ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪ

الراء وضمها وإسكانها، ويجوز " قُرَبٌ ".
ثم قال تعالى: سَيُدْخِلُهُمُ الله فِي رَحْمَتِهِ.
أي: يدخلهم فيمن رحمه.
قوله: والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار، الآية.
المعنى: والذين سبقوا إلى الإيمان، مِنَ المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ، أي: سلكوا سبيلهم في الإيمان بالله ورسوله: رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ، أي: أجزل لهم في الثواب.
قال الشافعي/: والسابقون الأولون: من أدرك بيعة الرضوان.
ورُوي عنه: من أدرك بيعة الشجرة. و " المهاجرون الأولون " من (هاجر

صفحة رقم 3106

قبل البيعة.
وقال أبو موسى الأشعري والسابقون الأولون: المهاجرون الأولون من) صلى القبلتين.
وهو قول ابن المسيب، والحسن، وقتادة، وابن سيرين.
ورُوي عن عمر: أنه قرأ: " والأنصار " بالرفع، عطف على: السابقين، وبذلك قرأ الحسن، وهي قراءة يعقوب الحضرمي.

صفحة رقم 3107

وعم عمر رضي الله عنهـ، أنه قرأ: " الذين اتَّبَعُوهم " بغير واو، فرد عليه زيد بـ " الواو " فسأل عمر أبيّنا، فقال له: " بالواو " فرجع عمر إلى زيادة " الواو ". وهم إجماع من القراء والمصاحف.
ومن قرأ: مِن تَحْتِهَا، بزيادة مِن فمن أجل أنها في مصاحف أهل مكة كذلك، وفي سائر المصاحف بغير مِن.

صفحة رقم 3108

وهذا باب في خطوط المصاحف في الحروف التي اختلف فيها القراء
من ذلك:
قوله في سورة البقرة: وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَداً [البقرة: ١١٦]، هي في مصاحف أهل الشام بغير " واو "، وفي سائر المصاحف بـ: " الواو ".
وفيها: ووصى [البقرة: ١٣٢]، هي في مصاحف المدينة والشام بـ: " ألف " وفي سائر المصاحف بـ: " الواو " بغير ألف.
وفي آل عمران: سارعوا [آل عمران: ١٣٣]، في مصاحف أهل المدينة، وأهل الشام بغير " واو "، وفي سائر المصاحف بـ " الواو ".

صفحة رقم 3109

وفي آل عمران أيضاً: جَآءُوا بالبينات والزبر [آل عمران: ١٨٤]، بزيادة " باء " [في] والزبر، وفي سائر المصاحف بغير " باء " في والزبر، وكلهم حذفها من " وَبِالْكِتَبِ ".
وقد قرأ هشام بن عمار: " وبِالْكِتَبِ " بالباء، ولا أصل لهذه " الباء " في مصاحف أهل الشام ولا غيرهم.
وفي النساء: مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ [النساء: ٦٦]، بألف في مصاحف أهل الشام، وبغير " ألف " في سائر المصاحف.

صفحة رقم 3110

وفي المائدة في مصحف أهل مكة والمدينة والشام: وَيَقُولُ الذين آمَنُواْ [المائدة: ٥٣] بغير " واو "، وفي سائر المصاحف بالواو.
وفي المائدة أيضاً: مَن يَرْتَدَّ [المائدة: ٥٤]، بـ: " دالَيْن "، وفي مصاحف المدينة والشام، وفي باقي المصاحف بـ: " دال " واحدة.
وفي سورة الأعراف، في مصاحف أهل الشام: مَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ [الأعراف: ٤٣] بغير " واو "، وفي سائر المصاحف: وَمَا بـ: " الواو ".

صفحة رقم 3111

وفيها: في قصة صالح:
وقَالَ الملأ [الأعراف: ٧٥]، بزيادة و [او]، في مصاحف الشام، وفي سائر المصاحف: قَالَ بغر " واو ".
وفي براءة مِن تَحْتِهَا [التوبة: ٨٩]، بزيادة " من " في مصاحف مكة، وفي سائر المصاحف، بغير " مِن ".
وفيها: الذين اتخذوا [التوبة: ١٠٧]، بغير " واو "، في مصحف أهل الشام، وأهل المدينة، وفي سائر المصاحف: والذين، بزيادة " واو ".
وفي سورة بني إسرائيل قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي [الإسراء: ٩٣] بـ: " ألف "، في مصاحف أهل مكة

صفحة رقم 3112

والشام، [و] في سائر المصاحف: قُلْ، بغير ألف.
وفي الكهف: خَيْراً مِّنْهُمَا [الكهف: ٣٦]، بزيادة " ميم "، في مصحف أهل المدينة ومكة والشام، وفي سائر المصاحف: مِّنْهَا بغير " ميم ".
وفيها: مَا مَكَّنِّي [الكهف: ٩٥]، بنونين، في مصحف أهل مكة خاصة، وفي سائر المصاحف بـ " نون " واحدة.

صفحة رقم 3113

وفي سورة الأنبياء: قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ [الأنبياء: ٤]، قَالَ رَبِّ احكم [الأنبياء: ١١٢]، بألف فيهما، في مصحف أهل الكوفة، وفي سائر المصاحف: قُل، بغير ألف.
وفيها: لَمْ يَرَ الذين كفروا [الأنبياء: ٣٠]، بغير " واو "، في مصحف أهل مكة، وفي/ سائر المصاحف: أَوَلَمْ بواو.
وفي سورة المؤمنين: سَيَقُولُونَ لِلَّهِ [الأنبياء: ٨٥]، في الأول. [و] في الثاني والثالث:
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ، بالألف، في مصحف أهل البصرة، وفي سائر المصاحف: لِلَّهِ، من غير " ألف " في الثلاثة.

صفحة رقم 3114

وفي سورة الشعراء: وَتَوكَّلْ [الشعراء: ٢١٧] بالفاء، في مصحف أهل المدينة، [و] الشام، وفي سائر المصاحف، وَتَوكَّلْ بالواو.
وفي النمل: أَوْ لَيَأْتِيَنِّي [النمل: ٢١]، بنونين، في مصحف أهل مكة، وفي/ سائر المصاحف، بنون واحدة.
وفي القصص: وَقَالَ موسى ربي أَعْلَمُ [القصص: ٣٧]، بغير " واو "، في مصحف أهل

صفحة رقم 3115

مكة، في سائر المصاحف: وَقَالَ، بالواو.
وفي غافر: أَشَدَّ مِنْهُمْ [غافر: ٢١] بالكاف، في مصاحف الشام، وفي سائر المصاحف: (منهم)، بالهاء.
وفيها: وَأَن يُظْهِرَ [غافر: ٢٦]، بغير ألف قبل الواو، في مصاحف أهل المدينة والبصرة والشام، وفي مصاحف الكوفة: أَوْ أَن، بزيادة ألف.
وفي عَسِق في مصاحف أهل المدينة والشام: فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: ٣٠]، بغير فاء، وفي سائر المصاحف: بِمَا كَسَبَتْ، بالفاء.

صفحة رقم 3116

وفي الزخرف: تَشْتَهِيهِ [الزخرف: ٧١]، بالهاء، في مصاحف أهل المدينة والشام والكوفة، وفي سائر المصاحف: تَشْتَهِيهِ، بغير " هاء ".
وقد قيل: " إنَّها غير مثبتة في مصاحف أهل الكوفة، وذلك قرأوا.
وفي الأحقاف: إِحْسَاناً [الأحقاف: ١٥]، بألف في مصاحف أهل الكوفة، وفي سائر المصاحف: إِحْسَاناً، بغير ألف، أعني قبل الحاء.
وفي سورة الرحمن في آخرها: ذِي الجلال [الرحمن: ٧٨]، بالواو، في مصاحف أهل الشام،

صفحة رقم 3117

وفي سائر المصاحف: ذِي، بالياء.
وفي سورة الحديد: وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى [الحديد: ١٠]، بغير ألف، [في مصاحف أهل الشام، وفي سائر المصاحف: وَكُلاًّ وَعَدَ الله بأللإ.
وفيها: فَإِنَّ الله هُوَ الغني الحميد، بغير (هو)، في مصاحف أهل المدينة [و] الشام، وفي سائر المصاحف: فَإِنَّ الله هُوَ الغني، بزيادة (هو).
وفي سورة الشمس وضحيها: وَلاَ يَخَافُ [الشمس: ١٥]، بالفاء، في مصاحف أهل

صفحة رقم 3118

المدينة والشام، وفي سائر المصاحف: بالواو: " ولا يخاف ".
وذكر أبو حاتم في هذه الحروف أنّ في مصاحف المدينة، خاصة: وَقَالَ الملك ائتوني [يوسف: ٥٤]، بغير ياء قبل التاْء.
وفي الحج والملائكة وَلُؤْلُؤاً [الحج: ٢٣]، بألف، في مصاحف المدينة، وبعض مصاحف الكوفة.

صفحة رقم 3119

وفي الزخرف: ياعباد [الزخرف: ٦٨]، [بياء]، لا حذف في مصاحف المدينة [و] الكوفة.
و قَوَارِيرَاْ [الإنسان: ١٥] الثاني بألف في مصاحف المدينة.
وفي: (قل أوحى): قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُو [الجن: ٢٠]، بغير ألف في مصاحف الكوفة.
وفي النساء: فَآمِنُواْ بالله وَرُسُلِهِ [النساء: ١٧١] على التوحيد، في مصاحف البصرة،
ولم يقرأ به أحد.

صفحة رقم 3120

قال وفي يَس: وَمَا عَمِلَتْهُ [يس: ٣٥] بغير " هاء "، مصاحف أهل الكوفة.
ومثله: إِحْسَاناً [الأحقاف: ١٥]، بـ: " ألف "، في الأحقاف.
ومثله: لَّئِنْ أَنجَانَا [الأنعام: ٦٣]، في الأنعام.
وقال: في مصاحف أهل الشام خاصة في الأنعام: وَلَلدَّارُ الآخرة [الأنعام: ٣٢]، " الآخرة " بلام واحدة.

صفحة رقم 3121

ومثله في: الأعراف: " تحتها " في موضع: مِن تَحْتِهِمُ [الأعراف: ٤٣]، ولم يقرأ به أحد.
ومثله: (وَإِذْ) أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ [الأعراف: ١٤١]، بألف فيهما.
ومثله: كِيدُونِ [الأعراف: ١٩٥] بالياء في الأعراف.

صفحة رقم 3122

ومثله: " ما كان للنبي أن يكون له أسى، بلامين في الأنفال، ولم يقرأ به أحد.
ومثله: (ينشركم) بالشين، في يونس.

صفحة رقم 3123

وهذا باب آخر نذكر فيه سبب اختلاف القراء واختلاف هذه المصاحف
فكان سبب هذا الاختلاف، أن النبي ﷺ، قال: " نزل هذا القرآن على سبعة أحرُفٍ "، فكان من/ قرأ عليه من أصحابه بأي حرف قرأ تركه، ودلّ علكى ذلك حديث عمر مع هشام بن حكيم، إذ سمعه عمر يقرأ القرآن على كغير ما قرأ هو على النبي عليه السلام، فلما توجها إلى النبي صلى الله عيه وسلم، وتحاكما لديه، قرأ عليه، أجاز قراءة كل واحد منهما، وقال: " هكذا " أُنْزِلَ ". وكان اختلافها في أحرفٍ من سورة الفرقان.
فدل على أنه ﷺ، كان يترك كل واحد يقرأ على لُغَتِهِ، فإذا صح أنه كان يقرأ كل واحد على لغته، وصح عنه ﷺ، أنه كان يرسل أصحابه إلى البلدان، يعلمونهم القرآن والفقه في الدين، وأنه وجّه معاذ بن جبل إلى اليمن وكان قد خَلَفَه قبل ذلك، وأبا موسى الأشعري بمكة [حين] توجه إلى حنين لحر هَوَازِن ليعَلِّمَا من كان بها القرآن والعلم.

صفحة رقم 3124

وبعث إلى الطائف مثل ذلك عثمان بن أبي العاص الثقفي.
ثم توفي النبي ﷺ، وفتحت البلدان، فمضى على سيرته وزيراه: أبو بكر وعمر.
فوجه عمر ابن مسعود إلى الكوفة مُعَلِّماً لهم، ووجه أبا (موسى) إلى البصرة مثل ذلك. وكان بالشام معاذ بن جبل، وأبو الدرداء. وكان بالمدينة جماعة من أصحاب النبي ﷺ، من أهل حفظ القرآن منهم: أُبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، فكان كل واحد يقرئ في موضعه بحرفٍ من السبعة التي أمر الله تعالى، بها نبيه عليه السلام.

صفحة رقم 3125

فلما انتشر ذلك في البلدان، وتعلم الناس، وسافروا من كل بلد وتلاقوا في الغزوات، واجتمعوا في الموسم، قرأ كل قوم كما عُلِّمُوا، فأنكر بعضهم على بعض، الزيادة والنقص، والرفع والنصب، وكذَّبَ بعضهم بعضاً، وعظم الأمر فيهم، وذلك في أيام عثمان.
فتكلم بعض أصحاب النبي عليه السلام إلى عثمان أن يكتب للناس مصحفاً يجمعهم عليه، وكان ممن كلمه في ذلك حُذَيْفة [بن] اليمان، وقد كان أراد أن يكلم عمر في مثل ذلك، حتى مات عمر رضي الله عنهـ، وكان حذيفة قدم من غزوة شهدها بإرمينية، فرأى اختلاف الناس في القرآن، فلما قدم المدينة لم يدخل (بيته) حتى أتى عثمان، فقال: يا أمير المؤمنين، أدْرِك الناس، فقال عثمان: وما ذلك؟ فقال: غزوة إرمينية يحضرها أهل العراق، وأهل الشام، فإذا أهل المدينة يقرأون بقراءة: أُبَيّ بن كعب، فيكفرهم أهل العراق، و (أهل العراق) يقرأون بقراءة ابن مسعود فيأتون بما لم

صفحة رقم 3126

يسمع أهل الشام، فيكفرهم أهل الشام.
فجعل عثمان زيداً يكتب مصحفاً وأدخل معه رجلاً فصيحاً، وهو أبان بن سعيد بن العاص، وقال لهما: إذا اجتمعتما فاكتبا، وإذا اختلفتما فارفعا إليّ ما تختلفان فيه.
قال أنس بن مالك: اجتمع لغزوة أَذْرَبِيجان وإرمينية أهل الشام والعراق،

صفحة رقم 3127

فتذاكرا القرآن فاختلفوا فيه، حتى كاد يكون بينهم فتنة، فركب حذيفة بن اليمان في ذلك إلىعثمان، فقال: إن الناس قد اختلفوا في القرآن، حتى أني والله خشيت أن يصيبهم ما أصاب اليهود والنصارى من الاختلاف.
فَفَزع لذلك عثمان رضي الله عنهـ، فزعاً شديداً، وأرسل إلى حفصة فاستخرج المصحف الذي كان أبو بكر، رضي الله عنهـ، أمر زيداً بجمعه، فنسخه منه مصاحف فبعث بها إلى البلدان.
وكان عثمان قد انسخ من المصحف الذي عند حفصة، بحضرة زيد بن ثابت وأبان بن سعيد بن العاص.
وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بن الزبير، وقال: ما اختلفم فيه فاكتبوه بلسان قريش.
قال الزهري: فاختلفوا يومئذ في التابوت [البقرة: ٢٤٨]، فقال القرشيون:

صفحة رقم 3128

التابوت، وقال زيد: " التَّابُوه ".
فرفع/ اختلافهم إلى عثمان، فقال: اكتبوه بلغة قريش.
فلما كتب عثمان النسخة، جعلها أربع نسخ، فأنفذ مُصْحفاص إلى: الشام، ومصحفاً إلى العراق، ومصحفاً إلى اليمن، واحْتَبس مُصحفاً.
وقيل: بل وجه واحداً إلى الشام، وآخر إلى الحجاز، وآخر إلى الكوفة، وآخر إلى البصرة.
وقيل: بل كتب سبعة مصاحف، فبعث مصحفاً إلى مكة، ومصحفاً إلى الكوفة، ومصحفاً إلى البصرة، ومصحفاً إلى الشام، ومصحفاً إلى اليمن، ومصحفاً إلى البحرين، واحتبس مصحفاً.
فأما مصحف اليمن والبحرين فليس يعرف لهما خبر.
ولم يمت النبي ﷺ، إلاَّ والقُرْآنُ مُؤَلَّفٌ في الصُّدُور، إلا أنه لم يكتب في مصحف.
وأول من جمعه أبو بكر رضي الله عنهـ في المصحف، ومات وتركه عند عمر،

صفحة رقم 3129

ومات عمر وتركه [عند] حفصة ابنته. قال ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ، وذكره السدي.
وروى الزهري عن عبيد بن السّبَّاق أن زيد بن ثابت حدثه، قال: أرسل إلي أبو بكر، فأتيته، فإذا عنده عمر رضي الله عنهـ، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني، فقال: إن القتل اسْتَحَرَّ بقراء القرآن يوم اليمامة، وإني أخْشَى أن يَسْتَحشرَّ القتل بالقراء في المواطن كلها، فيذهب قرآن كثير، وإنّي أرى أنْ تأْمر بجمع القرآن. قال أبو بكر: فقلت فيكف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ، فقال عمر: هو والله خير، قال أبو بكر: فلم [يزل] عمر يراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري له، ورأيت فيه الذي رأى عمر. قال زيد: قال لي أبو بكر: إنَّك رجل شاب عاقل لا نتهمك، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ، فَتَتَبَّعْ القرآن فاجمعه. قال زيد: فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال لكان أثقل عليّ من ذلك. فقلت: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ؟ فقال أبو بكر:

صفحة رقم 3130

هو والله خير. فلم يزل يراجعي في ذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهـ، حتى شرح الله صدري للذي شرح إليه صدرهما، فتتبعث القرآن من الرِّقَاع والعُسُبِ، ومن صدور الرجال، فوجدت آخر سورة براءة مع خزيمة بن ثابت لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ [التوبة: ١٢٨]، إلى آخرها، وكانت الصحف عند أبي بكر حتى مات، ثم كانت عند عمر حتى مات، ثم كانت عند حفصة، ثم نسخ عثمان من عند حفصة المصاحف، ووجه إلى كل أُفقٍ مصحفاً، وأمر بما سوى ذلك أن يُحَرَّق.
ومعنى قول النبي ﷺ: " أُنْزِل القرآن على سبعة أَحْرُف "، أي: على سبع لغات متفرقة في القرآن، (لا أن كُلَّ حرف من القرآن) يقرأ على سبع لغات.
قال الشيخ أبو بكر، رضي الله عنهـ، وَجْهُ هذه الزيادة والنقص في المصحاف، أنها كتبت على قراءة من كان وجه إلى كل بلد من الصحابة، ويدل على ذلك أنَّ القراء

