ثم ذكر فضل السابقين إلى الإسلام، فقال :
وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذالِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
قلت :( السابقون ) : مبتدأ، ( والذين اتبعوهم ) : عطف عليه، وجملة ( رضي الله عنهم ) : خبر.
يقول الحق جل جلاله : والسابقُون الأولون إلى الإسلام من المهاجرين ؛ وهم الذين صلوا إلى القبلتين، أو الذين شهدوا بدراً، أو الذين أسلموا قبل الهجرة، و من الأنصار ؛ وهم أهل بيعة العقبة الأولى، وكانوا سبعة، أو أهل العقبة الثانية، وكانوا سبعين، أو الذين أسلموا حين قدم عليهم مُصعب بن عُمير.
والذين اتبعوهم بإحسان ؛ اللاحقين بالسابقين من الفريقين، أو من الذين اتبعوهم بالإيمان والطاعة إلى يوم القيامة، رَضِيَ اللهُ عنهم بقبول طاعتهم وارتضاء أعمالهم، ورَضُوا عنه بما نالوا من نِعَمه الدينية والدنيوية، وأعَدَّ لهم جنات تجري من تَحْتَها الأنهار وقرأ ابن كثير :" من تحتها "، كما هي في مصحف أهل مكة. خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم أي : الفلاح الدائم الكبير.
الإشارة : لكل زمان سابقون، قد شمروا عن ساق الجد والاجتهاد، ورفضوا كل ما يقطعهم عن محبوبهم من العشائر والأولاد، قد خرقوا عوائد أنفسهم، فأبدلوا العز بالذل، والجد بالخمول، والغنى بالفقر، والرفعة بالتواضع، والرغبة بالزهد، وشغل الظاهر بالتفرغ ؛ ليتفرغ بذلك الباطن. وسافروا في طلب محبوبهم، وصحبوا المشايخ، وخدموا الإخوان، حتى ارتفعت عنهم الحجب والأستار، وتمتعوا بمشاهدة الكريم الغفار ؛ فتهيؤوا لتذكير العباد، وحيث بهم الأقطار والبلاد. وفي مثلهم يقول الشاعر :
| تَحيا بِكم كُل أَرضٍ تَنْزِلُون بها | كَأَنَّكُم في بِقاع الأرض أَمطَار |
| وتَشتَهِي العينُ فيكم مَنْظَراً حسناً | كأَنَّكُم في عُيون الناس أَقْمَارُ |
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي