لما برحمته يدخلون، لا استيجابًا لهم منه بذلك، بل رحمة منه وفضلًا.
(إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ): لما كان منهم من المساوئ والشرك إذا تابوا وآمنوا، (رَحِيمٌ): حيث لم يؤاخذهم بذلك.
* * *
قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ).
يحتمل هذا أن يكون مربوطًا معطوفًا على قوله: (سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ) مع السابقين الأولين، أي: أُولَئِكَ الذين آمنوا من بعد أُولَئِكَ المهاجرين والأنصار يدخلهم في الجنة مع السابقين الأولين.
ويحتمل أن يكون على الابتداء، لا على العطف على الأول، ثم اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: السابقون الأولون في الإسلام والنصرة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الأولون في الهجرة والنصرة.
(وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ) أي والذين اتبعوا أُولَئِكَ في الإسلام على تأويل من جعل السابقة في الإسلام، وعلى تأويل من جعل على الهجرة اتبعوهم بإحسان فريقين: المهاجرين والأنصار، ولا يجعل طبقة ثالثة، وأمّا قراءة العامة من القراء فهي على إثبات الواو، وجعل طبقة ثالثة.
ثم منهم من قال من أهل التأويل: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار:
الذين بايعوا بيعة الرضوان.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هم الذين صلوا إلى القبلتين.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: السابقون إلى الإسلام: الأولون من المهاجرين والأنصار الذين صلوا إلى القبلتين، والذين اتبعوهم على دينهم إلى يوم القيامة بإحسان.
ثم خصوص تسمية أهل المدينة أنصارًا وإن كانوا هم والمهاجرون جميعًا نصروا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وكانوا أنصارًا له؛ فهو - واللَّه أعلم - لأنهم نصروا المهاجرين؛ حيث آووهم، وأنزلوهم في منازلهم وأوطانهم، وبذلوا لهم أنفسهم وأموالهم، وإن كانوا جميعًا في النصر لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - شرعًا سواء.
ثم في الآية دلالة الرد على الروافض؛ لأنهم يجعلون أبا بكر، وعمر، وهَؤُلَاءِ - رضي اللَّه عنهم - ظلمة، على الحق بتوليهم أمر الخلافة والإمامة؛ لأنه معلوم أنهم
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم