لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين( ٤٤ ) إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون( ٤٥ )*ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين( ٤٦ ) }
ذكر البغوي وغيره عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف المنافقين حتى نزلت سورة براءة، والظاهر أن مراده لم يكن يعرفهم كلهم ويعرف شؤونهم بمثل ما في هذه السورة من التفصيل، كما قال الله له في الذين مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم [ التوبة : ١٠١ ]، وستأتي في هذا السياق. إذ من المعلوم أن ذكر المنافقين وبعض صفاتهم وأقوالهم وأفعالهم جاءت في عدة سور نزلت قبل سورة براءة : منها سور المنافقين والأحزاب والنساء والأنفال والقتال والحشر، وأما سورة براءة فهي الفاضحة لهم والكاشفة لجميع أنواع نفاقهم الظاهرة والباطنة، وهذه الآيات أول السياق في هذا البيان للتفرقة بينهم وبين المؤمنين في أمر القتال، ولعله صلى الله عليه وسلم لم يعلم ذلك إلا بعد نزولها.
ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة من الزاد والراحلة وغير ذلك مما يعد لمثل هذا السفر البعيد، وكانوا مستطيعين لذلك ولم يفعلوا، كما دلت عليه الآية.
ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم الانبعاث مطاوع البعث، وهو إثارة الإنسان أو الحيوان وتوجيهه إلى الشيء بقوة ونشاط كبعث الرسل، أو إزعاج كبعثت البعير فانبعث، وبعث الله الموتى. والتثبيط التعويق عن الأمر والمنع منه بالتكسيل أو التخذيل، ولم ترد في التنزيل إلا في هذه الآية. والمعنى كره الله نفرهم وخروجهم مع المؤمنين لما سيذكر من ضرره العائق عما أحبه وقدره من نصره، فثبطهم بما أحدث في قلوبهم من الخواطر والمخاوف التي هي مقتضى سنته في تأثير النفاق، فلم يعدوا للخروج عدته لأنهم لم يريدوه، وإنما أرادوا بالاستئذان ستر ما عزموا عليه من العصيان.
وقيل اقعدوا مع القاعدين في هذا القيل وجوه :
أحدها : أنه تمثيل لداعية القعود التي هي أثر التثبيط، وفي معناه أنه أمر قدري تكويني لا خطاب كلامي.
والثاني : أنه قول الشيطان بالوسوسة.
والثالث : أنه قول بعضهم لبعض.
والرابع : أنه حكاية لإذن الرسول صلى الله عليه وسلم لهم، وأنه قاله بعبارة تدل على السخط لا على الرضاء، إذ معناه اقعدوا مع الأطفال والزمنى والعجزة والنساء، فأخذوه على ظاهره لموافقته لمرادهم.
ويحتج المجبرة ومنهم الأشعرية على المعتزلة بهذه الآية، ويتأولها هؤلاء بأنها لا تنافي وجوب مراعاة المصالح وتحسين العقل وتقبيحه، ومذهبنا في أمثالها أنها بيان لسنة الله تعالى في ترتيب الأعمال الاختيارية، على ما يبعث عليها من العقائد والصفات النفسية، وموافقة ذلك هنا لحكمته وعنايته تعالى بأمر المؤمنين، وذلك توفيق أقدار لأقدار، في ضمن دائرة الاختيار، فلا جبر ولا اضطرار للعبد، ولا وجوب على الرب، فالحكمة والرحمة وما في شرعه من موافقة المصالح ودرء المفاسد مما يجب له، ولا يجب عليه شيء إلا ما أوجبه وكتبه على نفسه كالرحمة.
تفسير المنار
رشيد رضا