ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪ

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك هو الفوز العظيم ( ١٠٠ ) ..
و " السابق " هو الذي حصل منه الفعل -بصدد ما هو فيه- قبل غيره، وكلنا والحمد لله مؤمنون، ومن آمنوا أولا، ومن آمنوا بعد ذلك كلهم مؤمنون، ولكن هناك أناس سبقوا إلى الإيمان، فهل كان سبقهم سبق زمان أم سبق إتباع ؟ إن سبق الزمان يتحدد في الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن ظن ظان أن المقصود بالسابقين هم الذين سبقونا سبق الزمان، فقد يقول منا قائل : وما ذنبنا وقد جئنا بعد زمانهم ؟
ولذلك نقول : إنما السبق يعتبر من معاصر، أي : كان معهم أناس غيرهم وهم سبقوهم ؛ ولذلك جاء القول : من المهاجرين ونعلم أن الذين هاجروا مع الرسول لم يكن كل مسلمي مكة، جاء قوله : من المهاجرين والأنصار وأيضا لم يكن كل الأنصار من أهل المدينة هم من السابقين.
وينحصر المعنى الذين سبقوا إلى الإيمان إلى مكة، وسبقوا إلى النصرة في المدينة، هؤلاء هم السابقون وفي سورة الواقعة يقول الحق : والسابقون السابقون( ١٠ ) أولئك المقربون( ١١ ) في جنات النعيم( ١٢ ) ( الواقعة )، ثم يأتي من بعدهم في المرتبة : وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين ( ٢٧ ) ( الواقعة )، ثم يحدد الحق هؤلاء فيقول : ثلة من الأولين ( ١٣ ) وقليل من الآخرين( ١٤ ) ( الواقعة )، ولذلك حينما يأتي من يقول : لن يستطيع واحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم تأخر عن عصر محمد صلى الله عليه وسلم أن يصل إلى منزلة الصحابة ؛ لأن الله قال : والسابقون ، نقل له : لا، بل افطن إلى بقية قوله سبحانه : ثلة من الأولين وقليل من الآخرين ، وهذا دليل على أن بعضا من الذين جاءوا بعد زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم سينالون المرتبة الرفيعة، وهكذا لم يمنع الحق أن يكون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إل أن تقوم الساعة من يصل إلى منزلة الصحابة.
وقد طمأن النبي صلى الله عليه وسلم الناس الذين لم يدركوا عهده حين قال :
" وددت أني لقيت إخواني " فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : أو ليس نحن إخوانك ؟ قال :" أنتم أصحابي، ولكن إخواني الذين آمنوا بي ولم يروني " ١.
وهذا قول صادق من المصطفى صلى الله عليه وسلم ؛ لأن منا من تنحصر أمنيته في أن يحج ويزور القبر الشريف. ويضيف صلى الله عليه وسلم في وصف أحبابه :
" عمل الواحد منهم كخمسين ". قالوا : منهم يا رسول الله أم منا ؟ قال : بل منكم ؛ لأنكم تجدون على الخير أعوانا، وهم لا يجدون على الخير أعوانا ".
وهذا ما يحدث في زماننا بالفعل.
ولكن من هم السابقون المقصودون في الآية التي نحن بصددها ؟.
والسابقون الأولون من المهاجرين ونعلم أن السابقين من المهاجرين هم أهل بدر، الذين دخلوا أول معركة في الإسلام، ومع أنهم خرجوا من المدينة، لا ليشهدوا حربا، ولكن ليتعرضوا عيرا تحمل بضائع، ويرجعوا بالغنائم. ومع ذلك دخلوا الحرب، لا مع القوافل التي ضمت العير والحراس والرعاة٢، ولكن دخلوا الحرب مع النفير، وهم من جاءوا ونفروا من مكة، وهم صناديد قريش٣. وهكذا كانت منزلة أهل بدر، أنهم من سبقوا إلى الجهاد في أول معركة للإسلام.
ولذلك حين وشى حاطب بن أبي بلتعة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فجاء به صلى الله عليه وسلم وقال له : ما الذي حملك على هذا ؟ وكان صلى الله عليه وسلم يريد أن يفتح مكة دون أن يعلم أحد ؛، حتى لا يقاتل المسلمون القادمون بعضا من المؤمنين الموجودين في مكة ولم يعرفهم أحد، لذلك أراد صلى الله عليه وسلم المفاجأة في الفتح، حتى تهبط الشراسة الكفرية، لكن حاطب بن أبي بلتعة كتب خطابا إلى بعض أهل قريش، فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه ومن معه : اذهب إلى مكان اسمه " روضة خاخ " في الطريق بين مكة والمدينة، فستجد ظعينة ( مسافرة ) معها كتاب أهل مكة، خبأته في عقيصتها٤.
فلما ذهب-رضي الله عنه- ومن معه يبحثون عن المرأة في الموضع الذي ذكره لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجدوا المرأة ولكنها أنكرت أن معها كتابا، فهددوها ؛ فأخرجته من عقيصتها ؛ فوجده من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من مشركي قريش. وعاد به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأحضر النبي صلى الله عليه وسلم حاطبا، وقال له : ما حملك على هذا يا حاطب ؟ قال له : يل رسول الله : أنا لصيق٥ بقريش ولي فيها أهل ومال، وليس لي بها عزوة ؛ فأردت أن أتخذ يدا٦ عند قريش يعرفونها لي ؛ فيحافظوا على أهلي وعلى مالي، وعرفت أن ذلك لا يضرك شيئا وأن الله ناصرك. وما فعلته ينفعني ولا يضرك، قال : صدقت. صدقت. وأراد عمر- رضي الله عنه- أن ينزل عليه بسيفه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطّلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " ٧.
أن أهل بدر دخلوا المعركة بدون عدة، وبدون استعداد، ومع ذلك هانت نفوسهم عليهم، فكأن الله قال : أنتم عملتم ما عليكم، وقد غفرت لكم ما تفعلونه من السيئات.
إذن : فالسابقون من المهاجرين هم أهل بدر وأهل الحديبية، وهم أهل بيعة الرضوان الذين ردوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العمرة، ثم عقد النبي صلى الله عليه وسلم مع القرشيين المعاهدة.
والسابقون من الأنصار هم من جاءوا للنبي في مكة، وأعطوا له العزوة وأعطوا له الأمان والعهد، وكانوا اثني عشر في بيعة العقبة الأولى، وخمسة وسبعين في العقبة الثانية٨، هؤلاء هم السابقون، وأضاف الحق إليهم : والذين اتبعوهم بإحسان أي : من يأتي من بعدهم. وسيدنا عمر له وقفة في هذه الآية، فقد كان رضي الله عنه يقرأها هكذا :" والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار " أي : يعطف كلمة الأنصار على " السابقون " وكانت قد نزلت : والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ويكمل سيدنا عمر بعد " والأنصار " " الذين اتبعوهم بإحسان " أي : أنه جعل " الذين اتبعوهم " صفى للأنصار.
وجاء زيد بن ثابت ليقول لسيدنا عمر : " قرأناها على غير هذا الوجه يا ابن الخطاب ". قال : فلماذا ؟ قال : والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم .
فقال عمر : ابعث إلي أبي بن كعب، وكان ابن كعب حجة في القرآن٩ فقال أبي : هكذا سمعتها -كما قال زيد- من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت تبيع القرظ١٠ في البقيع. أي أن أبىّ بن كعب كان ملازما للنبي صلى الله عليه وسلم بينما عمر يبيع القرظ، فضحك عمر وقال : لو قلت شهدت أنت وغبنا نحن، وقرأها عمر من بعد ذلك كما نزلت١١.
والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان خصوصا أن سيدنا أبيّا البصير بالقرآن جاء بأكثر من دليل من غير هذه الآية فقد قال الحق :
وآخرين منهم لما يلحقوا بهم... ( ٣ ) ( الجمعة ).
وقوله الحق في سورة الحشر :
والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان... ( ١٠ ) ( الحشر )وهي معطوفة أيضا١٢.
وهنا في الآية التي نحن بصددها يقول الحق :
رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم ( ١٠٠ ) ( التوبة ).
وفي هذا القول ما يطمئن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يأت لنا فقط بخبر الفئة السيئة من المنافقين من العرب، المنافقين من الأعراب، ولكنه أوضح لنا أن هناك أناسا أوصلوا لنا جمال هذا الإيمان.

١ أخرجه أحمد في مسنده (٣/١٥٥) عن أنس ابن مالك. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/٦٦):"في إسناد أحمد جسر وهو ضعيف"..
٢ وذلك أن أبا سفيان قد أخذ طريق الساحل بالعير، فقد قال له أحد عيونه: رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شن لهما، ثم انطلقا. فأتى أبو سفيان مناخهما، فأخذ من أبعار بعيرهما، ففته، فإذا فيه النوى فقال: هذه والله علائف يثرب. فرجع إلى أصحابه سريعا،
فضرب وجه عيره عن الطريق، فساحل بها، وترك بدرا بسار، وانطلق أسرع. انظر: سيرة النبي لإبن هشام(٢/٦١٨).

٣ الصناديد هم العظماء الأشداء. وهم هنا: أبو جهل وأمية بن خلف وغيرهما من كبار كفار قريش..
٤ العقيصة: هي نوع قريب م تضفير المرأة لشعرها. قال الليث: العقص أن تأخذ المرأة كل خصلة من شعرها فتلويها ثم تقعدها حتى يبقى فيها التواء ثم ترسلها..
٥ اللصيق: هو الرجل يقيم في الحي وليس له بهم صلة نسب أو قرابة. وهذا كان حال حاطب. وقد جاء به الحديث..
٦ يدا: أي فضلا عليهم يعرفونه لي عند غزو المسلمين لمكة..
٧ متفق عليه. أخرجه البخاري في صحيحه (٣٠٠٧، ٤٨٩٠) ومسلم في صحيحه(٢٤٩٤). عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه..
٨ انظر عدد من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم من البيعتين الأولى والثانية في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم (٢/٣٥٤، ٤٣١). أما عند بدء عرض الإسلام عليهم فقد كانوا ستة من الخزرج، ولكنها لم تكن بيعة..
٩ كان أبي بن كعب الأنصاري من أصحاب العقبة الثانية وشهد بدرا والمشاهد، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"ليهنك العلم أبا المنذر" أخرجه مسلم في صحيحه (٨١٠) وأحمد بنحوه(٥/١٤٢). وقال له: "إن الله يأمرني أن أقرأ عليك". قال: الله سماني لك؟ قال: الله سماك لي. قال: فجعل أبي يبكي" متفق عليه أخرجه البخاري (٤٩٦٠) ومسلم (٧٩٩) وكان عمر يسميه سيد المسلمين ويقول: اقرأ يا أبي. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة (١/١٦) ترجمة: ٣٢..
١٠ القرظ: ورق شجر كانت تدبغ به الجلود في أرض العرب..
١١ انظر تفسير ابن كثير (٢/٣٨٣) والقرطبي (٤/٣١٦٤).
١٢ وقد استشهد أبىّ بن كعب أيضا بآية:والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم... (الأنفال: ٧٥).

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير