول السادس : أنه لا يعذب أحداً إلا بعد تأكيد الحجة وتقديم النهي، ولم يتقدّم نهي عن ذلك. وذهب ابن جرير الطبري إلى أن هذه المعاني كلها داخلة تحت اللفظ، وأنه يعمها لَمَسَّكُمْ أي : لحلّ بكم فِيمَا أَخَذْتُمْ أي : لأجل ما أخذتم من الفداء عَذَاب عظِيمٌ .
وأخرج البخاري، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس قال : لما نزلت إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ فكتب عليهم أن لا يفرّ واحد من العشرة، وأن لا يفرّ عشرون من مائتين، ثم نزلت الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ الآية، فكتب أن لا يفرّ مائة من مائتين قال سفيان : وقال ابن شبرمة : وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا، إن كانا رجلين أمرهما وإن كانوا ثلاثة فهو في سعة من تركهم، وأخرج البخاري والنحاس في ناسخه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال : لما نزلت : إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ شق ذلك على المسلمين حين فرض عليهم أن لا يفرّ واحد من عشرة، فجاء التخفيف الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ الآية قال : فلما خفّف الله عنهم من العدّة نقص من الصبر بقدر ما خفّف عنهم.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني