والسابقون الأولون من المهاجرين الذين هجروا قومهم وعشائرهم وفارقوا أوطانهم وأموالهم يعني : من قريش مكة. والأنصار الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآووه وأصحابه، حين أخرجه قومه يعني من أهل المدينة. واختلفوا في السابقين من الفريقين ؟قال : سعيد بن المسيب وقتادة وابن سيرين وجماعة : هم الذين صلوا إلى القبلتين، وقال عطاء بن أبي رباح هم أهل بدر، وقال الشعبي هم للذين شهدوا بيعة الرضوان بالحديبية، وقيل هم المهاجرون ثمانية نفر للذين سبقوا إلى الإسلام ثم تتابع الناس في الدخول في الإسلام بعدهم وهم أبو بكر وعلي وزبير بن الحارثة وعثمان بن عفان وزبير بن العوام وعبد الرحمان بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله، قال : البغوي : واختلفوا في أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : بعضهم : علي بن أبي طالب وهو قول جابر بن عبد الله ويؤيده قول جابر بن عبد الله ويؤيده قول علي رضي الله عنه :
| سبقتكمُ إلى الإسلام طرا | غلاما ما بلغت أوان حلم |
ثم شاع الإسلام وتقوى بإسلام عمر بعد سبع سنين، ومن ههنا قال : علي رضي الله عنه صليت قبل الناس بسبع سنين. والسابقون من الأنصار هم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة وكانوا ستة في العقبة الأولى وقيل : سبعة واثني عشر في العقبة الثانية والسبعون في العقبة الثالثة كما سنذكر، والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة ومصعب بن عمير يعلمهم القرآن فأسلم خلق كثير وجماعة من النساء والصبيان.
قرأ يعقوب والأنصار بالرفع عطفا على قوله : والسابقون وهي قراءة أبي أخرجها ابن جرير وأبوا الشيخ عن محمد بن كعب القرظي والحاكم وأبو الشيخ عن أسامة ومحمد بن إبراهيم التيمي والذين اتبعوهم بإحسان .
قيل : هم بقية المهاجرين والأنصار سوى السابقين. وقيل : هم الذين سلكوا سبيلهم في الإيمان والهجرة والنصرة إلى يوم القيامة، قلت : ويمكن أن يكون المراد من السابقين المقربين الذين قال : الله تعالى فيهم :" والسابقون السابقون١٠ أولئك المقربون ١١في جنات النعيم ثلة من الأولين ١٣ " ١يعني من الصحابة والتابعين وأتباعهم فإنهم الأولون من هذه الأمة وقليل من الآخرين أي : آخرى هذه الأمة يعني بعد الألف وهم أرباب كمالات النبوة فإنهم كثيرون في الصدر الأول، قال : المجدد للألف الثاني رضي الله عنه الصحابة كلهم كانوا من أرباب كمالات النبوة وأكثر التابعين وبعض من أتباع التابعين، وقيل : بعد الألف من الهجرة قلت : فعلى هذا قوله تعالى : من المهاجرين والأنصار بيان للسابقين الأولين وليست كلمة من للتبغيض " والذين اتبعوهم بإحسان " يشتمل السابقين الآخرين وأصحاب اليمين الذين هم " ثلة من الأولين١٣ " من الصدر الأول ومن بعدهم وثلة من الآخرين إلى ما بعد الألف إلى يوم القيامة، وقال عطاء الذين اتبعوهم بإحسان هم الذين يذكرون الصحابة بالترحم والدعاء، قال : أبو صخر حميد بن زياد أتيت محمد بن كعب القرظي فقلت له ما قولك في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة محسنهم وسيئهم فقلت له : من أين تقول هذا ؟قال : اقرأه قوله تعالى : والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار إلى أن قال : رضي الله عنهم ورضوا عنه }قال :" والذين اتبعوهم بإحسان " شرط في التابعين شريطة وهو أن يتبعوهم في أفعالهم الحسنة دون السيئة، قال : أبو صخر : فكأني لم أقرأ هذه الآية قط وما عرفت تفسيرها حتى قرأها علي محمد بن كعب قلت : وأولى بالاحتجاج على كون جميع الصحابة في الجنة قوله تعالى لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى ٢فإنه صريح في أن جميع الصحابة أولهم وآخرهم وعدهم الله تعالى الحسنى يعني الجنة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه " ٣متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا تمس النار مسلما رآني أو رأى من رآني " ٤رواه الترمذي عن جابر، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما من أحد من أصحابي يموت بأرض إلا بعث قائدا ونورا لهم يوم القيامة " رواه الترمذي من حديث بريدة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم " رواه رزين من حديث عمر بن الخطاب " رضي الله عنهم " بقبول طاعتهم وارتضاء أعمالهم " ورضوا عنه " ربا وعن الإسلام دينا ومحمد رسولا ونبيا بما ألقى الله حبه في قلوبهم وبما نالوا من نعيم الدنيوية والدينية واعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار قرأ ابن كثير من تحتها كما هو في سائر المواضع وكذلك في مصاحف أهل مكة والباقون بحذف من خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم
٢ سورة الحديد، الآية١٠..
٣ أخرجه البخاري في كتاب: فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم "لو كنت متخذا خليلا "(٣٦٧٣)، وأخرجه مسلم في كتاب: المناقب، باب: ما جاء في فضل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه (٤٠٢١)..
٤ أخرجه الترمذي في كتاب: المناقب، باب: ما جاء في فضل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه(٣٨٦٧)..
التفسير المظهري
المظهري