صفحة رقم 3131

يُسْنِدُونَ قراءتهم إلى إمام مِصْرهم من الصحابة، وقد كانت هذه الحروف يقرأ بها على عهد رسول الله ﷺ، وتنقص، ولولا ذلك ما أثبتت في بعض المصاحف وحذفت من بعض ولا يجوز/ أن يُتَوَهَّم أنها وهم من الكابت؛ لأن الله قد حفظه، ويدل على ذلك أن علياً لما صارت إليه الخلافة لم يغير منها شيئاً بل استحسن فعل عثمان، وقد كانوا يكرهون النقط في المصاحف خوف الزيادة، فكيف يزيدون الحروف وتجوز عليهم الزيادة.
وكره النخعي الفصل بين السور، والتَّعْشِيرِ، بالحمرة.
وقال يحيى بن كثير: كان القرآن مُجَرَّداً، فأول ما أُحْدِثَ فيه العَجْمُ: نقط التاء والثاء، فلم ينكره أحد، ثم أحدثوا نَقْطاً على منتهى الآي، ثم أحدثوا التعشير، ثم أحدثوا الفواتح والخواتم.
وقال قتادة: وددت أنَّ الأيدي قُطِعت في هذه النقط.
فليس يجوز على هذا الاحتياط أن تقع هذه الحروف إلا بنصّ وَمَعْرِفَةٍ، ولم تقع على وهم من الكاتب.

صفحة رقم 3132

وقد ذكر أبو بكر عن بعض العلماء أنه قال: إنَّ إصحاب رسول الله ﷺ، لما جمعوا القرآن ونسخوه من عند حفصة في نسخ، عمدوا إلى كل حَرْفٍ سمعوا رسول الله ﷺ، قِرأه على وجهين، فأثبتوا في مصاحف وجهاً، وفي مصاحف وجهاً آخر. لتحصل الوجهان للمسلمين، ولا يسقط عنهم وجه قراءته، فحصل على هذا الاختلاف في المصاحف على هذا الوجه، وهو داخل في السبعة، وهذا إن شاء الله هو الحق والصواب.
فأما اختلافهم في الحركاتت والمْدَ والْقَصْر والهمز وشِبْهه من إبدال حرف مكان آخر بصورته، فإن السبب في ذلك أن المصاحف التي وجهت إلى الأمصار لم تضبط ولا نقطت، وإنما كانت حروفاً أشخاصاً. فلما خلت الحروف من النقط والضبط صارت التاء (التي) هي غير منقوطة محتملة لأن تكون: ياءً أو باءً أو تاءً، واشتركت الصور في الحروف. ألا ترى أنك لو كتبت " لم يقم "، ولم تنقط الحرف الأول جاز أن يكون تاء، وباء، ونوناً، فقرأ أهل كل مصر على ما كانوا تعلموا من إمامهم الصحابي قبل إتيان المصاحف إليهم، فقرأ أهل البصرة على ما كان علمهم أبو موسى الأشعري، وأهل الكوفة على ما علمهم علي، وابن مسعود، وأهل الحرمين على ما تعلموا من أُبيّ، وزيد، وأهل الشام على ما تعلموا من معاذ بن جبل، وأبي الدرداء، ووافقوا بقراءتهم خط المصحف الذي وجه إليهم، فقرأ هؤلاء بنصبٍ وهؤلاء برفعٍ،

صفحة رقم 3133

وهؤلاء بِهَمْزٍ، وهؤلاء بِيَاءٍ، وهؤلاء بِتَاءٍ والصور واحدة، كل قوم قرأوا على ما كانوا تعلموا قبل وصول المصحف إليهم، فوافقوا بقراءتهم المصحف الذي وجه إليهم من زيادة أو نقص. فهذا سبب الاختلاف.
وقد كان جَمَعَ القرآن على عهد النبي ﷺ، ستة نفرٍ من الأنصار: معاذ بن جبل، وأُبيُّ بن كعب، وأبو الدرداء، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، وسعد، بن عبيد. وجمعة مُجَمَّعُ بن جارية، إلا سورتين، ولم يجمعه من الأئمة إلا عثمان.
وذكر أنس والشعبي أنه لم يجمعه على عهد النبي عليه السلام، أحدٌ. والدليل على ذلك أن عثمان لم يتكل فيه على أحدٍ حتى جمع إليه جماعة، وأن زيد بن ثاتب قال: جمعته من صدور الرجال، ومن كذا وكذا، فهذا يدل على أنه لم يكن يحفظه.

صفحة رقم 3134

الهداية الى بلوغ النهاية

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي

الناشر مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
سنة النشر 1429
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية