ﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘ

قال الله تعالى :
ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين [ التوبة : ٤٦ ].
وفيها مسألة واحدة وهي :
[ ٥١ ] هل شاء الله الكفر والفسق ؟
قال ابن حزم رحمه الله تعالى :
( وذهب أهل السنة : أن لفظة ( شاء )، و( أراد ) لفظة مشتركة تقع على معنيين : أحدهما الرضى والاستحسان، فهذا منهي عن الله تعالى أنه أراده، أو شاءه في كل ما نهى عنه. والثاني : أن يقال : أراد وشاء بمعنى أراد كونه، وشاء وجوده، فهذا هو الذي نخبر به عن الله عز وجل في كل موجود في العالم من خير أو شر...
وقال أهل السنة : ليس من فعل ما أراد الله تعالى وما شاء الله، كان محسنا، إنما المحسن من فعل ما أمره الله تعالى به، ورضيه منه...
قال تعالى : وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [ المدثر : ٣١ ].
قال أبو محمد : وهذه الآية غاية في البيان في أن الله تعالى جعل عدة ملائكة النار فتنة للذين كفروا، وليقولوا : ماذا أراد الله بهذا مثلا، فأخبر تعالى : أنه أراد أن يفتن الذين كفروا، وأن يضلهم فيضلوا، وأنه تعالى قصد إضلالهم وحكم بذلك كما قصد هدى المؤمنين وأراده.
وكذلك قال تعالى : ولو جعلنا قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى [ فصلت : ٤٤ ].
قال أبو محمد : فنص تعالى على أنه نزل القرآن هدى للمؤمنين، وعمى للكفار، وبيقين ندري أنه تعالى إذ أنزل القرآن أراد أن يكون، كما قال تعالى : وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ [ يونس : ٩٩-١٠٠ ].
هكذا هي الآية كلها موصولة بعضها ببعض، فنص تعالى على أنه لو شاء لآمن الناس والجن، وهم أهل الأرض كلهم، و( لو ) في لغة العرب التي بها خاطبنا الله عز وجل ليفهمنا : حرف يدل على امتناع الشيء لامتناع غيره ؛ فصح يقينا أن الله تعالى لم يشأ أن يؤمن كل من في الأرض، وإذ لا شك في ذلك، فباليقين ندري أنه شاء منهم خلاف الإيمان، وهو الكفر، والفسق لا بد، ولو كان الله تعالى أذن للكافرين بالإيمان على قول المعتزلة، لكان كل من في الأرض قد آمن، لأنه تعالى قد نص على أنه لا يؤمن أحد إلا بإذنه، وهذا أمر من المعتزلة يكذبه العيان ؛ فصح أن المعتزلة كذبت، وأن الله تعالى صدق، وأنه لم يأذن قط لمن مات كافرا بالإيمان، وأن من عمي عن هذه لأعمى القلب، وكيف لا يكون أعمى القلب، من أعمى الله قلبه عن الهدى، وبالضرورة ندري أن قول الله تعالى : وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله [ يونس : ١٠٠ ] حق، وأن من لم يأذن الله تعالى له في الإيمان، فإنه تعالى لم يشأ أن يؤمن، وإذ لم يِشأ أن يؤمن ؛ فبلا شك أنه تعالى شاء أن يكفر، هذا ما لا انفكاك منه.
وقال تعالى : ونذرهم في طغيانهم يعمهون ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله [ الأنعام : ١١٠ – ١١١ ].
فبين تعالى أتم بيان على أن الآيات لا تغني شيئا، ولا النذر، وهم الرسل، وأنه لا يؤمن شيء من ذلك، إلا من شاء الله عز وجل أن يؤمن، فصح يقينا أنه لا يؤمن إلا من شاء الله إيمانه، ولا يكفر إلا من شاء الله كفره، فقال تعالى حاكيا عن يوسف عليه السلام أنه قال : وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن [ يوسف : ٣٣-٣٤ ].
فبالضرورة نعلم : أن من صبا وجهل، فإن الله تعالى لم يصرف عنه الكيد الذي صرفه برحمته عن من لم يصب ولم يجهل، وإذ صرفه تعالى عن بعض ولم يصرفه عن بعض، فقد أراد تعالى إضلال من صبا وجهل.
وقال تعالى : وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا [ الأنعام : ٢٥ ].
فليت شعري إذ قال تعالى : إنه جعل قلوب الكافرين في أكنة أن يفقهوا القرآن، وجعل الوقر في آذانهم، أتراه أراد يفقهوه، أو أراد ألا يفقهوه ؟ وكيف يسوغ في عقل أحد أن يخبر تعالى : أنه فعل عز وجل شيئا لم يرد أن يفعله ولا أراد كونه، ولا شاء إيجاده، وهذا تخليط لا يتشكل في عقل كل ذي مسكة من عقل – فصح يقينا أن الله تعالى أراد كون الوقر في أذهانهم١، وكون الأكنة على قلوبهم.
وقال تعالى : ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء [ النحل : ٩٣ ].
فنص تعالى على أنه لم يرد يجعلنا أمة واحدة، ولكن شاء أن يضل قوما ويهدي قوما، فصح يقينا أنه تعالى، شاء إضلال من ضل، وقال تعالى : مثنيا على قوم، ومصدقا لهم في قولهم : قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا [ الأعراف : ٨٩ ].
فقال النبيون عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم قول الحق الذي شهد الله عز وجل بتصديقه أنهم إنما خلصوا من الكفر بأن الله تعالى نجاهم منه، ولم ينج الكافرين منه، وأن الله تعالى إن شاء أن يعودوا في الكفر عادوا فيه – فصح يقينا أنه تعالى شاء ذلك ممن عاد في الكفر.
وقد قالت المعتزلة في هذه الآية : معنى هذا إلا أن يأمرنا الله بتعظيم الأصنام كما أمرنا بتعظيم الحجر الأسود والكعبة.
وقال أبو محمد : وهذا في غاية الفساد، لأن الله تعالى لو أمرنا بذلك لم يكن عودا في ملة الكفر بل كان يكون ثباتا على الإيمان، وتزايدا فيه.
قال تعالى : في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا [ البقرة : ١٠ ].
فليت شعري إذ زادهم الله مرضا أتراه لم يشأ، ولا أراد ما فعل من زيادة المرض في قلوبهم، وهو الشك والكفر ؟ وكيف يفعل الله ما لا يريد أن يفعل ؟ وهل هذا إلا إلحاد مجرد ممن قاله ؟ !
وقال تعالى : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [ البقرة : ٢٥٣ ].
فنص تعالى على أنه لو شاء لم يقتتلوا، فوجب ضرورة أنه شاء وأراد أن يقتتلوا وفي اقتتال المقتتلين ضلال بلا شك، فقد شاء الله تعالى كون الضلال، ووجوده بنص كلامه تعالى.
وقال عز وجل : ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا [ المائدة : ٤١ ].
فنص تعالى على أنه أراد فتنة المفتتنين، وهم الكفار، وكفرهم الذين لم يملك لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الله شيئا، فهذا نص على أن نعمة الله تعالى أراد كون الكفر من الكفار.
وقال تعالى : أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم [ المائدة : ٤١ ].
قال أبو محمد : وهذا غاية البيان في أنه تعالى لم يرد أن يطهر قلوبهم وبالضرورة ندري أن من لم يرد الله أن يطهر قلبه فقد أراد فساد دينه الذي هو ضد طهارة القلب.
وقال تعالى : ولو شاء الله لجمعهم على الهدى [ الأنعام : ٣٥ ].
وهذا غاية البيان في أن الله تعالى لم يرد هدى الجميع، وإذا لم يرد هداه فقد أراد كون كفرهم الذي هو ضد الهدى.
وقال تعالى : ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين [ السجدة : ١٣ ].
قال أبو محمد : هذا غاية البيان في أنه تعالى لم يشأ هدى الكفار لكن حق قوله بأنهم لا بد من أن يكفروا فيكونوا من أهل جهنم.
وقال تعالى : من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم [ الأنعام : ٣٩ ].
فأخبر تعالى أنه شاء أن يضل من أضله، وشاء أن يهدي من جعله على صراط مستقيم، وهم بلا شك غير الذين لم يجعلهم على صراط مستقيم، وأراد فتنتهم وألا يطهر قلوبهم، وأن يكونوا من أصحاب النار، نعوذ بالله من ذلك.
وقال تعالى حاكيا عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه قال : لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين [ الأنعام : ٧٧ ].
فشهد الخليل عليه السلام أن من لم يهده الله تعالى ضل، وصح أن من ضل فلم يهده الله عز وجل، ومن لم يهده الله، وهو قادر على هداه – فقد أراد ضلاله وإضلاله، ولم يرد هداه.
وقال تعالى : ولو شاء الله ما أشركوا [ الأنعام : ١٠٧ ].
فصح يقينا لا إشكال فيه أن الله تعالى شاء أن يشركوا إذ نص على أنه لو شاء ألا يشركوا ما أشركوا.
وقال تعالى : يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه [ الأنعام : ١١٢ ].
وهذا نص على أنه تعالى شاء أن يفعلوه، إذ أخبر أنه لو شاء ألا يفعلوه ما فعلوه وقال تعالى : وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه [ الأنعام : ١٣٧ ].
فنص تعالى على أنه لو لم يشأ أن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ما أوحوه، ولو شاء ألا يلبس بعضهم دين بعض، وألا يقتلوا أولادهم ما لبس عليهم دينهم، ولا قتلوا أولادهم، فصح ضرورة أنه تعالى شاء أن يلبس دين من التبس دينه وأراد كون قتلهم أولادهم، وأن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا.
وقال تعالى : ولو شاء الله لسلطهم عليكم [ النساء : ٩٠ ]. فصح يقينا : أنه تعالى سلط أيدي الكفار على من قتلوه من الأنبياء والصالحين.
وقال تعالى : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء [ الأنعام : ١٢٥ ].
فنص على أنه يريد هدى قوم فيهديهم، ويشرح صدورهم للإيمان، ويريد ضلال آخرين فيضلهم بأن يضيق صدورهم، ويحرجها فكأنهم كلفوا الصعود إلى السماء فيكفروا.
وقال تعالى : واصبر وما صبرك إلا بالله [ النحل : ١٢٧ ].
فنص تعالى على أن من صبر فصبره ليس إلا بالله – فصح أن من صبر فإن الله آتاه الصبر، ومن لم يصبر، فإن الله عز وجل لم يؤته الصبر. وقال تعالى : ولا تنازعوا [ الأنفال : ٤٦ ] فنهانا عن الاختلاف.
وقال تعالى : ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم [ هود : ١١٨-١١٩ ].
فنص تعالى أنه خلقهم للاختلاف، إلا من رحم الله منهم، ولو شاء لم يختلفوا ؛ فصح يقينا أن الله خلقهم لما نهاهم عنه من الاختلاف، وأراد كون الاختلاف منهم.
وقال عز وجل : تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير [ آل عمران : ٢٦ ].
وقال تعالى : بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا [ الإسراء : ٥ ].
إلى قوله تعالى :{ وليدخلوا ا

١ لعل الصواب : في آذانهم..

آراء ابن حزم الظاهري في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير