وإنا لنقطع بأنه تعالى ما شاء ذلك.
وقصارى هذا- إن فائدة هذا الاستثناء بيان أنه تعالى قادر على أن ينسيه، وأن عدم النسيان فضل من الله وإحسان لا من قوّته.
ثم أكد هذا الوعد مع الاستثناء فقال:
(إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى) أي إن الذي وعدك بأنه سيقرئك، وأنه سيجعلك حافظا لما تقرأ فلا تنساه- عالم بالجهر والسر، فلا يفوته شىء مما فى نفسك، وهو مالك قلبك وعقلك، وخافى سرك وجهرك، ففى مقدوره أن يحفظ عليك ما وهبك وإن كان من خفيات روحك، ولو شاء لسلبه ولن تستطيع دفعه، لأنه ليس فى قدرتك أن تخفى عنه شيئا.
ولما كان فى الوعد بالإقراء الوعد بتشريع الأحكام، وفيها ما يصعب على المخاطبين احتماله- أردف ذلك الوعد بما يزيده حلاوة فى النفوس فقال:
(وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى) أي ونوفقك للشريعة السمحة التي يسهل على النفوس قبولها، ولا يصعب على العقول فهمها، ورحم الله البوصيرى حيث يقول:
| لم يمتحنّا بما تعيا العقول به | حرصا علينا فلم نرتب ولم نهم |
جاء فى الحديث: «اعملوا، فكل ميسّر لما خلق له».
[سورة الأعلى (٨٧) : الآيات ٩ الى ١٣]
فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى (١٢) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (١٣) صفحة رقم 124
شرح المفردات
التذكر: أن يتنبه الإنسان إلى شىء كان قد علمه من قبل ثم غفل عنه، ومن يخشى الله صنفان: مذعن معترف بالله وببعثه للعباد للثواب والعقاب، ومتردد فى ذلك، الأشقى: هو المعاند المصرّ على الجحد والإنكار، المتمكن من نفسه الكفر، يصلى النار: أي يذوق حرها. والنار الكبرى هى أسفل دركات الجحيم، لا يموت: أي فيستريح ولا يحيا: أي حياة طيبة فيسعد كما أشار إلى ذلك شاعرهم فقال:
| ألا ما لنفس لا تموت فينقضى | عناها ولا تحيا حياة لها طعم |
بعد أن وعد سبحانه رسوله بذلك الفضل العظيم وهو حفظ القرآن وعدم نسيانه- أمره بتذكيره عباده بما ينفعهم فى دينهم ودنياهم- وتنبيههم من غفلاتهم وتوجيههم إلى ما فيه الخير لهم، وبين أن الذكرى لا تنجع إلا فى القلوب الخاشعة التي تخشى الله وتخاف عقابه. أما القلوب الجاحدة المعاندة فلا تجدى فيها الذكرى شيئا، فهوّن على نفسك، ولا يحزننّك جحدهم وعنادهم كما أشار إلى ذلك فى آية أخرى فقال: «فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً».
ثم ذكر أن أولئك الجحدة العصاة يكونون فى قعر جهنم لا هم يموتون ولا يسعدون بحياة طيبة.
الإيضاح
(فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى) أي فذكر الناس بما أوحينا به إليك، واهدهم إلى ما فيه من بيان الأحكام الدينية. فإن أصرّ المعاندون على عنادهم ولم يزدهم صفحة رقم 125
وعظك إلا تماديا فى الجحود والإنكار «فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ» حرصا على إيمانهم، وحزنا على بقائهم على كفرهم، وادع من تعلم أنه يجيبك ولا يحبهك ولا يؤذيك وإلى ذلك أشار بقوله:
(سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى) أي إنما ينتفع بتذكيرك من يخشى الله ويخاف عقابه، لأنه هو الذي يتأمل فى كل ما تذكره له، فيتبين له وجه الصواب، ويظهر له سبيل الحق الذي يجب المعوّل عليه.
وفى التعبير بقوله (سَيَذَّكَّرُ) إيماء إلى أن ما جاء به الرسول بلغ حدّا من الوضوح لا يحتاج معه إلا إلى التذكير فحسب، وإنما الذي يحول بينهم وبين اتباعه واقتفاء آثاره- تقليد الآباء والأجداد فكأنهم عرفوه واستيقنوا صحته، ثم زالت هذه المعرفة بانتهاجهم خطة آبائهم من قبل.
ثم أشار إلى عدم جدواها بالنظر للمعاندين الجاحدين فقال:
(وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى. الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى) أي ويبتعد عن هذه التذكرة المعاند المصرّ على الجحود عنادا واستكبارا، وهو الذي يذوق حر النار الكبرى فى دركات جهنم كما قال: «إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» إذ لا يليق بحكمة الحكيم المتعالي أن يسوّى بين من اجترأ عليه وتهاون بأمره وارتكب أشنع الذنوب ومن كان نقىّ الصحيفة ميمون النقيبة، مطيعا لأمره، مؤديا فرائضه منتهيا عن الفحشاء والمنكر.
وقصارى ما سلف- إن الناس بالنظر إلى دعوة الرسول ﷺ أقسام ثلاثة:
(١) عارف صحتها، موقن بصدقها، لا يدور بخلده تردّد ولا شكّ، وهذا هو المؤمن الكامل الذي يخشى ربه.
(٢) متردد متوقف إلى أن يقوم لديه البرهان، فإذا هو سنح له بادر إلى التصديق بها، وهذا أدنى من سابقه.
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي